قراءات ودراسات

مفرد في صيغة الجمع

د. رضا الأبيض

عن دار سما للنشر والوزيع بالكويت أصدر الكاتب والروائي جمال حسين علي سنة 2016 كتابه ” ما التقطه الطير من العاصفة. نصوص في فن الحياة.” في حوالي 330 صفحة.
صدّر جمال حسين كتابه بقول غبريل ماركيز : “إن فنّ الحياة أصعب شيء في الدنيا”. واستهله بمقدّمة أكدّ فيها أنّ الكُتبَ لا تجيب عن كلّ أسئلة الحياة، مهما ادعت ذلك، ولكنّ الإبحارَ فيها مفيدٌ لاشكّ، وأنّ غاية ما يأمله في كتابه هذا، الذي لا يريده نصائحَ بقدر ما يريده سردا لتجربة، أن يساعد قارئه على الانتباه إلى قيمة الوقت.
فإذا انتقلنا إلى متن الكتاب وجدنا مؤلفه يوزّعه إلى ما يشبه الفقرات أو الشذرات القصيرة، يكتبها في شكل أسطرٍ شعرية، وينظّمها وفق مبدأ التجاور الفضائيِّ، في مواضيع شتّى لا تقتصر على تيمة الوقتِ، بل تتعدّها إلى كثير من موضوعاتِ الحياة وقضاياها وأسئلتها كالعمل والقراءة والعقل والحظّ والحلم والأمل والمال والرزق الصداقة والحب والمرأة والذاكرة والنسيان والتضحية والألم والشكوى والخير والسعادة..

شذرات هي ممّا التقطه الكاتبُ من خضمّ الحياة العاصفة، يكتبها على النحو الذي تكتب به عادةً الأقوال المأثورة والحكم الخالدة، ليضعها بين يديْ قارئه تجربة في الحياة تُرْوَى أكثر من كونها نصائح أو توصيات للتوجيه والاقتداء.
إن الحياة لمّا كانت تجربة تعاشُ وليست دروسا تعطى، صار مقصد المؤلف ومرمى ” ما يلتقطه الطير” ، على الأقل من وجهة نظر مؤلّفه، ليس النصح أو التعليم والتربية، وإنّما كتابة التجربة وفنّ سردها. يقول في مقدمة الكتاب: ” إني أكره النصائح وأميل أكثرَ إلى سرد- التجارب” (ص7)، مقتديا في ذلك بأنشتاين الذي قال إنه لا يعلّم بل يحضّر الظروف لكي يتعلّم الآخرون بجهودهم. أو هو مثلما يستفاد من الحكمة الصينية لا يُعطي سمكا بل يعلّم من أراد سمكا كيف يصطاد. إنه لا يقود العربة بل يساعدعلى ركوبها..
يتكون كتاب جمال حسين من عشرات الشذرات التي تتشابه من الناحية الشكلية، من ناحية الشكل الكتابيّ والإيجاز الكمّي، والتي لا نعدم بينها أيضا توافقا بالنظر إلى الخلفية الفكرية المؤطرة والموجّهة للعمل كلّه.
من هذه الشذرات نقرأ على سبيل المثال :
إذا كانت ولادتك حدثت رغما عنك
لتكن حياتك
رغما عنها. (ص9)
قد تكون كل الأيام جميلة
ربما ليس ذنبها،
أنك تتأخر دائما في التقاط جمالها! (ص34)
لا شيء يحصل يذهب سدى
المعاناة تجعلنا – أقوى
خيبة الأمل تصهرنا – حكمة
السقوط تعلمنا النهوض
لذلك من العدل أن نشكر الماضي لأنه منحنا مستقبلا أفضل (ص86)
أفضل مدينة ستتمتع فيها بكامل الحرية
هي التي لا يعرفك فيها أحد
ولا يجيدون فيها، حتى نطق اسمك (ص189)
الذكريات!
لا شيء أفضل منها
وكذلك، برأي تشيخوف: لا يوجد أسوأ منها! (ص200)
المشي!
نتعلمه فقط، من أولئك الذين حملونا! (ص287)
قد يكون لكل سؤال / جواب
ولكن من قال إن الجواب
لا يلقي بنا إلى سؤال أعقد؟! (ص331)

إن الناظر في ما دوّنه الكاتبُ – الطائر ممّا التقطه من العاصفة يكشف لنا عن مصدرين منهما ينهلُ، أوّلها تجربته الواقعية في الحياة، وثانيهما تجربة في القراءة تبدو من خلال الاستعادات ثريّة وواسعة.


وإذا كانت المصدرُ الأول قد منح التجربة صدقا وعمقا، فإنّ الثاني منح كتابتها بعدا فنّيا على غاية من الأهمّية، نعني بذلك التناص والحوارية أسلوببين جعلا نصّ جمال حسين علي ملتقىَ نصوصٍ تتعالق وتتراكب، وفضاءً لعدد من الأصوات تبرز وتتداخل..
لذلك كان ” ما التقطه الطير” نصّا ممتلئا بالآخر، لا يقدّم نصائح عملية أو وصايا إرشاديّة، بقدر ما يدعو إلى تأمل طريقة جديدة في كتابة التجربة الخاصة، طريقة يكون فيها المفرد في صيغة جمع..
ففي ” ما التقطه الطير” يعثر القارئ على أنشتاين وماركيز وأندري تيري وألكسندر بوشكين وتشيخوف وغاستون دي ليفيس.. وعلى غيرهم من الأدباء والمفكرين الذين التقط الكاتب بعضا مما كتبوا، ليعيد كتابته اقتباسا أو محاكاة وحوارا أو معارضة في صياغات “شعرية” قوامها الإيجاز والتلميحُ ..
إن كتابَ ” ما التقطه الطير من العاصفة ” استعادةٌ معاصرة لفن المنتخبات والمقطّعات والنُبَذِ، يمكن أنْ ندرجه ضمن اتجاه جديد في الكتابة هو ما اصطلح عليه كتابة الشذرات أو “الكتابة الشذرية” l’écriture fragmentaire وهي كتابة حرّةٌ تعتمد الجمل والفقرات المستقلة والمتشظية، والإيجاز والتكثيف والتداخل الأجناسي، وتميل إلى التأمل الشعري والفلسفي، وإلى الانزياح والإدهاش…
ورغم أنّ هذه الكتابة شديدة التعبير عن ذات مبدعها في شتّى أحواله جادّا وساخرا ورصينا وهاذيا، إلاّ إنه يمكن أنْ تكون أيضا، مثلما هو الشأن في كتاب جمال حسين، صدى لأصوات أخرى ملأت حياة الكاتب قارئا قبل أن تملأها كاتبا..
ولذلك فإنّ ” ما التقطه الطير من العاصفة” وإنْ صدّره مؤلفه بقول ماركيز : “إن فنّ الحياة أصعب شيء في الدنيا”، فإنه، كما بدا لنا، يكشف عن أنّ ” فنّ سرد الحياة” لا يقل صعوبة عن “فن الحياة” ذاته. ولعلّ في اختيار جمال حسين التشظية أسلوبا دليلا على أنّ حياة المفرد ليست غير ما اجتمع فيه وتتداخل من حيوات الآخرين.
كتاب ” ما التقطه الطير” كتاب طريفٌ يجمع بين الشعر والسرد وبين صرامة الحكمة ونسبية الموقف، بقدر ما تشظت فيه الفقرات والجمل تضامت وانصهرت كاشفة عن ثراء تجربة المؤلف قارئا وكاتبا.

ridhalab69@gmail.com

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “مفرد في صيغة الجمع”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق