قراءات ودراسات

جديرٌ بأنْ يُقْرأ :وطن من زجاج لـ: “ياسمينة صالح”

بقلم الدكتور : عامر مخلوف

لعل أوَّل ما يثير القارئ هو هذا العنوان. يبتدئ بكلمة نكرة” وطن” متبوعة بشبه جملة هي عبارة عن جار ومجرور”من زجاج”. لكن ليس التنكير -في الواقع- إلا إيهاماً ووهْما.ً إذ القارئ لا شك ينصرف ذهنه مباشرة إلى الكتاب وما بين دفَّتيْه تحديداً، ليخلص إلى أن ما ترويه الكاتبة يمثل وطناً من زجاج. وحينها يحضر اسم الإشارة بالرغم من إرادة القارئ كأنْ يصبح العنوان (هذا وطن من زجاج). وحينها يتبادر إلى الذهن تساؤل آخر : لماذا هو من زجاج؟ هل لأنه عارٍ شفَّاف كل الناس يعرفون ما يجري بداخله وهو جميل أيْضاً؟ أم لأنه من الهشاشة بحيث أصبح سريع الانكسار؟
يبدو أن الدلالتيْن لا تناقض بينهما. فما يسعى الخطاب الرسمي إلى إخفائه لا يلبث أن ينكشف، يفضحه الواقع. فها هو النظام يحاول أن يقلِّل من هوْل ما يجري في عز الإرهاب من تقتيل وتخريب واختطاف واغتصاب ببنما الواقع يفضحه يومياً. ويحضر المسؤولون إلى المدرسة بعدما ارتُكبت فيها جريمة شنعاء ليزيِّنوا الوضع في أعين الناس وكأن شيْئا لم يكن ، لكن المعلم الجريء يُكذِّبهم كما تكذِّبهم أعين الأطفال البريئة. فهو خطاب عارٍ لا يستره أي ديكور زائف. وهو ينكسر بمجرد إطلاقه لولا أنه يتسببَّ في تكسير الوطن أيْضاً.
تبقى الثورة المسلَّحة مَعْلماً يتَّكئ عليه معظم الكُتَّاب الجزائريين، إما تمجيداً ومسايرة للخطاب الرسمي، وإما نقداً لواقع باستحضار المبادئ التي ضحَّى من أجلها الشهداء.
و”ياسمينة صالح” لا تشذُّ عن هذه القاعدة عندما تصوِّر “سي العربي” الذي نشأ يتيماً والتحق بالثورة في سن العشرين ليُكلَّف بتصفية العملاء. لكنَّ أحدَهم استطاع أنْ يتمكَّن منه ذات يوم، ونجا بعد علاج طويل ليبقى مبتور الساق مشلول الذراع يُذكِّر بمجدٍ ضائع. ((لم يكن يصغي إليه أحد..فلا أحد يصغي إلى التاريخ المرتبط في الذاكرة بالخسائر الاجتماعية التي وقعت بعد الاستقلال، وبـ”أصول النهب” التي جرَّت الناس إلى المجاعة والشحاذة! كأن الشهداء خرافة.. كأن الثورة كذبة تاريخية لأجل حاضر بائس..))ص:11
انكسارات متتالية من حال “سي العربي” إلى هذا الشاب الذي صار يُلقَّب “لاكامورا” نشأ بدوره يتيم الأم ثم هجر والدُه البيت بسبب ممارسات جدِّه الإقطاعي وحتى عمَّته المعوَّقة وهي الوحيدة التي بقيت تحتضنه فارقت الحياة فلم يجد سوى أسرة المعلِّم ملجأ يحنُّ عليه.
تجعل الكاتبة من هذه الشخصية الرئيسة سارداً أساسياً ينسق ويؤلِّف بين مقطوعات قصصية بواسطة مونولوج طويل. فإذا المعلِّم الذي استمر يعارض الرسميين يُطرد من عمله لينتهي بائعاً في متجر ثم حمَّالا إلى أن يموت، وابنه “نذير” يُنشئ جريدة (مدى الجزائر). ثم يلتقيان ليشتغلا معاً في الجريدة.
لكن المآسي تلاحق الوطنيين المخلصين. يُغتال الشرطي”ّالرشيد” ويُختطف “سي العربي” ويُغتال “نذير” و”كريمو” المُصوِّر الجريدة، وكذا الضابط الذي خطب أخت “نذير” بعدا أصبحت طبيبة وكان يحلم بمستقبل جميل.
بينما هناك الوجه الآخر الذي يَغْتال الوطن كل يوم” المهدي ” الشاذ الذي يُعَرْبد بسيَّاراته الفاخرة في الجامعة لأنه من أبناء السادة الحاكمين ورئيس البلدية الذي تولَّى المسؤولية ليكسب الرزق من بابه المُحرَّم ثم خائن الثورة الذي تربَّع على لائحة الانتخابات.
في هذه الأجواء المأساوية والمناقضة لمُثُل الثورة –لا شك- يصبح الوطن أشبه ببيْت من زجاج هش سريع الانكسار ومكشوفاً في آن. ولا يجد الصحفي المُحقِّق إلا أن يقف مندهشاً مذعوراً أما طفل أَفْقدتْه المجزرة أهله، فيقول:(( كنتُ مُطالباً بكتابة تحقيق عن المجزرة والمدرسة، ووجدتني لا أفعل سوى التقاط صورة ذلك الطفل الذي بقيت عيناه تطاردانني أينما ذهبت، طفل لم يكن لي الوقت لأسأل عن اسمه، أو عمَّا سيفعله الآن، بعد أن انتهى الوطن في عيْنيه مع نهاية أولئك الذين أحبَّهم وكانوا ذات يوم أهله..هل يمكن لوطن أن يعيش بعد مجزرة ؟تعيش الأكاذيب التي نلفقها عن الحلم والوطن القادم ..وتعيش الخيانة التي عبرها نسمي هذا الطفل ضحية ونسمي من قتل أهله”تائباً مقبلا”ونسمِّي من اغتصب أخته” مغترّاً به))ص:72
إنه وطن يثير الدهشة والغرابة حين يتصرَّف المسؤول في قطاع الدولة كأنه مزرعة خاصة، وفيه يعاني المجاهد القديم الفقر والتهميش، حين تنقلب القيم ويتوب المجرم لينزل تائباً ملطَّخاً بدماء الأبرياء- وفوق ذلك- يُطلُّ عليْنا من شاشات التلفزة بطلا في زمن البطولة الزائفة والثورة المخدوعة.
إن من يقرأ هذا العمل (وطن من زجاج)، قد لا يروقه- أدبياً- ميلُ الكاتبة إلى النبرة الخطابية المباشرة، كما قد تعترضه هنات لغوية من حين لآخر، ولكن لا يمكنه إلا أن يُقدِّر هذا النفَس الطويل في صياغة المناجاة والتعبير عن الحيرة والقلق، واختيارها عبارات كثيراً ما تخرج عن المألوف لتعانق لغة الإبداع، والأهمُّ من ذلك أنها تتميَّز بوعي وطني هو المحرِّك الأساسي لفعل الكتابة لديْها.
إنها أول مرة أقرأ عملا لهذه الكاتبة، ولكنه لا يزيدني إلا قناعة بأنه من الإجحاف وسوء التقدير أن ننظر إلى الأدب الجزائري بعيْن الدونية والاستخفاف.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق