ثقافة السرد

الخروج من الحكاية ​​​​​​​

عصام حسن

خُلقتُ شَغوفًا بالقصص والحكايات. قرأتُ ألف ليلة وليلة وأنا في عمر المراهقة. وعشتُ صراعًا (بسبب تربيتي البيتيّة) بين نفوري من المواقف الجنسيّة التي كانت تزخرُ بها، ورغبتي في الاستزادة منها. إلى أنْ انتصرتْ طبيعتي البشريّة، وصرتُ أقرأ هذه المواقفَ بتمهّلٍ مرارًا وتكرارًا، وأحسدُ أبطالَها على حياتهم المليئة بالإثارة والمغامرات.

فيما بعد، عرفتُ قيمة ألف ليلة وليلة وأهميّتَها بالنسبة إلى التراث الشعبيّ، والأدبِ والفنِّ العالمييْن. لذا، لم أستغرب حين قرأتُ ما كتبه غابريل غارسيا ماركيز في سيرته الذاتيّة المعنوَنة عشتُ لأروي: “إنّ ألف ليلة وليلة هو ما صَنع مني أديبًا.” ومَن يقرأ حكايات إيفالونا، للكاتبة التشيليّة إيزابيل الليندي، سيَلمُس تأثّرَها الذي لا تخفيه بـ ألف ليلة وليلة. وأكاد أجزم أنّه لا يوجد فنٌّ من الفنون، أو أدبٌ من الآداب، إلّا ونهل بطريقةٍ ما من هذه التحفة العظيمة. وأعمالُ الفنّانين التشكيليين الكبار: كاندينسكي، وبيكاسو، وماتيس، وديلاكروا، وبول كلي، تشهد على ذلك. كذلك يشهد عليه كبارُ موسيقيّي العالم، وعلى رأسهم الموسيقارُ الروسيّ الشهير ريمسكي كورساكوف، الذي أتحفنا بسيمفونيّته الرائعة شهرزاد، المستوحاة كما هو واضح من عالم ألف ليلة وليلة البهيّ. وعلى الرغم من أنّ شكسبير لم يعلن يومًا تأثّره بهذا الكتاب، فإنّ النقّاد والدارسين يشيرون إلى ذلك بوضوح؛ بل وصل الأمرُ بأحدهم[1] إلى اتِّهامه بسرقة الكثير منه وتوظيفه في مسرحيّاته مثل: عطيل، وتاجر البندقية، والملك لير.

قرأتُ العديد من الدراسات عن ألف ليلة وليلة وعرفتُ الكثير من المعلومات المهمّة عنها، أبسطُها: أنّ قصّة علاء الدين والمصباح السحريّ، على الرغم من أصلها العربيّ، غيرُ موجودة في كلّ النسخ العربيّة من ألف ليلة وليلة، وأنّها نُشرتْ في أوروبا سنة 1888، وفيها تعديلاتٌ (بالزيادة والحذف) لتتلاءم مع الذوق الأوروبيّ؛ وذلك على خلاف قصّة علي بابا التي يشاع أنّها أضيفتْ إلى حكايات ألف ليلة وليلة بعد أن سمعها أحدُ المستشرقين عن لسان راوٍ من الشرق الأوسط، ومثلها حكايةُ رحلات السندباد البحريّ السبع.[2] وعرفتُ أنّ هناك وجهاتِ نظرٍ مختلفةً حول أصولها: فبعضُهم يعيدها إلى الفارسيّة، أو الهنديّة، أو حتّى الإغريقيّة. وهناك من يجزم بأنّها عربيّة صرفة، بدلالة أسماء أبطالها، وبيئتها الاجتماعيّة. وهناك من يقول إنّها كلّ ذلك، وقد جُمعتْ على مدى قرون من قِبل مؤلّفين ومترجمين وباحثين من غرب آسيا ووسطها وجنوبها ومن شمال أفريقيا. وقد عُرِفتْ في الماضي بـ الليالي العربيّة، أو أسمار الليالي للعرب ممّا يتضمّن الفكاهة ويورث الطرب.

***

أمّا أنا، فيكفي أنْ يصرخَ أحدُهم “افتحْ يا سمسم” كي ألتفتَ إليه كأنّه ينادي عليّ. وأعتبرُ نفسي محظوظًا لكوني دخلتُ هذا العالمَ من بوّابته العريضة. فقد وقعتْ بين يديّ، وأنا في سنّ مبكّرة، إحدى النسخ من الطبعات النادرة[3] (في أربعة مجلدات)، وهي لم تتعرّضْ للتشويه بحجّة تشذيبها وتهذيبها على أيدي حرّاس “الفضيلة” الأشاوس. وبمقارنتها مع نسخةٍ حديثةٍ قرأتُها قبل عدّة أعوام، عرفتُ كثرةَ ما فقدتْه هذه التحفةُ من خصوصيّتها وأصالتها.

***

أعود بذاكرتي إلى فترة مراهقتي، وإلى ظهيرة ذلك اليوم الشتائيّ الذي اكتشفتُ فيه أنّ جَدّي نسي إقفالَ باب غرفته قبل مغادرته البيتَ. فتوجّهتُ، بلا تردّد، إلى المكتبة، وسحبتُ منها كتابًا لا على التعيين. حين فتحتُه وقعتْ عيناي على العبارة الشهيرة: “وأدركَ شهرزادَ الصباح، فسكتتْ عن الكلام المباح.” وبدأتُ القراءةَ كالمسحور.

من الأكيد أنّ عبارةً من هذا النوع لن تجتذبَ ولدًا في مثل سنّي في ذلك الوقت. إلّا أن السرّ كان في اسم “شهرزاد” الذي تحمله ابنةُ الجيران أيضًا. وهكذا صرتُ أتعقّبُ اسمَها من صفحةٍ إلى صفحة، ومن حكايةٍ إلى حكاية. إلى أنْ حلّ الظلام، ووجدتُ جدّي واقفًا فوق رأسي!

– هاهو الثعلبُ المكّار قد علق في قنّ الدجاج، قال وهو يربِّت على كتفي ضاحكًا.

كانت الحكاية التي أقرأها في ذروتها، وكنتُ في قمّة الإثارة الجنسيّة. قبل أن أغلق دفّتَي الكتاب، وضع جدّي يدَه فوق صفحاته، وقرأ بصوت مرتفع: “… فمدّتْ يدَها من تحت ذيْل قميصه، وجسّتْ سيقانَه، فزلقتْ يدُها من نعومة جسمِه، وسقطتْ على عضوه. فانصدع قلبُها، وارتجف فؤادُها…”

وبينما كنتُ أذوب خجلًا، انتقلَ جدّي إلى صفحةٍ أخرى لم أكن قد مررتُ عليها بعدُ، وقرأ بطبقةِ الصوت نفسها، مع ابتسامةٍ تحمل الكثيرَ من خبث الأجداد: “فكشفتْ ثوبَها إلى نحرِها، فبانَ قدّامها ووراءها. فلما نظر بدرُ الدين صفاءَ جسمها، تحرّكتْ فيه الشهوة… فقام وحلَّ لباسَه وعانقَها، وأخذ رجليْها في وسطه، ثم ركب المدفعَ وحرّره على القلعة وأطلقه، فهدم البرجَ، فوجدها دُرَّةً ما ثُقبتْ، ومَطيّةً لغيرِه ما رُكبتْ…”

***

في مساء ذلك اليوم رأيتُ حلمًا جنسيًّا عظيمًا، شاركتني فيه جارتي شهرزاد. وعلى الرغم من انعدام خبرتي الجنسيّة، فقد أبليتُ بلاءً حسنًا في الحلم. ويعود الفضلُ في ذلك إلى تلك الحكاية التي استفزّت طاقاتي وخيالي، وجعلتني أميرًا أحلّقُ، مع “بساط الريح،” إلى محبوبتي المسجونة في قصرٍ كبيرٍ تحرسه الغيلان، فأخطفُها وأطيرُ بها إلى جزيرة مهجورة. وهناك، فوق الرمال الذهبيّة، نخلع ثيابَنا، ونرتمي عارييْن في حضن البحر.

وفجأةً انتبهتُ إلى أنّني في حلم، وأنّ هذه اللحظات ستمضي إلى غير رجعة إنْ لم أستغلَّها. فاندفعتُ نحو شهرزاد، وضممتُ جسدَها العاري، فأحسستُ بنهديْها الصغيريْن يضغطان على صدري، وبأنفاسها الحارّةِ تُحْرق شفتيّ. كان شعورًا رائعًا، دفعني إلى التجرّؤ أكثرَ وأكثر. وبعد عدّة قبلاتٍ محمومة، ومثلها من الملامسات المجنونة، دخلتُ الفردوسَ الشهيّ، وعرفتُ لأوّل مرّةٍ معنى الاحتلام، فاستيقظتُ مذعورًا على لزوجةٍ بين فخذيَّ. وبقيتُ لعدّة أيّام أخجلُ من النظر إلى عينيْ شهرزاد، وأهربُ منها كلّما التقينا في الطريق.

***

صار جدّي يتعمّد تركَ باب غرفته مفتوحًا أثناء غيابه، فأدخلُها، وأغوصُ في سحر الحكاية: أرافقُ السندبادَ في حِلِّه وترحالِه؛ أبحثُ عن حلول الألغاز مع جعفر البرمكي؛ أعاينُ مغارةَ علي بابا وكنوزَها؛ أقابلُ هارونَ الرشيد في قصره المهيب؛ أتجوّلُ في شوارع بغداد؛ فتقودني قدماي إلى قصر شهريار، فأتسلّلُ إلى مخدعه، وأرى شهرزادَ تروي له حكايةَ البنات الثلاث، فأصغي إليها وهي تُنشد على لسان الحمّال:

لا تشربِ الكأسَ إلّا مــع أخي ثقةٍ وطاهر الأصلِ منسوبًا إلى السّلفِ
فالراحُ كالرّيحِ: إن هبّتْ على عِطرٍ تَطيبُ؛ وتَنْتَنُ إنْ مرّتْ على الجِيَفِ!

إلى أنْ تقول: “بلغَني، أيّها الملكُ السعيد، أنّهم لم يزالوا كذلك إلى أنْ أقبل الليلُ عليهم…” فأتركُهم، وأعودُ إلى محبوبتي، ممتطيًا ظهرَ النسر الذهبيّ، والشوقُ يعتمل بي، فنشرب النبيذَ المعتّقَ في كؤوسٍ من المرمر، ونمارس الجنسَ حتّى صياح الديك، ثمّ نغفو وكلٌّ منّا يحلم بالمزيد.

***

سألني جدّي يومًا حين وجدني غارقًا كالعادة في القراءة:

– ما الذي يعجبكَ في هذا الكتاب؟

– الحِكَمُ والعِبَرُ الموجودة فيه، قلتُ بكامل الجدّيّة.

فانفجر ضاحكًا، ثم سألني وهو يمسح نظّارتَه الطبّيّة بمنديله القماشيّ:

– وهل الحِكمُ والعِبرُ هي ما يجعل قضيبَكَ منتصبًا طوال الوقت؟

تمنّيتُ في تلك اللحظة أن أتحوّلَ إلى تمثالٍ حجريّ، لا يَسمع ولا يَرى ولا يُحسّ. وقبل أنْ أصحو من ذهولي وضع يدَه فوق رأسي وسألني بلطف:

– هل تخجل من هذه الأمور؟

– لا، قلتُ بصوت مبحوح.

ويبدو أنّ جدّي أشفق عليّ، فبدأ يحدّثني عن ألف ليلة وليلة وقيمتِها كتراثٍ إنسانيّ، وأهمّيّةِ الحفاظ على هذا التراث والاستفادةِ منه، وعن دورنا نحن – “جيل المستقبل” – في الدفاع عن القيم النبيلة في الفنّ والأدب ومجملِ مناحي الحياة، ومحاربةِ التعصّب من أيّ نوعٍ كان. واسترسل في الحديث لأكثر من نصف ساعة، ثم انتبه إلى نفسه، فابتسم وسألني:

– هل أضجركَ حديثي؟

– بالعكس، قلتُ صادقًا.

ولأثبتُ صدقي سألتُه:

– من أين حصلتَ على هذا الكتاب؟

ولم أعلم أنّني بهذا السؤال سأفتح مغارةَ علي بابا الخاصّةَ بجدّي، المليئةَ بالقصص والحكايات والطرائف. فعاد من جديد ليحدّثني عن رحلاته ومغامراته وقصصِ الحبّ والغرام التي عاشها في شبابه، وعن الشعوب الأخرى التي تعرّف إليها في أسفاره، وشدّةِ اختلافها عنّا، ولكنْ شدّة شبهها بنا في أمور أخرى.

***

كان جدّي قويَّ البنية، جميلَ القسمات، ظريفَ المعشر. وكان يهوى المغامرات، ويحبّ الغناءَ والطربَ الأصيل. وقد سافر، وهو في العشرين، إلى مصر والعراق والجزائر واليمن. وهناك، في اليمن، صار يتردّد إلى أحد المقاهي الشعبيّة في عَدَن، يُدعى “مقهى خُرصان،” يؤمُّه أهلُ بلاد الشام من تجّارٍ ورحّالةٍ وفنّانين، فيشربون الشايَ والقهوة، ويتسامرون. وفي آخر السهرة يخرج إليهم الحكواتيُّ الدمشقيّ، ليختم سهرتَهم بحكايات عن الزير سالم، أو عنترة العبسيّ، أو أبي زيد الهلاليّ، أو بإحدى حكايات ألف ليلة وليلة كما حصل في ذلك اليوم.

يقول جدّي:

– كنّا في العَشْر الأواخر من رمضان، وكان عيدُ الفطر على الأبواب. بعد صلاة العشاء اجتمع الناسُ كالعادة في المقهى، وبدأ الحكواتيّ يقصُّ علينا حكايةَ علي نور الدين مع مريم الزنّاريّة، وهي حكايةٌ طويلة، فيها الكثيرُ من الأشعار. كنتُ أستمعُ إليه بضجر. إلى أن أنشدَ الشطرَ الآتي من الشعر، على لسان أحدهم وهو يصف جاريةً بِيعتْ بالمزاد ووصل سعرُها إلى تسعمائة وخمسين دينارًا:

كأّنّها مثلُ ما تهواهُ قد خُلقتْ!

ثمّ سأل الحاضرين إنْ كان أحدٌ يعرف تتمّتَه. لم أتذكّر قصّة مريم الزناريّة، لكنّني كنتُ قد سمعتُ هذا الشعرَ من والدتي، وحفظتُه لكثرةِ ما كانت تردِّدُه في مديح بنات إخوتها وأخواتها الجميلات. وعندما لم يجبه أحد من الحاضرين قال:

– هناك مكافأة لمن يعرف تتمّةَ الشطر.

– وما هي المكافأة؟ سألتُه متصنّعًا عدمَ الاهتمام.

– أيّ شيء في هذا المقهى تستطيع حملَه.

وأضاف بعد أن نظر نحوي نظرةً فيها الكثيرُ من الاستخفاف:

– سنعتبرها هديّةَ عيد الفطر.

ثم أضاف غامزًا نحوي:

– للأطفال.

فارتفعتْ قهقهاتُ الحضور، وشعرتُ بالإهانة.

– أريدكَ أن تقسمَ على ذلك أمام الجميع، قلتُ متحدّيًا.

ثمّ توقّفتُ برهةً كي أعطيه المجالَ ليتورّطَ أكثر. وتابعتُ بالبرود نفسه:

– وأريدكَ أن تعتبر أنّ هذا تحدٍّ جدّيّ، لا رجوعَ فيه. ولتعلمْ أنّني سآخذ أيَّ شيءٍ أستطيع حملَه، ولو اضطررتُ إلى قتلكً إنْ تراجعتَ عن وعدك.

ثمّ قلتُ وأنا أشير إلى الحضور:

– وها هم الشهود.

– أقسمُ بهذا الشهر الفضيل، قال، بينما لا تزال ابتسامةُ السخرية عالقةً فوق شفتيه.

فوقفتُ وأنشدتُ:

كأنّها مثلُ ما تهواهُ قد خُلقتْ في رونقِ الحُسنِ، لا طولٌ ولا قِصَرُ

ثم تابعتُ وسط ذهول الحاضرين:

الوردُ مِن خدِّها يحمرُّ مِن خجلٍ والغصنُ منْ قدِّها يزْهو بهِ الثمرُ

البدرُ طلْعتُها، والمسكُ نكهتُها، والغصنُ قامتُها، ما مثلها بشرُ

كأنّها أُفرَغَتْ من ماءِ لؤلؤةٍ في كلِّ جارحةٍ مِن حُسنِها قَمَرُ

وما إنْ توقّفتُ عن الكلام حتّى دوّى التصفيقُ في أرجاء المقهى، وتعالتْ صيحاتُ الاستحسان والإعجاب. فأُسقط في يد الحكواتيّ، وتحوّلت ابتسامتُه الساخرة إلى ابتسامةٍ صفراءَ تعلوها نظراتٌ حاقدةٌ تقول: “فعلتَها يا ابنَ الكلب!” وبعد أنْ هدأ الجميع، قلتُ بحسم:

– والآن، أريد هديّتي.

– لكَ ما تريد! قالها مُكرَهًا وهو يكزّ على أسنانه.

– أريد الكتابَ الذي بين يديك، قلت.

– أتريد أنْ تقطع رزقي؟! صرخ بأعلى صوته كأنّ أفعى لدغتْه.

فتقدّمتُ نحوه وهمستُ متوعّدًا في أذنه:

– سأقتلكَ لو اضطررتُ. هل تفهم؟

عند هذا الحدّ توقّف جدّي عن الكلام، وأشعل سيجارةً، ثم مجّها ونفث دخانَها في فضاء الغرفة بهدوء. كنتُ مأخوذًا بالحكاية ومعجبًا بشجاعة جدّي وذكائه.

– ثمّ ماذا حصل؟ سألتُه.

– لا شيء.

– لا شيء؟! قلتُ مُستغربًا.

– وماذا أفعل؟! لم يعطني الرجلُ الكتاب، فاشتريتُ هذه النسخة من القاهرة. قال ذلك وهو يضحك، ويُضْحكني معه حتّى احمّرت أذنايَ.

***

بعد عشرة أعوام من هذا الحديث مات جدّي. وبعد أيّام قليلة من وفاته، سلّمتني جدّتي كيسًا قماشيًّا ثقيلَ الوزن، عليه لصاقةٌ كُتب عليها بخطٍّ أنيق: “من أجل أحفادي.” فتحتُ الكيس، وكما توقّعتُ رأيتُ كتاب ألف ليلة وليلة بمجلّداته الأربعة الأنيقة. سمعتُ صهيلَ أحصنةٍ، وصوتَ علي الزيبق، وضحكاتِ ياسمينة، وقمر الزمان، وستّ الحُسن، وبدر البدور. ورأيتُ طيفَ جدّي يغمز باسمًا قبل أن يختفي وهو يلوّح لي.

واليوم، أضعُ ألف ليلة وليلة في مكتبتي، وأتباهى به أمام أصدقائي العرب وضيوفي الأجانب، وألمحُ نظراتِ الحسد والإعجاب تتطاير من أعينهم وأنا أقصُّ عليهم حكايتي معه وكيف وصل إليّ. وأكثرُ ما يؤسفني أنّ الوحيد الذي لا يأبه لكلّ ذلك هو ابني المراهق، الذي يقضي جلَّ وقته هذه الأيّام في مشاهدة سلسلة هاري بوتر وغيرها من أفلام الخيال والكرتون؛ فهو لا يدري أنّ الكثيرَ من الشخصيّات والقصص الخياليّة التي تُنتجها ديزني وهوليوود، ويشاهدها على شاشة جوّاله، مأخوذةٌ من بين دفّتَي الكتاب المركون خلفه – – ذلك الكتابِ الذي أخشى أنّنا خرجنا منه وضيّعْنا الطريقَ.

اللاذقيّة

[1] آرثر جون آربري (1905- 1969): مستشرق بريطانيّ اختصّ في التصوّف والأدب الفارسيّ.

[2] حصل هذا على يد المستشرق الفرنسي أنطوان كالان (1646- 1715) الذي ترجم ألف ليلة وليلة.

[3] طبعة بولاق الأولى 1835.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الخروج من الحكاية ​​​​​​​”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق