قراءات ودراسات

قراءة في رواية التوت المر للكاتب محمد العروسي المطوي

إعداد اﻷستاذة سهام حمودة

التوت المر٘ هي رواية اجتماعية من النوع الواقعي للأديب التونسي محمد العروسي المطوي تدور أحداثها في إحدى قرى الجنوب التونسي في فترة الاستعمار الفرنسي لتونس.
ورغم أن العوالم التي يرسمها الكاتب في روايته متباينة فإنها متشابكة وكل حدث يقع في عالم منها يؤثر أو يكون سببا في وقوع حدث آخر فلولا رغبة عائشة الكسيحة بنت الشيخ مفتاح الفقير في تدخين التكروري للهروب من واقعها لما قام عبد الله ابن الحاج علي الميسور الحال و رفاقه بتنظيم جمعية ” إنقاذ الشباب” و اجتثاث ذلك الداء من ٲرض قريتهم.
تتناغم ٲحداث الرواية بيد ٲنه يطغى عليها عنصر الغموض فعالم الشيخ مفتاح البسيط يخفي الكثير من الأسرار التي لم يفضي بها الكاتب إلى القارئ إلا بعد ٲن توطدت علاقة هذا الأخير بالشيخ مفتاح وعائلته الصغيرة المتكونة من ابنتيه مبروكة و عائشة فلا يجد القارئ ٲجوبة شافية لأسئلة ما فتئت تخامر ذهنه مذ التقى بالشيخ مفتاح كسبب هجرته من ليبيا إلى تونس وسر محنة ابنته الصغرى ٬إلا في الجزء الأخير من الكتاب.
ولقد جمع المطوي بين السرد والحوار والوصف لنقل هذه الأحداث ولكنه اقتصد في الوصف مركزا فقط على وصف العناصر التي تخدم القصة فمثلا ليست للقارئ أدنى فكرة عن شكل فاطمة أخت عبد الله أو أترابه مختار ومحمود وإبراهيم فكل ما تعل٘مه عنهم هو كونهم شخوصا حية حقيقية تفكر وتقرر بنفسها. ولقد حضر الكاتب في الراوي الغائب العليم بكل شيء ليرسم لنا الوقائع و ينقل لنا الحوارات بين الشخصيات آو حديث الشخصيات مع ذواتها فساعد بذلك القارئ في سبر أغوارها ومستوياتها الفكري و والنفسية والاجتماعية كما ساعد توظيف الحوار في ذكر حوادث وقعت في الماضي كهروب الشيخ مفتاح وعائلته من مصراته بعد اجتياح الطليان لها ٬ أو حوادث لم يكن المستمع حاضرا وقت وقوعها كقصة مختار مع كلاب حميده الساسي . وجدير بالإشارة إلى أن المطوي أدرج اللغة العامية مع العربية الفصحى في السرد والحوار كالاستناد إلى مثل شعبي أو الاستشهاد بأغنية أو التعبير عن الممارسات التقليدية التي لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال العامية •
ولم تخلو الرواية من عنصر المفاجأة ٲيضا ففي مواطن عدة منها خاب توقع القارئ فإبراهيم ابن ٲحمد العائب عميل فرنسا لم ينكث بعهده لعبد الله وساعدهم ضد مخطط فرنسا في هدر طاقة الشباب التونسي الجسدية والفكرية عن طريق زرع التكروري بينهم وإقلاع مختار عن تعاطيه رغم إدمانه الشديد عليه ولم تعجب مبروكة عبد لله بل أعجبته وأخذت لبه أختها الكسيحة التي تزوجها رغم رفض آمه لها أما المفاجأة الكبرى فتتمثل في استعادة عائشة لقدرتها على المشي بعد أن أنجبت طفلا لعبد الله.
صحيح أن التوت المر رواية تقليدية بيد أنها تحمل بذور الثورة في شخصية عبد الله الذي دعاه صديقه مختار ب”الزعيم” وربما يفسر هذا سبب اختيار الكاتب اسم عبد الله لبطله فهو يرمز ٳلى الش٘اب التونسي الغيور على وطنه وأهله ٬ الثائر على التقاليد العجفاء والأفكار الرجعية التي رسمت عائشة “عنزا” وحورية العنز ” بسبب عجزها حتى أنها بدت من تصوير أم عبد الله لها وهي تزحف على بطنها قرب شجرة التوت كالحي٘ة التي أغرت آدم بالأكل من الشجرة المحرمة فنبذ من الجنة . فعبد الله آدم و الجنة أمه الغاضبة منه .فتزوجها وأصلح حالها يوجهه في ذلك المسار حبه لها و إنسانيته إذ كان يخشى أن يفترسها الزمن بلا رحمة ” فتقضي حياتها في الشقاء واله ” على حد قوله . كما سعى عبد الله إلى انتشال شباب قريته من هاوية الضياع فنظم جمعية انقاد الشباب من آفة “التكروري ” وهي جمعية تنبأ عبد الله أن تكون قاعدة لثورات أخرى• وتتمثل مهمتها في اقتلاع “التكروري” من البساتين وحث القرويين على الإقلاع عن تدخينها وهو سم منعته فرنسا في بلادها و دسته في شراب الشباب التونسي لتلهيهم عن المقاومة بصرفهم إلى عالم الأوهام •
تنتهي الرواية بتعثر عبد الله ووقوعه على صخرة من شدة الذهول لما أخبرته أخته فاطمة أن عائشة شفيت واستعادت قدرتها على المشي وما هذه النهاية إلا استشراف لمستقبل مشرق للمرأة التونسية تلعب فيه دورا هاما ليس فقط في تربية الجيل القادم بل في تحرير بلادها أو عائشة هي ذلك الوطن العاجز الذي استمد قوته من شبابه الغيورين أمثال عبد الله الذين رفضوا التخلي عنه فاهتز عرش الاستعمار لخطواتهم الثابتة والقوية نحو الحرية•

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق