قراءات ودراسات

مقاربة نقدية في المسرحية الشعرية “أحلام الصندوق”

للشاعر السيد ذكريا

بقلم: مجدي جعفر

الصندوق كما نعرفه في واقعنا المعاش يأخذ شكل المستطيل أو المربع أو أي شكل هندسي ويُصنع غالبا من الخشب أو المعدن، وتوضع به البضائع لدي التجار، وبعض المقتنيات لدي الأسرة، وكان في زمن الجدات بديلا عن ” الدولاب “، وعرفنا في طفولتنا صندوق الجدة، ويتميز الصندوق بالغلق المحكم.
وعرفت الأجيال السابقة ما يسمى ب ” صندوق الدنيا “، من خلال رجل قد يكون حكيما أو ساحرا أو مهرجا يجوب الشوارع والطرقات وينادي بصوت حسن جميل : ” صندوق الدنيا .. صندوق الدنيا “!، فيتحلق حوله الصبية والبسطاء ليقدم لهم آلاعيب أو خدع الصندوق / الدنيا، من خلال مشاكسة الضوء بعدساته التي ثبتها بالصندوق أو بعرض بعض الصور، ففي ذلك الزمن لم تكن شاعت – لقلة التعليم – نظريات الضوء، وألاعيب الخداع البصري.
والشاعر السيد زكريا، قرأ واقعنا الآني، قراءة عميقة وناقدة وواعية، ترى ماذا يحمل لنا في صندوقه؟ إنه يحمل أحلاما ليجابه بها هذا الواقع، ويتوجه بها :
(إلى غرس اليوم / وحصاد الغد / إلى الشباب ).
لماذا غرس اليوم؟.
يبدو أن الشاعر يئس من إمكانية تغييرالواقع الراهن الردي إلى الأفضل، هذا الواقع الخانق، الذي فقد فيه الإنسان إنسانيته، فأدان من خلال توجهه للغرس الجديد جيل الآباء والأجداد الذين أوصلوا الأجيال الحالية / جيل الشاعر إلى هذا الحال المزري، ولاحظ العلاقة بين كلمتي غرس وحصاد، وهذه العلاقة نستشف منها من خلال رمزيتها الشفيفة، الإدانة الكاملة لغرس الأجيال السابقة لأن الحصاد الذي جناه جيل الشاعر بسبب غرس الآباء كان مريرا، والإدانة هنا شاملة، إدانة سياسية واقتصادية وثقافية وتعليمية … إلخ.
وهذه الإدانة لا تأتي بصورة مباشرة، فيشير إليها تلميحا لا تصريحا، همسا لا صراخا، وتأتي من خلال مقاربة أبطال نصه المسرحي لهذا الواقع، ومن خلال غرس جيل الآباء والأجداد.
وقدم الشاعر مسرحيته في ثلاثة مناظر، وشخصياته قليلة، فهم أربعة أشخاص فقط، الشبان الثلاثة، وصاحب الصندوق ” صندوق الأحلام “، وهذه الشخصيات تظهر في جميع المناظر، ويكاد يكون الشاعر عادلا في توزيع المساحة الزمنية بينهم، ليعبر كل واحد منهم عن حلمه، وعن همومه، هموم ذاته وهموم مجتمعه، ولم يخلع عليهم أسماء، ولا وصف خارجي أو صفات وسمات جسدية، فهو معني بدواخلهم الفوارة والموارة، وبأوجاعهم النفسية، ورغم البداية الشائهة والضبابية التي حاول أن يقدم بها أشخاصة في البداية، وكأنها تتوافق وتتلائم مع الحياة الكابوسية والشائهة التي يعيشونها، ولكنه سرعان ما يخرجهم من هذه الحالة، الكابوسية، ورويدا رويدا تتكشف شخصياتهم.
والشاعر يجعل من مسرحه غرفة مغلقة مثل الصندوق، وخالية من أي أثاث، ومظلمة، وكأنها الصندوق / المقبرة، والشبان الثلاثة راقدون فيها، نياما، وكأنها نومة أهل الكهف، ويبدأون في الإستيقاظ واحدا تلو الآخر، وهم في دهشة وحيرة من أمرهم، تذكرنا بحيرة أهل الكهف عندما أيقظهم الله، وهذه البداية التي بها مسحة عبثية سرعان ما يتخلى عنها الشاعر، ولا يعود إليها إلا في المنظر الثالث، وكانت مساحة العبثية به بحجم مساحة العبثية في الفصل الأول، فهم في الفصل الأول بعد إفاقتهم من غفوتهم / ميتتهم، والموت هنا بالمعنى المجازي، والموت في المقطع العبثي في الفصل الثالث، قدمه في مشاهد قصيرة على ألسنة الشبان الثلاثة، أظنه قدمه بفرادة وعبقرية، والشبان الثلاثة بعد استيقاظهم في المنظر الأول يحاولون أن يتذكروا غنوة رجل الصندوق، والشيخ صاحب الصندوق، وكيف وصلوا إلى هذا الحال، وفي المنظر الثالث، في مشاهد الموت يحاول القارئ أن يربط بينها وبين مشاهده في المنظر الأول، ويستعيد القارئ للنص الشاعر / رجل الصندوق، والمرايا المثبتة بالصندوق، هل هي كانت خادعة أم حقيقية؟ وإذا كانت الغرفة بدت مظلمة، فإن الإضاءة تبدأ خافتة، وتزداد شيئا فشيئا مع كل كشف عن ملمح للأشخاص، وكأن ثمة صراع آخر خفي بين النور والعتمة يقابله صراع الأشخاص مع الظلام وسعيهم نحو النور.
ومن خلال حوارات الأشخاص على خشبة المسرح / الورق، وبعد إفاقتهم شبه التامة، نبدأ في التعرف عليهم وعلى أفكارهم، يقول الشخص الثالث :
( كنَّا نحن بذور البَدءِ ، / يكفي أنّا صرنا رمزا ، / ما أجمل أن نصبح رمزا ،/ يحيا بين الناس ويبقى رغم الموت نسيمًا حيًّا،/ يتنفسه الناس هواءًا./ ينبش ذاكرة الأشياء ، / يحفر مبدأه الثوري ….).
فالحلم هنا أن يكونوا رمزا، والرمز هو البطل المعبر عن الضمير الجمعي، والمجتمع يحمل البطل / الرمزعلى الأعناق، وهو لايموت لأنه ضمير الجماعة، ويظل حيا في ذاكرة الأجيال وفي القلوب، فهو من أرسى مبادئ الثورة، فهل هؤلاء أبطال ثوار فعلا، وقادرون على إحداث التغيير المرجو إلى الأفضل، أم أن الشاعر / صاحب الصندوق، هو من انتقاهم ليعدهم ويصنع منهم ثوارا يقودون حركة التغيير في المجتمع؟.
فهم يعانون من :
( أسر الكلمة بين الحلق / بقر الضحكة طي الجوف ، / تكبيل الأحلام الأولى / في واد يكسى بالخوف ).
ودلالات الكلمات لا تحتاج إلى شروحات، فماذا تعني كلمات مثل : أسر الكلمة، بقر الضحكة، تكبيل الأحلام، الخوف؟
فما أقسى هذه الحياة التي يعيشون فيها حياة أسوأ من حياة العبيد!!.
…..
ومن معاناتهم أيضا :
الشعور بالفقد والإحساس بالغربة والاغتراب.
يقول الشخص الثالث :
(حين تحس بأنك تسبح ضد الريح / حيث تظن الكون جميلا / حين يكون الكون قبيح / تفقد أحساسات الذوق / تبصر بحر الدمع فسيح ).
ويقول الثاني :
(الغربة جوع / للمرسى / شوق أخَّاذ للذات / الغربة أوجاع حبلى / إبحار ضد اللذات / ترحال في واد جدبٍ / أو غوص بين الأنَّات ).
ويقول الأول :
(حقًا حقًا / كنت أحس الفقد لذاتي / كنت أعمق في لذاتي / حتى يتغمدني الجرف، / الهدَّامُ المسمومُ العاتي / نحو المتعة
/ لم أك أشعر غير الحيرة، / غير الوحدة، غير الفقد. ).
…….
ومن خلال المقطعين السابقين نستطيع أن نتصور الحياة السياسية والاجتماعية التي يعيش فيها الشبان الثلاثة.
……
وبينما الشبان الثلاثة على حالهم يتشاكون همومهم، يرون في ( المنظر الثاني ) الشيخ النحيل الذي يحمل صندوقه المزركش، وينادي بصوت حسن :
( كل الدنيا في صندوق / عجبًا يحويه الصندوق / ضحكًا، لعبًا ،حبًّا، طربًا / أحلامًا في الغيب شروق / كل الدنيا في صندوق / عجبًا يحويه الصندوق ).
فيهرع إليه الشبان الموجوعون، ويقولون :
( يا مولانا الشيخ أرينا / ماذا تحمل في الصندوق )
الشيخ :
أحمل أحلاما لا تبلى / لا يهداها غير صديق / تسعف من حل به سقم / طوق نجاة نحو غريق )
وكأنهم وجدوا بغيتهم، فيقول الأول :
( هل لا نطمع في أن نلقى / حلمًا نرشف منه رحيق ؟ )
ويقول الثالث :
( نشبع فيه هياج النفس / يقشع كل غيوم الضيق ).
ويقول الثاني :
( أو نلقى فيه براءتنا / تبدو نهرا فيه بريق / مثل بريق الضحكة فينا / نهر فيه الحلم طليق )
ويشترط عليهم الشيخ أن يقولوا الصدق، ويقسموا على قول الصدق، وكل يشكو له حاله، فالأول مُحب وعاشق، والثاني يميل إلى الثورة والتمرد، والثالث أقرب إلى رجل الدين الناسك والزاهد، وتتكشف في هذا الفصل الفروق بين شخصياتهم بعد أن كانت غائمة في الفصل الأول، فأصبحت واضحة إلى حد بعيد.
1 – الشخص الأول العاشق :
ويدور حوارا ماتعا بين الشخص الأول والشيخ صاحب الصندوق، حول الحب والعشق، يستغرق صفحات.
(الأول :
قبل البوح / سأسأل سؤلا / هل لا تدري معنى العشق ؟/ أم أن العاشق مخلوق / منبوذ من بين الخلق ؟! ).
الشيخ ” في استنكار “:
( منبوذ من بين الخلق ؟!! / من أنباك بهذا ؟ / قل لي !! ).
الأول :
( ما ألقاه الآن بدنيا / لا تبدي للحبِّ وجود / ما خلَّت للعشق مكانًا / وكأنَّ العالم جلمود !! ).
وكأنها مبارزة شعرية في العشق بينهما :
الأول :
( ما أحلى العيش / بلا شطٍ / في بحرٍ تغشاه الغيد / الموج يلاطف دقاتٍ / من فرط الأشواق تزيد ).
الشيخ: ” مبتسمًا يكمل “
( بحرٌ يقطر بالأشواق ِ/ بحرٌ فيه الليل طويل / والنجم جليس العشاق ِ/ قد يمضي و القلب ذليل / أو مغلول في الأوثاق / ليس يريد سواه بديل / يصبح غرسا في الأعماق / أو آيات للترتيل ).
وطال الحوار بينهما حول العشق، وجاء وقت الحلم، فما هو الحلم الذي يحلمه الشخص الأول العاشق؟
( أحلم أن أرقى ويصير / حلمي مثل الطير يطير / ويكون الطيار فؤادي / في عشق الأمجاد أسير / فيضيف إليها تغريدا / علما مثل البدر ينير / ويبث التغريد هواء / عذبا فوق الكون نمير ).
2 – الشخص الثاني، المتمرد الثائر.
وسار الشيخ صاحب الصندوق مع الشخص الثاني إلى أقصى مدى، ليستنطقه، ويستخرج كل ما بداخله، من هموم وأحزان ولواعج تشتجر، قبل أن يصل به إلى الحلم
الثاني ” والدموع تغادر عينيه “:
( بل إن الموت يلاحقنا / والجور الغاشم يلقانا / والقفر أذاب مدائننا / والشيب أصاب الولدانا / الدنيا جرح أحرقنا / والعمر جحيم أبكانا / والجرذ الفسل يماطلنا / بحمام يرفع أغصانا / والغول يبارك فعلته / والكل يصفق جوعانا / أرض الميعاد بلا وطن / والكون ينمق ألحانا ).
ويبدو أنه هنا مهموما هموما عامة، وليست همومه فقط خاصة، فأمته من دون الأمم يلاحقها الموت، والفقر، والظلم، ويذكر أرض الميعاد السليبة، والسلام المزعوم، وحصار أمته، وكأن الصندوق يتسع للأمة كلها، أو كأنهم سجنوا الأمة في صندوق!.
والشاعر أعطى مساحة كبيرة للحوار بين الشخص الثاني الثائر وصاحب الصندوق، وتأتي هذه الحوارات رصدا وتنظيرا لواقعنا المؤلم، وأما عن الحلول لمشاكل هذا الواقع يأتي على لسان الشيخ.
الشيخ :
( أما عما قلتَ / فإني…./ أدرك أن الواقع أخطر / لكني لا أبصر حلا / غير الثورة، .. )
والخيار الآخر للثورة من وجهة نظر الشاعر/ الشيخ صاحب الصندوق :
( أو أن نصبر / حتى يأتي الله بجند / يعلو فوق النار / ويعبر / نحو يقين النصر / لواذا / نحو طريق الحق الأنور ).
وجاء الحوار بين الشاب الثائر وحامل الصندوق، حوارا قويا، ومن أمتع حوارات المسرحية، وما بين يئس الثائر ورجاء صاحب الصندوق، يأتي الحلم.
الشخص الثاني :
( أحلم أن تنشق سمائي / عن أقوام لا خدام / بل أسياد فوق العالم / فوق نجوم الكون مقام / ترفع راي الثأر هديرًا / لترفرف فوق الأعلام / وتذيب جمودًا يعصف بي / فيجلجل وقع الأقدام / ويزلزل في قلب عدانا / فيصير المغرور حطام ).
هذا حلم الشاب الثائر، والمتمرد.
…….
3 – الشخص الثالث العابد، الناسك، الزاهد.
الشيخ صاحب الصندوق ” مشيرا إلي الثالث “
( جاء الدور عليك الآن / هل لك حلم / أم أحلام ؟! ).
الثالث: ” في فخر “
( بل لي حلمٌ / أجمل حلمًا / بل يجمع كل الأحلام / بل إن الأحلام جميعًا / دون الحلم تبيت ركام ).
الشيخ :
( قل ما ذاك الحلم صغيري / إنا ننشد حلمًا هام ).
ويبوح الشحص الثالث ببعض لواعجه :
( منذ زمان قبل الآن / كان الكون لدي رماد / كنت أحب العزلة وحدي / آمل في عيش الزهّاد / لا يغريني بريق الدنيا / لم تتخطفني الأعياد / قالوا إن الدنيا حرب / وصمودك في الحرب جهاد / فلتشهر للدنيا سيفا / ولتعلن للكون عناد / ولتنشر فيضًا من صدق / فوق جراثيم الأوغاد/ ثم خرجت بحب جم/ آمل حبَّا بين الناس / ثم رأيت هياج اليم / يقتل في القلب الإحساس / كان الكون علىّ غريبًا / كل يمرح دون أساس / ذاك يسب وذاك يغني / تلك أداة للوسواس / تلك تزيد الزينة تبغي / عرسا يخلد في الكراس / والإعلام ضريرا يخطو/ ينشر سمًّا بين الناس / والتعليم أطاح بدين/ والأجدر أن كان أساس / لا في الهامش يوضع نكرا / حتى يهمله الدراس ).
وهذا رصد أمين ودقيق للواقع.
ويستمر الحوار بين الشيخ والشخص الثالث، يسمع منه، ويجيبه، قالشخص الثالث، يؤثر العزلة، ويقول للشيخ :
( أبصر حولي العيش حرام / لن أشتاق خروجًا ثاني / ليس بدار الفُجر مُقام )
والشيخ يحثه على عدم الاستسلام، والخروج.
الشيخ :
( خِلتك لستَ بهذا الضعف / من يرقى ليلم الصف؟! / مَن مِن غير الدين سيبقى؟! / خلتك سوف تعود لتهدي ).
ويرى الشيخ ضرورة نزوله إلى الناس، ويتخلى عن عزلته.
وبعد أخذ ورد بينهما، يقتنع الشخص الثالث، ويرى بداية الإصلاح من الزوجة والأبناء.
الثالث :
( لا بل إني سوف أحاول / أن أنشئ بيتا بالتقوى / أأوي أمًّا تعرف ديني / تغرس في الأبناء التقوى / أغرس فيهم عشق المولى / أعظم ما في الكون وأبقى / فأنمي روح عقيدتهم ).
…….
وبعد أن أوفى الشبان الثلاثة للشيخ صاحب الصندوق بالصدق في حديثهم، طلبوا منه أن يفي بوعده لهم.
الشباب :
( أما الآن وقد أوفينا / عهدا حر الرأي وثيق / جاء الدور عليك لتوفي / ولننظر ما في الصندوق ).
الشيخ :
بالفعل نظرتم لا زيفا / أنتم أحلام الصندوق / قد كان المرآة وكنتم / نعم الراوي في الصندوق / والآن ستمضون بدرب / كل منكم فاق لحلمه / كل منكم في قدرته / أن يعلن للعالم حلمه / يضمن أحلاما فاعلة / تعلن بين الناس الكلمة / يشهر سيف الحلم ويمضي / ها قد مات اليأس وخوفه / ها قد صار النور دليلا / والغيم تمطى في حتفه ).
وبهذا يكون الشاعر / الشيخ صاحب الصندوق نجح في إفاقة هؤلاء الشبان الثلاثة، وفي انتشالهم من وهدة اليأس والاحباط، وكل يقتنع بحلمه، ويؤمن به، ويعدون شيخهم بأنهم سيجدون في نشره بين الناس، وسيسعون لتحقيقه، بل سينمونه ويضيفون إليه أحلاما أخرى:
( سنجيئ بأحلام أخرى / ونجدد عهد الصديق / وصلاح الدين ومجدهما / سرعان ما الكون يفيق ).
وهنا يتجلى الحلم في أزهى صوره، وجماله في أنه يتجاوز الذات الضيقة، والحدود الضيقة، إنه حلم أمة، الحلم في ابتعاثها من جديد، باستدعاء الصديق وصلاح الدين، في إعادة مجدها الغارب.
……
هل يتحقق الحلم؟
الواقع قاتم وخانق، وتغييره في الوقت الراهن صعب المنال، والأمل في الغرس، في النشء الجديد.
الأول : ” في ثقة “
( النبت سيثمر في زمن / سيعيد النبت حكايتنا / وسيحمل حتما رايتنا / وسيبحث عن روح الحلم / وسيدرك وحي رسالتنا ).
الثاني :
( هل تعني أنا أنجزنا / حققنا ما نرجو طوعا ).
الثالث:
( حققنا أجزاءً منه / حققناه الجزء الأعظم / غرس الحلم بذورًا حبلى ).
الأول : ” مكملا “
( في أرض بكر معطاءه / وروينا البذر ملامحنا / وغزيرا من خصب الروح ).
الثاني :
( تتحدث في ثقة مثلى / وكأنك تدري ما الغيب / وكأنك عشت تفاصيلا / وعبرت كثيرا ذا الدرب ).
الأول :
بل صرتُ أمنطق أفعالي / أفعال الناس . / أحوال العالم من حولي / فيبين أساس / والآن ستحيا نبتتنا / وسيأتي وحي الصندوق / سيردد حتما غنوتنا / غنوة أحلام الصندوق / سيردد حتما غنوتنا / غنوة أحلام الصندوق
يصمت الجميع وبعد ثوان معدودة يتعالى من الخارج
صوت الشيخ ومن خلفه صوت مجموعه من الشباب “
الشيخ :
( كل الدنيا في صندوق عجبا يحويه الصندوق / يا أطفال العالم أجمع أنتم أحلام الصندوق )
كورال :
( يا أطفال العالم أجمع أنتم أحلام الصندوق ).
” يتجمع الثلاثة في منتصف المسرح ناظرين لأعلى ومرددين نفس الكلام “
الشباب معا :
( يا أطفال العالم أجمع أنتم أحلام الصندوق / يا أطفال العالم أجمع أنتم أحلام الصندوق )
ستار
……
أحلام الشاعر في هذه المسرحية أحلام مشروعة، وألشاعر قادر على الحلم رغم الهزائم المتتالية والانكسارات، ورهان الشاعر على النشء وقدرتهم على الحلم والقبض عليه والتمسك به في هذا الزمن النكد الضنين وعلى إشاعة بصيص من الأمل رغم الإظلام التام والسواد الحالك، وربما هذا البصيص من الأمل مع الحلم هما ما ميزا هذه المسرحية ..
وكان الشاعر أمينا في نقل قضايا الواقع وهمومه ومشاكله، ومحاولة تغييره إلى الأفضل، أو خلق واقع جديد.
ووفق الشاعر تماما في اختيار شخصياته، فكل شخصية تمثل شريحة عريضة من المجتمع، فاختار الشاعر العاشق المحب للغيد الحسان وللإنسان والله والوطن، والعابد الناسك الزاهد، الذي يتخلى عن زهده، ويخرج للناس لهدايتهم، ولإصلاح ما فسد من قيم وأخلاق، ويساهم في بناء المجتمع، والثائر المتمرد الذي يدافع عن حقوق المظلومين، المضطهدين، ويسعى للحرية والعدالة والحياة الكريمة والعدالة، مثل هؤلاء الأبطال يعيشون في قلوب الناس، ولا يموتون، فهم أصحاب قضايا كبرى، وكل شخصية من شخصياته جديرة بأن تكون وحدها بطلا لنص مسرحي.
ويحسب للشاعر قلة الخطابية في حوار شخصياته، وقلة الغنائية أيضا، وهذه من أهم المميزات التي يجب أن نشيد بها.
وألفت نظر شاعرنا إلى الحديث الذي يطول أحيانا على لسان الشخصية الواحدة، وإلى نثرية اللغة المبثوثة في مشاهد قليلة جدا، وبعض الجمل التقريرية، فتوجه الشاعر يجب أن يذهب إلى أحاسيس ومشاعر بطل النص لينقلها للمشاهد / القارئ في صور فنية رامزة وموحية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق