ثقافة المقال

الصحافة العربية: ادِّعَاءٌ للعِبَرِ الماركسية أم دُعَاءٌ للإبَرِ الاِرْتِكاسية؟

آصال أبسال

والآنَ، بعد مُضي عشرٍ من السنواتِ العجافِ على الاندلاع الفعليِّ لثورات «الربيع العربي»، وبالتنويه عن محاولاتِ ذينك التفسير والتحليل السياسيَّيْن، على وجه الخصُوصِ، لمدى ذينك الاستسلام والاستخذاء الواضحين اللذين أبداهما قادة التحالف المدني (الثوري) السوداني المُسَمَّى بـ«قوى إعلان الحرية والتغيير»، قبلَ ما يربو عن حَوْلٍ من الزمان.. أبدوهما إبداءً صارخًا للعيان المحلي والدولي أمامَ قادةِ التحالف العسكري (الثوري المضاد) المُسَمَّى بـ«المجلس العسكري الانتقالي (أو الانقلابي)»، من خلال محاولة انتهائهم إلى توقيع الاتفاق المشؤوم على تسليم السلطة، أولا، إلى هذا «المجلس العسكري» بكل ما يملكه من السلاح الخفيف والثقيل، ومن خلال محاولة ابتدائهم بالتالي بوأد الثورة الشعبية السودانية حتى قبل أن تنضجَ وحتى قبل أن تكتملَ في نفوس الأُناسِ الثائرين والثائرات بكافَّةِ أطيافهم.. وكان قد ظهر على السطح، في جملة ما ظهر إبَّانئذٍ، هذا المقالُ «الألمعيُّ» اللافت للعيان للكاتب الصحافي يحيى مصطفى كامل تحت العنوان المؤاتي، «على هامش ثورة السودان: الواقع المعقد والدروس البسيطة» /من إصدار تلك الصحيفة العربية (الفلسطينية) المشهورة بالاسم، «القدس العربي»، في يوم 19 تموز (يوليو) من العام الماضي 2019/.. وهو المقال «الأَلْمَعِيُّ» و«اللَّوْذَعِيُّ» الذي كاد وقتَها أن يلخصَ تلخيصا مدهشا ومذهلا للعقول كلَّ ذلك الكثير الجَمِّ من المقالات الصحافية و/أو الإعلامية المنوَّهِ عنها في مقالات سابقة (يُنظر، مثلا، المقال: «الصحافة العربية: مَآلُ التحليلِ المُرَصَّن بانتحالِ أسلوبِهِ المُقَرْصَن!»)، وإلى درجة النقل الحرفي السافر للعديد من العبارات بأكملها من هنا ومن هناك، وبدون أيةِ مسحةٍ، بالطبعِ، من الاعترافِ الضميريِّ، أو حتى الوجدانيِّ، بهكذا نقلٍ حرفيٍّ بالحرفِ الواحدِ، كما هي الحالُ الاعتيادية في الأغلبِ الساحقِ والماحقِ من كُتَّاب وكاتبات هذه الصحيفة العربية (الفلسطينية) المشهورة..

ما علينا من كلِّ مَا يؤولُ إليه مَآلُ هكذا تحليلٍ منقولٍ نقلا حرفيا، أو بالكاد، ناهيك عن مآلاتِ انتحالِ أسلوبِهِ المسبورِ بكلٍّ من العبارةِ والتعبيرِ مِمَّا وراءَ البحار ومِمَّا أمامَها كذلك.. وهو الانتحالُ الذي صَار بالفعلِ، فنًّا تمويهيًّا تعتيميًّا قائمًا بذاته من فنون الكتابة الصحافية و/أو الإعلامية في هذا الزمان الافتراضي الرقمي (أو الإلكتروني)، فنًّا تمويهيًّا تعتيميًّا «كاموفلاجيًّا» إذا جاز التعريب، هنا، من الاصطلاح العسكري الفرنسي المؤنكلَز Camouflage.. وهو كذاك الاصطلاحُ المقابلُ بالتأكيدِ، ولكن بمستوىً أخلاقيٍّ أوضعَ وأحطَّ بكثيرٍ، لذلك الاصطلاحِ المُسَمَّى بـ«السرقة الأدبية» الذي كان النُّقَّادُ الأدبيون العرب القدامى يستخدمونه أيامَ زمانٍ (في العصر الوسيط).. ما علينا من كلِّ مَا يؤولُ إليه مَآلُ هكذا تحليلٍ: إذْ نرى أسرةَ تحريرِ الصحيفةِ العربية (الفلسطينية) المذكورة بالعين، ها هنا، إذْ نراها رأيًا تلجأ بالرأي «السَّديدِ» إلى الاختيار «الإِمَّعِيِّ» من صلب المقال «الألمعيِّ» و«اللَّوْذَعِيُّ» نفسه للعبارة التي تعتقدُ، مثلما تعتقدُ في كلِّ المقالاتِ الصحافية و/أو الإعلامية التي تنشرُها تباعا، أنها «العبارةُ الأهمُّ» في هذا السياق.. فتسلِّطَ أسرةُ التحريرِ المعنيةُ هذه، بذلك، الأضواءَ الإعلامية عليها عمدا لكي تبدوَ للمشاهدين والمشاهداتِ، قبلَ القُرَّاءِ والقارئاتِ، ساطعةً كلَّ السُّطوعِ، كما يلي..

/لا أتصوَّرُ بتًّا أن أثورَ على جلادٍ لكي أجلسَ للاتفاق معه بينما يحتفظُ هو بكل أدوات بطش السلطة: فالثورة حتى تحققَ أغراضَها كاملةً يتحتَّمُ عليها أن تلغيَ الخصمَ إلغاءً كاملا، ولا شك/.. وهذا النوعُ من «النكران» البَتِّيِّ اللا تراجعَ فيهِ، فيما يبدو، إنَّمَا يُسَمَّى في لغة البلاغيات الإخبارية والإنشائية بـ«النكران السَّرْدِي» Déni Narratif، في اللغة الفرنسية، لأنهُ، في حدِّ ذاتهِ، استنكارٌ قصصيٌّ لماهية التفاوض بين الطرف الضعيف، أي الطرف المدني الأعزل (في مثالنا، في المشهد الثوري السوداني، هنا)، وبين الطرف القوي، أي الطرف العسكري المسلح، على النقيض.. تماما كما كان حالُ ذلك الاستنكارِ «القصصيِّ» المشابهِ بالحَدَثِ التاريخيِّ على الأفواهِ والأبصارِ، جُلاًّ أو كُلاًّ، للتفاوض بين المدعو العربي مؤيد الدين بن العلقمي (وزيرِ دولة الخليفةِ المستعصم بالله (1213-1258))، وهو الطرف الأضعف بالمثل، وبين المدعو المغولي التتري البربري هولاكو خان، وهو الطرف الأقوى بالمثال.. فلم يكُنْ لهذا التفاوض، في هكذا مِثْلٍ وهكذا مثالٍ، إذن، إلاَّ أن يسيرَ على أهواءِ الطرف الأقوى لا محال، مِمَّا حدا بهولاكو خان إلى اجتياحِ بغدادَ سنة 1258 وإلى اغتيالِ المستعصم بالله وإلى تنصيبِ مؤيد الدين بن العلقمي نفسِهِ وزيرا له (أي لهولاكو خان نفسه) إلى أن مات ذاك «المُوَزَّرُ» بعد ذلك الحين بشهور جِفَافٍ قلائل – كما أشار إلى ذلك، قبل عامين ونيِّفٍ مَرًّا، أستاذي غياث المرزوق في واحدٍ من مقالاتهِ المتفرِّدة في مجال التحليل السياسي النفسي تحديدا: (يُنظر، مثلا، المقال: «ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: كَيْفَ يَتَجَلَّى فِي ذِهْنِيَّاتِ الطُّغَاةِ؟»، المقال الذي صدر تباعا في العديد من المجلات والدوريات والمواقع الإنبائية المختصة)..

هذان، إذن، مِثْلٌ ومثالٌ آخران أشدُّ جلاءً على نوع الصحافة العربية المعني، وعلى مدى الغبن الملزومِ الدَّنِي، وعلى كذاك مدى الجهل المُلازمِ بما تنشره هذه الصحافة العربية بالأغلب الساحق والماحق منها.. هذان، إذن، مِثْلٌ ومثالٌ آخران تمثلهما أيضا خيرَ تمثيل أسرةُ تحريرِ تلك الصحيفة العربية (الفلسطينية) المشهورة بالاسم، «القدس العربي».. خصوصا وأنها الصحيفة التي تدَّعي، من بين ما تدَّعيه، بأنها /منبر متنوع يؤمن بالتعددية وينشر الأخبار الدقيقة.. وأنها تلتزم بالمعايير المهنية والموضوعية، من خلال تغطيتها للأحداث، وتقديم التحليلات العميقة للقضايا العربية والعالمية/.. إلى ما هنالك من شكلَي «الخرطِ» و«الضرطِ» الصحافيَّيْن «الموضوعيَّيْن» الأعْجَفَيْن، وإلى ما هنالك من شكلَي التطبيل والتزمير الإعلاميين «الذاتيين» الأجوفين، كما أُشير إلى كل من هذين التوصيفين المزدوجين في المقال السابق، «الصحافة العربية: غلواءُ الجهالةِ نقلاً بفحواءِ الكتابةِ عقلاً!».. وقد كتبتُ ساعتَها كذلك تعقيبي الواجبَ على المقتطف المذكور أعلاه وأنكرتْ بالمرصاد «لاءاتُ» مقصَّاتِ الرقابة «المخابراتية» للصحيفة نفسها، كمثل «لا» ذلك المقصِّ المرتزقِ المأجورِ الذي يقترنُ على الدوام بالاسم الذكري قلبا و«الأنثوي» قالبا والمكتوب بالرَّسْم اللاتيني مصغَّرًا، كحال عقلها بالعين، nada، لا بالرَّسْم العربي «ندى» /وواحسرتاه، واحسرتاه على هكذا اِسمٍ «أنثويٍّ»!/، فأبتْ هذه الـ«لاءاتُ» من ثمَّ أن تنشرَ هذا التعقيبَ «المؤاتيَ» كالمعتاد لأنه ببساطةٍ أشدَّ وأشدَّ تعقيبٌ يكشفها على مُرِّ حقيقتها «المخابراتية» على كلٍّ من الملأيْن الأدنى والأعلى، أيضا.. ما علينا، هنا، من كلِّ مَا يؤولُ إليه مَآلُ هكذا إنكارٍ سرديٍّ ومآلُ هكذا إباءٍ قصصيٍّ (مُصَاحبٍ)، مرة ثانية.. كتبتُ بدوري في ذلك التعقيب، مضافا إليه ما استجدَّ من إخبارٍ وإنباءٍ حتى هذا الأوانِ الأخيرِ، ما يلي..

الأخ الكريم يحيى مصطفى كامل.. هناك، في هذا الزمان وفي هذا المكان، باحثٌ أكاديمي يدَّعي أنه مختصٌّ أيَّما اختصاصٍ بالثورات الشعبية العربية، ويدَّعي أنه ناشط يساري «ماركسي»، اسمه جلبير الأشقر.. ومع ذلك أيها الأخ الكريم، ورغم كل ذلك، فإنه يتصوَّر بدون أيِّ تردُّدٍ هذا التصوُّرَ الذي تستنكرهُ أنت أيها الأخ الكريم، كما يستنكرهُ الكثيرُ من قبلك، استنكارا سرديًّا قصصيًّا كذلك.. ويعتبرُ أن ذلك الاتفاقَ المعنيَّ إنما هو ثمرةُ إنجازٍ عظيمٍ من إنجازاتِ قيادةٍ ثوريةٍ، قيادةِ «قوى إعلان الحرية والتغيير»، قيادةٍ، كما يقولُ بحَرْفِيَّتِهِ أيضا، قدْ /أثبتت أنها حقا متفوقة على كافة القيادات [الأخرى] في «السيرورة» الثورية العربية برمتها/.. وهو معجبٌ أيَّما إعجابٍ كذاك بكلمة «سيرورة»، واخد بالك، أيها الأخ الكريم.. وصار له يكتبُ جائحا بهذا النفس التفوقي السوبرماني (بمفهوم أفلام هوليوود «الإنسانوي»، لا بالمفهوم النيتشوي الأكثر إنسانية من «إنسانية» الإله ذاته).. وصار له، فضلا عن ذاك، يصرُّ عليه كلَّ الإصرار إلى حد التحنُّط الذي لا يقبلُ الجِدَالَ ولا يقبلُ المراءَ بالمطلق منذ ذلك الحينِ – ومرورا مَرًّا بيوم صدور مقاله «الألْمَعِيِّ»، هو الآخر، والمعنون بالعنوان «الثورة السودانية تدخل جولتها الثالثة» /ومن إصدار الصحيفة «القدساوية» نفسها في يوم 9 تموز (يوليو) من العام المنصرم 2019/ – وانتهاءً نَهْيًا بيوم صدور مقاله «اللَّوْذَعِيِّ»، هو الأخير حتى هذا الحينِ، والمعنون كذاك بالعنوان «العقد الأول من السيرورة الثورية العربية» /ومن إصدار الصحيفة «القدساوية» نفس نفسها في يوم 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام الحالي 2020/.. والأنكى من ذلك كله حتى، وبغضِّ الطرفِ عن دعوتي للمهتمِّين والمهتمَّاتِ بالأمر أيضا إلى قراءة كافة التعليقاتِ والتعقيباتِ على نسخته المنشورة بـ«الإبَرِ الارتكاسية» في هذا المنبر الصحافي والإعلاميِّ بالذات، يقول الباحثُ الأكاديميُّ والناشط اليساري «الماركسي»، جلبير الأشقر، والمختصُّ أيَّما اختصاصٍ بالثورات الشعبية العربية منذ إرهاصاتها الأولى، يقول بكلِّ ثقةِ نفسٍ بـ«العِبَر الماركسيةِ»، إن بلدانَ المنطقةِ الثلاثةَ التي تتميَّز بسيادة المؤسسة العسكرية، في هذا السياق «الثوري المضادِّيِّ» بالذات، إنما هي مصر والسودان والجزائر: وهل هناك حقا دولة عربية من المحيط إلى الخليج لا تتميّز بسيادة المؤسسة العسكرية، في أيِّمَا سياقٍ «ثوريٍّ مضادِّيٍّ» كان، سواء كانت هذه الدولةُ متسربلةً بسربالٍ جمهوريٍّ أم بسربالٍ ملكيٍّ أم حتى بسربالٍ «جملوكي» يجمع ما بين هذين السِّرْبَالَيْن؟؟.. ليس لي إلا أن أقولَ هنا، والحقُّ يُقَالُ ها هنا، إن هكذا انتقائيةً في كلٍّ من المقارنة والتوصيف، وخاصةً فيما يخصُّ عالمَنا العربيَّ الجريحَ من كلِّ الجهاتِ، لا تنطلي حتى على المغبونين والمغفَّلين والمبتدئين في شؤون السياسة اليومية، دونَ غيرها!!..

مرَّةً أُخرى، بعدَ «أن أدركَ شهرزادَ الصباحُ»، وبعدَ «أن سكتتْ عن الكلامِ المُباحِ» (وما بعدهما، كذاك، بما يُتَاحُ وبما لا يُتَاحُ)، فإن ما تنشره صحيفة «القدس العربي» هذه من خلالِ الكثيرِ من مقالاتِ كاتباتِها وكُتَّابِها الذين تتباهى بإمكانياتهم «المُثْلى» وبمستوياتهم «العليا» تباهيا نرجسيا، بطبيعة الحال.. إنما هو أدلُّ دليلٍ ملموسٍ دامغٍ كلَّ الدَّمْغِ على ما قاله السياسيُّ المصري يوسف السباعي ذاتَ يومٍ، وذلك استئناسا تمثيليًّا جليلا بقول السياسيِّ الأمريكي توماس جفرسون المشار إليه في ختام المقال الآنفِ بالذكر قبل قليل: «إن هدفَ الصحيفةِ الأوَّلَ ليس التثقُّفَ ولا أيَّ شيءٍ من هذا القبيلِ.. إن هدفَ الصحيفةِ الأوَّلَ إنَّما هو التَّصَافُقُ والمكسبُ المَادِّيُّ، وحَسْبُ، أو أيُّ شيءٍ مَثِيل»!!..

***

آصال أبسال
كوبنهاغن، الدنمارك

———–
تعريف بالكاتبة
ولدتُ في مدينة باجة بتونس من أب تونسي وأم دنماركية.. وحصلتُ على الليسانس والماجستير في علوم وآداب اللغة الفرنسية من جامعة قرطاج بتونس.. وحصلتُ بعدها على الدكتوراه في الدراسات الإعلامية من جامعة كوبنهاغن بالدنمارك.. وتتمحور أطروحة الدكتوراه التي قدمتُها حول موضوع «بلاغيات التعمية والتضليل في الصحافة الغربية» بشكل عام.. ومنذ ذلك الحين وأنا مهتمة أيضا بموضوع «بلاغيات التعمية والتضليل في الصحافة العربية» بشكل خاص..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “الصحافة العربية: ادِّعَاءٌ للعِبَرِ الماركسية أم دُعَاءٌ للإبَرِ الاِرْتِكاسية؟”

  1. مقالات نقدية صحافية رائعة وثاقبة ومنورة على كافة الأصعدة التي تتناولها والحق يقال
    تحية شكر وتقدير خاصة إلى الأخت الدكتورة آصال أبسال

اترك رداً على مهدي العامري إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق