ثقافة السرد

أبي الميت يصلح سيارته في بلاد القبائل

ق ق

الطيب طهوري*

كل من يلسعه بعوضها يأتيها بنفسه..ما إن يرى ماءها حتى يرتمي فيه ويختفي في عمقها..
يسمونها ( قلتة الموت)..الكثير من السكان القريبين منها رحلوا إلى البعيد..لكنهم حيث يحطون الرحال يجدون (قلتات موت) أخرى قريبة منهم..
كنت قريبا منها.. ماؤها الآسن أمامي..لم يلسعني بعوضها ولم أرم نفسي فيها..
فارسا من جهة الشرق على فرسه الزرقاء وبملامح أبي رأيت..كانت الفرس تعدو بسرعة وكانت الريح تموِّج لباسَه ناصع البياض..
شق الفارس البركه بفرسه فاختفت..مكانها صار أرضا قاحلة..بعدها مباشرة راح النهر الصغير يظهر.. سيره كان طريق ذاك الفارس.. كلما ابتعد الفارس زاد ذاك النهر طولا واخضر ما حوله..
كنت عطَشا مالحا..جفافا رهيبا..أسرعت إلى الماء ورحت أشرب بشراهة منقطعة النظير..ما أعذبه من ماء، قلت لي..
ما إن ارتويت حتى التفت إلى خلفي وصحت: آلجمعي تعال.. لقد اختقت بركة الموت، تعال..وسمعت صوت الجمعي: سآتي، سآتي..لم يكن الصوت صوتَه وحده..كان أصوات الكثيرين والكثيرات..نساء ورجالا، أطفالا وطفلات، شبابا وشابات، شيوخا وعجائز كان..
وكنت أنتِ بابتسامتك السحرية وصوتك الغنائي الشاوي الشجي الشهي أول المطلين علي.. وخطاك إلي كانت أسرع مني إليك..
حين استيقظت وجدتني أركب سيارة..في طريق بجاية كانت السيارة تسير ببطء.. وكنت في كراسيها الخلفية ..نظرت في كل داخلها.. هذه سيارة أبي..إلى السائق والجالس بجانبه توجهت بكلامي صارخا غاضبا: أيها اللصان، كيف سرقتما سيارة أبي؟..إلى أين تتوجهان بها؟..
التفت السائق إلي..كان حمودة النجار..لم نسرقها، أجابني.. أبوك الميت هو من طلب مني البارحة أخْذها إلى ميكانيكي جيد..وها قد جئت بها إلى بلاد القبائل حيث لي صديق ميكانيكي جيد جدا..
لماذا لم توقظاني؟.. تذكرت أنني قد أخذت مفاتيح السيارة من ابنتي بعد ان عادت من جولة قامت بها في الصباح..كنت أنوي القيام بجولة مثلها لكن السيارة كانت تنفث دخانا أسود كثيفا، فتراجعت..ولأنني كنت متعبا فقد نمت داخلها..
وجدناك نائما مبتسما وتتمتم فلم نشأ إيقاظك وحرمانك من أحلامك، رد حمودة..
ربما كان لي موعد مع شخص ما..ربما كانت لي بعض الأشغال المنزلية.. ربما.. كان من الواجب عليك إيقاظي يا حمودة..
أنت متقاعد يا عمي العربي.. وأولادك يقومون بالواجب..ولا أعتقد أن عائلتك تحتاج إليك في شيء ما..ثم.. ها أنت قد استيقظت.. وضحكا معا..
قال جاره: اعتبر نفسك أنك تقوم بجولتك التي كنت تنوي القيام بها..
جولة نومية ،يا أخي، علقت..
أوقف حمودة النجار السيارة ذات المقاعد الثمانية أمام محل الميكانيكي.. و.. نزلنا..
بالأمازيغية القبائلية تحدث والميكانيكي الجيد جدا..
التفت حمودة إلي فيما كان الميكانيكي يفحص السيارة: أعطني ثلاثمائة ألف حقوق إتياني بالسيارة إلى الميكانيكي..وأعط الميكانيكي ما يشتري به قطع الغيار..
أبي من يعطيك لا انا.. السيارة لأبي، وهو من طلب منك أخذها إلى الميكانيكي لإصلاحها، قلت كلامي مبتسما..
لا باس، رد حمودة..سآخذها منه..
لا داعي، سأدفع كل شيء من جيبي..لكن، ليس الآن.. لا شيء معي الآن..
قال حمودة: وهو كذلك،عمي العربي..
***
تركت حمودة وصديقه رفقة الميكانيكي ومشيت في اتجاه موقف الحافلات.. كنت وحدي..
وكان ديك الفجر يصيح سعيدا بفجره..
نافذتي كانت مفتوحة عن آخرها..
***
قالت الزوجة لي مندهشة: عجيب أمرك..يفتحان السيارة.. يركبانها.. يأخذان المفتاح من جيبك.. ينطلقان بها.. ولا تستيقظ؟..ما اثقله نومك .. أنت والغولة ذات السبع نومات توأم يا الطيب..
ضحكتْ.. و.. ضحكتُ معها..
كان أبي الميت يبتسم لنا في صورته المعلقة على الجدار تحت الأخضر والأبيض والأحمر..
كانت نسائم الصباح وزقزقات عصافيره وتغاريد طيوره تعانقننا..
وكانت سيارة أبي بمحركها الجديد وألوانها الثلاثة اللامعة تقف أمام بيتنا مزهوة بنفسها..
***
حين أشرقت شمسك على الشواطئ والجبال والسهول والسهوب والصحراء وأهقار الطوارق سمعنا صدى صوتك يأتي من قريب:
حريه، حريه، حريه
حريه، حريه، حريه

سطيف الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق