قراءات ودراسات

الصراع بين العربية والفرنسية

إبراهيم سعدي*

رغم حساسية المسألة اللغوية، وذلك لأسباب تاريخية تحيل إلى تجربة استعمارية استيطانية فرنسية دامت قرنا وربع قرن انتهت إلى جعل المجتمع الجزائري يعيش بعد الاستقلال صراعا لغويا حادا بين العربية والفرنسية، تفرع إلى صراع بين العربية والأمازيغية وإلى جدال دام أحيانا حول الهوية الوطنية، لم يتناول الأدباء الجزائريون الذين يكتبون بالعربية هذه القضية إلا خارج نصوصهم السردية، حيث ذهبوا أحيانا إلى حد “التكفير” اللغوي لبني جلدتهم من كتّاب اللغة الفرنسية.

في المقابل استمات الأدباء الجزائريون الفرنكفونيون، عدا استثناءات قليلة، دفاعا عن مشروعية الكتابة بالفرنسية التي ارتقوا بها إلى مستويات أدبية لم يدركها الكتّاب الفرنسيون أنفسهم أحيانا، كما دافعوا أيضا عن مشروعية استعمالها خارج الكتابة الإبداعية، أي داخل مجتمعاتهم كلغة عمل وتواصل بين الجزائريين.

وتعد رواية “بان الصبح” لعبدالحميد بن هدوقة من الروايات الجزائرية العربية القليلة التي تصدت سرديا لموضوع “حرب اللغات” بين العربية والفرنسية التي كانت البلاد مسرحا لها بعد الاستقلال، يعني بعدما وضعت الحرب الحقيقية أوزارها سنة 1962، بين فرنسا والجزائر.

لا نلمس في “بان الصبح” -على الأقل بصورة واضحة- رأي عبدالحميد بن هدوقة، الذي ينظر إليه كمؤسس للرواية الجزائرية ذات الحرف العربي، إزاء هذه القضية، فهو يوظف شخوصا سردية ترافع كل واحدة منها عن اللغة العربية أو عن الفرنسية.

وهي شخوص نكرة في معظمها، يعني أنها لا تعبر عن نفسها داخل النص إلا من خلال رأيها حول هذه المعضلة اللغوية، ولذلك لا يعرف عنها القارئ سوى موقفها من هذه المسألة الكأداء، أي أن المؤلف أوجدها فقط لكي تنطق بموقف من المواقف المتداولة في المجتمع حول الإشكالية اللغوية، ولذلك لم يكلّف المؤلف نفسه حتى مشقة إسناد أسماء لها، مكتفيا بتعريفها بكلمة “رجل” أو “امرأة”.

ولا ريب أن تحديد الموقع الاجتماعي للمناقش كان سيسمح باستنتاجات سوسيو-أدبية فيما يخص العلاقة بين الموقف من اللغة العربية أو من اللغة الفرنسية والموقع الاجتماعي لصاحبه، اللهم إلا إذا كان عدم التحديد هذا يشير إلى غياب مثل هذه العلاقة. إلا أنه يمكن من الناحية الفنية تبرير الغياب النسبي للتحديد الاجتماعي للشخوص، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار السياق الذي وظفهم فيه المؤلف، والمتمثل في وصف جلسة من الجلسات التي كانت تجري حول “الميثاق الوطني” لمناقشة الخلاف اللغوي في الجزائر.

ففي مثل هذه الجلسات المخصصة للجدل والنقاش يحتل الرأي والرأي المضاد الأولوية على حساب “الشخصية” الروائية، أي يصبح “القول” هو الفعل أو الحدث الأساس، بحيث يتشكل عنصر الصراع من تصادم الأقوال أو الآراء، ولهذا طغى فعل القول أو الحوار على السرد في هذا الفصل.

ولا ريب أيضا أن نية المؤلف في تسليط الضوء على اللغة بوصفها إشكالية اجتماعية وثقافية وأيديولوجية معقدة في الجزائر، كانت أقوى من الدافع إلى التوظيف الجمالي لها داخل هذا النص السردي الواقعي، ممّا أدى إلى التركيز على فعل القول وإبداء الرأي، أي على فعل الحجاج، أكثر منه على السرد.

ويرتبط هذا الإجراء كذلك بالمنظور الأدبي لعبدالحميد بن هدوقة الذي يرى بأن على الأديب أن “يكون ذا تأثير في مجتمعه” وبأنه “لكي يكون ذا تأثير في مجتمعه -أي لتجد أفكاره صداها في مجتمعه- يجب أن يحسن طرح المشاكل التي يتعرض لها..” كما ذهب سعيد علوش، في كتابه “الرواية والأيديولوجيا”.

والواقع أن سمة الجدل طاغية في رواية “بان الصبح” ذات الشخوص المتميزة بكثرة الكلام الحامل طابع الحوار والنقاش والنقد، ولا عجب في ذلك لأن الرواية تعبر عن مرحلة اجتماعية وسياسية طبعتها أجواء المناقشات العامة، حول “الميثاق الوطني”، التي جرت سنة 1975، أي مرحلة تميزت بزخم أيديولوجي سمح للنقاش الحر والعام والمؤقت في ذات الوقت الذي وسمها بظهور كل التناقضات التي كانت تتجاذب المجتمع الجزائري.

ويرتبط الفصل الخاص بالسجال بين أنصار كلّ من اللغتين، العربية والفرنسية، بالمجرى العام للرواية من خلال شخصيتي “رضا” الشاب ذي النزعة التقدمية، و”نعيمة” ابنة عمه، الطالبة الجامعية القادمة من الريف. وهما الشخصيتان اللتان يستمر وجودهما طوال النص، لأن الشخصيات الأخرى الحاضرة في هذا الفصل تختفي جميعها من النص بعد نهاية المناقشة المتعلقة بالمسألة اللغوية، أي أنها لا تعيش في النص أكثر من الصفحات التي استغرقتها المناقشة، أعني في الفصل السادس لا غير. ولا يشارك “رضا” في هذه المناقشة مشاركة مباشرة، وإنما من خلال بعض التعليقات التي يبديها لابنة عمه “نعيمة” بشأن تدخلات بعض الحاضرين أو بشأن بعض استنتاجات “نعيمة” التي بدورها لا تشارك في هذه المناقشة بصورة علنية.

ما يمكن تسميته بالاضطهاد اللغوي أو بالهيمنة اللغوية كان أحد أسباب يقظة الشعور الهويّاتي لهذه “الأقليات” ولحدوث اضطرابات دموية وانقسامات مجتمعية وسياسية حادة هددت، وتهدد، وحدة هذه المجتمعات

ولهذا فإن حضورهما في هذا الفصل يؤدي وظيفتين: إحداهما فنية إن جاز القول، غايتها ربط المناقشة بالمجرى العام للرواية، من خلال إلحاقها بالمسار الشخصي لـ”رضا” و”نعيمة”. والثانية وظيفة الحكم الفصل بين مختلف الآراء المتضاربة حول اللغة، من خلال التعليق على بعضها بغرض التصحيح، لا سيما وأن الراوي قد منحه الكفاءة والمصداقية اللازمتين لأداء هذا الدور عندما وصفه قائلا “كان رضا بعيدا عن كل تحمس أو تطرف. هو رجل يزن الأشياء بميزاتها، لا يتشاءم ولا يتفاءل، يراقب الأحداث ويحاول التدخل لجعلها في صالح الفكرة التي يعتنقها بكل الوسائل“.

الشعب لا تعنيه المسألة اللغوية

تبدأ الجلسة بكلمة للرئيس “سي الطيب”، يقول فيها “نواصل أيها الإخوة شرح الباب الثالث وهو الثورة الثقافية. وفي هذا المساء نتكلم عن اللغة الوطنية من جديد، لأن بعض الإخوة بالأمس لم يفهموا جيدا الموضوع”.

ويواصل رئيس الجلسة كلامه قائلا “يقول المشروع: إن اللغة العربية عنصر أساسي للهوية الثقافية للشعب الجزائري، ولا يمكن فصل شخصيتنا عن اللغة الوطنية التي نعبر من خلالها. ولهذا فإن تعميم استعمال اللغة الوطنية وإتقانها كوسيلة عملية خلاقة، يشكل إحدى كبرى المهام للمجتمع الجزائري، للتعبير عن كل مظاهر الثقافة وعن العقيدة الاشتراكية..”.

غير أن المتدخل الأول، بعد كلمة الرئيس، يتكلم ليعلن بأنه لن يخوض في إشكالية اللغة قائلا “أنا أترك اللغة للذين يعرفون، أنا أريد أن أتكلم عن موضوع آخر.. أنا عامل بالمرسى، مضى عليّ في هذا العمل ثلاثون سنة إلا ثلاثة أشهر..”.

ثم يمضي هذا العامل متحدثا عن بواخر الموز واللوز والزبيب والجبن بمختلف أنواعه واللحوم التي ترسو في الميناء سرا، من غير أن نشاهد أثرها في الأسواق أو يذوق الشعب طعمها حتى بالعين. ولا شك أن غرض المؤلف من توظيف هذا التدخل هو من جهة فضح وشجب بعض المفارقات الخاصة بتلك الفترة المسماة اشتراكية، ومن جهة أخرى التوضيح بأن الصراع الدائر في المجتمع حول اللغة هو شأن يعني النخب المثقفة وحدها، وبأن الشعب لا دخل له فيه.

لذلك نلاحظ بأنه عندما تتناول الكلمة امرأة تنتمي بدورها إلى فئة العمال، فهي عاملة في حمّام، لا تتحدث هي أيضا عن مسألة اللغتين العربية والفرنسية في الجزائر، إذ تقول “أنا جئت لأعرف متى تؤمّم الحمّامات”.

كما أن تدخل رجل نكرة، يُستنتج من كلامه بأنه ينتمي إلى الفئات الشعبية هو أيضا، يكشف هو كذلك بأن الهموم اللغوية ليست الشغل الشاغل لهذه الفئات “الدنيا” من المجتمع، وذلك ببساطة لأن أفرادها لا يقرؤون ولا يكتبون، فهو يقول في كلامه “أنا ليس لي ما أقوله عن اللغة، نحن أفراد الشعب نتكلم العربية الدارجة كما هي ونتفاهم، ليس لنا مشكلة في هذا الموضوع، لكن أريد أن أسأل: لماذا لا تحاسب الدولة أولئك الذين كانوا عند الاستقلال لا يملكون شيئا وأصبحوا اليوم يبنون الفيلات بمئات الملايين؟”.

يُفهم من هذا بأن مسألة الصراع حول اللغة الواجب تداولها في الجزائر، تنحصر في لغة الكتابة، يعني بين الكتابة بالعربية الفصحى أو باللغة الفرنسية، ومن ثمة تكون العامية، لغة الشعب والحياة اليومية، التي تؤدي وظيفة شفوية بحتة، ليست معنية بهذا الصراع، وبالتالي كأن موقف الشعب نفسه، في هذه الحالة، غير معني بالرهانات اللغوية، وعليه يقف منها موقف الحياد، على أساس أن اللغة التي يستعملها في حياته اليومية، وهي العامية، لا تطرح أيّ إشكال.

الراوي لا يكلّف أيّ شخصية حاضرة في جلسة المناقشة -بما فيها “رضا”- للرد على هذه النظرة، فكل ما هناك بهذا الشأن هو أنه في كل مرة يعلو صوت من القاعة يطلب من المتدخلين المنتمين إلى الفئات الشعبية عدم الخروج عن الموضوع، يعني حصر تدخلاتهم في الحديث عن مسألة اللغة في المجتمع، وليس عن القضايا المعيشية المادية. فهل حقا، لا تهم الشعب غير الأمور المادية المعيشية؟ هل الشعب بالفعل مادي بطبعه، لا يكترث بقضايا اللغة، والثقافة والهوية المرتبطتين بها؟

الصراع اللغوي قد خفت حدّته بعض الشيء في السنوات الأخيرة. ومن بين ما يمكن أن نفسر به هذه الهدنة، ازدياد نسبة مزدوجي اللغة (عربية وفرنسية) بالقياس إلى ما كان عليه الأمر في السابق، حين كانت الأحادية اللغوية هي القاعدة

الحقيقة أنه إذا ما احتكمنا إلى التجربة الجزائرية وأيضا إلى تجارب مجتمعات أخرى في العالم العربي، نجد أن المسألة اللغوية كانت شغلا جماهيريا أيضا، خصوصا لدى ما يسمى بالأقليات في هذه المجتمعات، فما يمكن تسميته بالاضطهاد اللغوي أو بالهيمنة اللغوية كان أحد أسباب يقظة الشعور الهويّاتي لهذه “الأقليات” ولحدوث اضطرابات دموية وانقسامات مجتمعية وسياسية حادة هددت، وتهدد، وحدة هذه المجتمعات، مثلما كان الشأن في الجزائر بسبب تهميش الأمازيغية واعتبارها مجرد لهجة لا محل لها من الإعراب، أو في العراق وسوريا مع اللغة الكردية التي كان إقصاؤها عاملا من العوامل التي أدّت إلى إنماء الشعور بالذات والرغبة في الانفصال عن الدولة الوطنية التي تأسست من الناحية اللغوية على الأحادية، مثلما كان الأمر في السياسة، الشيء الذي أدى إلى جعل اللغة العربية تبدو رمزا للهيمنة والإقصاء لهذه الأقليات. وقد أدى ذلك، في الجزائر، إلى تغذية العداء لهذه اللغة، وللحضارة العربية-الإسلامية على العموم، خصوصا في المناطق الناطقة بالأمازيغية، كما يدل على ذلك الطابع العلماني والنزعة المتوسطية للأحزاب المتجذرة فيها.

المهم أننا نستنتج مما سبق بشأن المسألة اللغوية في “بان الصبح” بأن الذين سيخوضون النقاش والجدل في هذه الإشكالية، من غير أن نعرف دائما وظائفهم الاجتماعية على وجه التدقيق، هم من المتعلمين، أي من الذين يقرؤون ويكتبون، وإنما بلغتين مختلفتين إن لم نقل متعارضتين، الشيء الذي يشي مرة أخرى بارتباط الصراع اللغوي في الجزائر بالصراع من أجل السلطة، لكن شرط ألاّ نحصر هذه الأخيرة في حدودها السياسية الضيقة، بل بتجلياتها الأخرى، في فضاءات اكتساب المعرفة ونشرها (المدرسة، الجامعة)، في الإعلام (توجيه الرأي العام والتحكم فيه)، وكذا في مجال السلطة الإدارية أو البيروقراطية، وغير ذلك من المجالات التي يتدخل فيها امتلاك اللغة المكتوبة كشرط ضروري من شروط امتلاك السلطة بالمعنى الذي نجده عند ميشال فوكو.

ويمكن تقسيم مواقف وآراء هذه النخب المتعلمة إزاء اللغة إلى قسمين كبيرين: أنصار استعمال العربية وأنصار استعمال الفرنسية، من غير أن نجد دائما تعارضا مطلقا بين الطرفين، ولا انسجاما بين مختلف المواقف المنضوية في هذا الاتجاه أو ذاك.

المرافعة عن اللغة العربية

يمكن إيجاز آراء المدافعين عن اللغة العربية كما يلي:

– الدفاع عن العربية باسم الدين:

يؤكده مدافع عن العربية لا نعرف عنه سوى قوله بأن “العربية هي لغة القرآن”، مما يعني أن العربية تستمد في الجزائر شرعيتها من كون الشعب الجزائري ينتمي إلى الإسلام. لكن يبدو أن الراوي، ومن ورائه على الأرجح المؤلف عبدالحميد بن هدوقة المعروف بنزعته اليسارية، لا يريد تأسيس شرعية اللغة العربية في الجزائر على أساس ديني، ذلك أن “رضا” ضحك “وصفّق مع بعض من صفقوا خفيفا” بعدما ردَّ على هذا الرأي رجل ذكر في تدخله بأن لا أحد قال بأن العربية “هي لغة أبي جهل”، مع أن العربية هي في الحقيقة لغة أبي جهل أيضا.

– الدفاع عن العربية باسم الهوية:

من الذين بلوروا هذا الرأي في النص شخص ارتأى الراوي أن يوضح بأنه “… متوسط العمر، يلبس قميصا بلا أكمام، يمسك نظارة شمس”، قال “إن اللغة هي المقوم الأول للشخصية الثقافية”12، قبل أن يضيف في الأخير قائلا “… أقول هذا وأنا لست من أعداء الفرنسية ولا أيّ لغة أخرى […] إنما أريد قبل أن أكون غيري أن أكون أنا أولا”. ومن بين ما يعنيه بهذا القول أن المطالبة باللغة العربية لا تعني بالضرورة العداء للغات الأجنبية، وهو خلط معمول به أحيانا في إطار الحجاج الأيديولوجي بين اللغتين العربية والفرنسية.

– الدفاع عن العربية باسم الفعالية:

يبلور هذا الدفاع عن اللغة العربية أحد المتدخلين ردا منه على مناهض لها يرى بأن العربية غير قادرة على استيعاب الحضارة، فقال المُرافع عن لغة المتنبي “… لو شئت لضربت عشرات الأمثلة التي تكذّب هذا الزعم. إن العربية قادرة على تسيير شؤون الدولة وقطاعاتها المختلفة..”، لكننا نلاحظ بأن هذا المتدخل الذي يدعو إلى تعميم استعمال العربية الفصحى في الحال، يربط الفعالية والكفاءة باللغة في حد ذاتها وليس بالإنسان، وهو رأي متداول في المجتمع، ينجم عنه الاعتقاد بأن استعمال هذه اللغة (الفرنسية على العموم) سوف يؤدي إلى الرقي، بينما استعمال لغة أخرى كالعربية، مثلا، سوف يؤدي إلى التخلف والتقهقر، كما هو شائع في الفكر الأيديولوجي اللغوي الفرنكفوني في الجزائر.

– الدفاع عن العربية باسم التاريخ:

وهو دفاع يجعل المطالبة باللغة العربية يتأسس على الشرعية التاريخية، وقد قال به المتدخل الذي تساءل “لماذا قامت ثورة نوفمبر إذن؟”، قبل أن يضيف قائلا “لقد حيل بيننا وبين لغتنا مئة واثنتين وثلاثين سنة دون أن أعدّ سنوات الاستقلال إلى الآن…”. لكن من المعروف أيضا بأن الشرعية التاريخية استخدمها المتفرنسون أيضا بحجة أن قادة حرب التحرير كانوا كلهم من الفرنكفونيين، كما ذكر أحدهم في القاعة”.

المساس بمكاسب هذه اللغة أو تلك، العربية أو الفرنسية، في التعليم أو الإدارة أو غيرهما، كان يحدث دائما توتر شديد بين “المعربين” و”المفرنسين”

حجاج أتباع اللغة الفرنسية

– الدفاع عن الفرنسية باسم المصلحة:

عبّر عنه متدخل خشي أن يوافق الحاضرون في القاعة على اقتراح يدعو إلى التطبيق الفوري للتعريب وفي جميع المجالات، فقال متسائلا “إذا تقرر استعمال العربية بعد اعتماد الميثاق، فما هو مصير أبنائنا الذين لا يعرفون العربية؟”، وهو تساؤل لا ينمّ بالضرورة عن رفض للغة العربية بقدر ما يعبّر عن الخوف من ضياع مصدر رزق مرتبط باستخدام اللغة الأجنبية في الحياة العامة للمجتمع الجزائري، وهي ظاهرة كانت عامة تقريبا في تلك الفترة.

– الدفاع عن الفرنسية باسم الفعالية:

وقد قال صاحبه “من حسن حظ الجزائر أن تكون في متناولها لغة متطورة..”، قاصدا بذلك اللغة الفرنسية بالطبع، داعيا في آن واحد إلى “إنشاء بنيات التواصل والتفاعل بين اللغتين طوال هذه الفترة الانتقالية”، يعني اعتماد الازدواجية اللغوية (عربية وفرنسية)، كما دعا إلى ذلك، في نفس الفترة، المفكر الجزائري والوزير الأسبق للتربية “مصطفى لشرف”، وبنفس العبارات تقريبا.

– الدفاع عن الفرنسية باسم التاريخ:

تقدم به نفس صاحب الرأي السابق الذي يضيف بأن “وضعية الجزائر (…) شاذة لظروف تاريخية معروفة”21، وهو رأي متداول كثيرا، كما نعرف في الساحة الثقافية في الجزائر، يقوم على الاعتقاد بأن مكانة الفرنسية في بلادنا نتاج حتمي لقرن وربع قرن من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي، لكن من المعروف في ذات الوقت بأن انتشار الفرنسية بين الجزائريين وعلى نطاق واسع قد تحقق أساسا بعد الاستقلال.

والملاحظ في تدخلات المدافعين عن اللغة الفرنسية أنّ لا أحد منهم يرفض اللغة العربية من الناحية المبدئية، مما يوحي بعدم وجود صراع لغوي في نهاية الأمر بالجزائر، وبأن الصراع الحقيقي الموجود في المجتمع ذو صبغة أيديولوجية كما أكد المتدخل الذي دعا إلى الازدواجية اللغوية، قبل أن يوضح بأن الصراع الحقيقي هو “بين الرجعية والتقدمية، بين الإقطاعيين والبرجوازيين ومن والاهم وبين الاشتراكيين”. لكن هنا يقول “رضا” لـ”نعيمة”: “ليس صحيحا قوله إن لا وجود لمن يعادي العربية”.

هذا يعني بأنه توجد في الجزائر مشكلة لغوية قائمة بحد ذاتها، مشكلة تتجاوز حدود التقسيمات الأيديولوجية، مما يجعلها خارج مقولتي “التقدمية” و”الرجعية”، بمعنى أننا نجد “تقدميين” و”رجعيين” ولكن يجمع بينهم العداء للغة العربية، وبالتالي لا يمكن إدراج المسألة اللغوية ضمن جدلية الصراع الطبقي، بل ضمن جدلية الصراع اللغوي والثقافي.

تلك هي الآراء التي ظهرت أثناء هذه المناقشة التي دارت، كما يقول الراوي “بين أنصار العربية عاطفيا وأنصارها فكريا، وأعدائها”24. ورغم أن الراوي سعى إلى القيام بمسح شامل للأطروحات المتداولة حول الإشكالية اللغوية في المجتمع الجزائري، إلا أنه لا يمكن اعتبار هذا المسح وافيا. ويمكن بالخصوص ملاحظة غياب الإشارة إلى اللغة الأمازيغية في الأطروحات التي ظهرت أثناء هذا التجمع، رغم أنها كانت حاضرة خلال المناقشات التي دارت في تلك الأيام حول مشروع الميثاق الوطني.

ولن نحمل الراوي مسؤولية غياب أيّ إشارة إلى المطلب اللغوي الأمازيغي، فالراوي يتكلم في نهاية المطاف بما يريده المؤلف الذي يتحمل هكذا مسؤولية هذا الصمت إزاء قضية انتهى المطاف بالسلطة القائمة في البلاد إلى الاعتراف بشرعيتها واعتبارها لغة وطنية، شأنها في ذلك شأن العربية، ولكن ذلك بعد تضحيات جسيمة وشرخ مجتمعي.

كما نلاحظ أيضا، في هذه المحاورة اللغوية، غياب الانفتاح على اللغات العالمية الأخرى غير اللغة الفرنسية، لا سيما اللغة الإنكليزية، “لغة العالم”، فالجزائر ظلت “وفية”، ولا تزال، للغة مستعمرها السابق، تلك اللغة التي اعتبرها كاتب ياسين “غنيمة حرب”.

أما إذا عدنا مرة أخرى إلى مؤلف الرواية، عبدالحميد بن هدوقة، الذي كانت زوجته الأولى فرنسية، فهو بين كتاب الرواية العربية الجزائرية من القلائل الذين وجدوا قبولا لدى الأوساط الفرنكفونية. ويمكن القول بأن الرأي الذي استقر عليه في الأخير مؤلف “ريح الجنوب” هو رأي يقترب كثيرا من موقف رأي المتدخل الذي قال في الرواية بأن “الصراع الحقيقي هو بين الرجعية والتقدمية” وليس بين فئتين اجتماعيتين تفصل بينهما اللغة، إحداها معرّبة وأخرى متفرنسة.

ومن ثمة فإن الصراع الجوهري في النهاية هو صراع أيديولوجي وليس لغويا. نستنتج ذلك من التصريح الذي نقله عنه “مارسيل بوا”، مترجمه إلى اللغة الفرنسية، أدلى به بن هدوقة في المركز الثقافي الجزائري بباريس بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاة “رشيد ميموني”، الروائي الجزائري الفرنكفوني، جاء فيه “قدرت دائما بأن الجزائر في حاجة إلى هاتين الفئتين من الكتاب وقد دافعت عن هذا الموقف في مختلف الظروف. ومع ذلك كنت أقول في قرارة نفسي إن اللغة هي وطن الكاتب…] [ غير أن الأحداث الدموية التي ضربت […] الجزائر وكذلك الجرائم والاغتيالات التي ]تعرض[ لها المثقفون الجزائريون، جعلتني أعدل عن هذه الفكرة الحميمية، لا؛ ليست اللغة هي التي تميز أدبا عن آخر، بل القضايا الإنسانية التي تتطرق إليها. الآلام التي تعاني منها الجزائر […] تستدعي وجوبا من مثقفي اللغتين أن يتحدوا مثلما وحدتنا الآلام التي عشناها أثناء الاستعمار. إن ما يميز كاتبا عن آخر ليس اللغة التي يكتب بها، بل القيم التي يحملها”.

يمكن القول بأن الصراع اللغوي قد خفت حدّته بعض الشيء في السنوات الأخيرة. ومن بين ما يمكن أن نفسر به هذه الهدنة، ازدياد نسبة مزدوجي اللغة (عربية وفرنسية) بالقياس إلى ما كان عليه الأمر في السابق، حين كانت الأحادية اللغوية هي القاعدة، إما عربية فقط وإما فرنسية فقط.

يضاف إلى ذلك أن مشروع تعميم استخدام اللغة العربية الذي كان قد أطلقه الرئيس السابق اليامين زروال قد وُضع في الدرج وتمّ تشميعه في عهد الرئيس بوتفليقة الذي كانت الفرنسية لغة الخطب التي كان يلقيها في الخارج، بالرغم من تنصيص الدستور على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجزائر.

هكذا بقي ميزان القوة بين العربية والفرنسية على حاله، مما ساهم في إحداث نوع من الاستقرار في هذا المجال، ذلك أن المساس بمكاسب هذه اللغة أو تلك، العربية أو الفرنسية، في التعليم أو الإدارة أو غيرهما، كان يحدث دائما توتر شديد بين “المعربين” و”المفرنسين”. ويمكن القول بأن السياسة اللغوية المعتمدة قد أفرزت أجيالا من الجزائريين ما عادوا يحسنون في الأخير لا اللغة العربية ولا اللغة الفرنسية ولا غيرها.

كاتب أكاديمي جزائري.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق