ثقافة المقال

الأمن الثقافي (من المفهوم إلى الهوية)

بقلم : منير مزليني*

إن كلمة الأمن كمفهوم مجرد يمكن القول : ” هو عبارة عن مجموعة من التدابير والقوانين يتخذها الانسان من أجل تحقيق الحماية لنفسه ولماله ولممتلكاته ولعرضه ، أو أي شيء ثمين أو ذا قيمة لديه .”
وكما هو ملاحظ فإن هذا المفهوم أخذ مدلول الحماية ، وبالتالي فهو مرتبط حتما ولزاما بما تقع عليه هذه الحماية. ولذلك نجده دوما مرتبط بمدلول آخر أو مفهوم آخر تقع عليه هذه الحماية ويكون بذلك قد حقق مفهوما وظيفيا معينا، والذي حتما سوف يختلف ويتعدد باختلاف هذه المفاهيم المرتبطة، كمفهوم الأمن القومي، أو الأمن السياسي، أو الأمن الاجتماعي، أو الأمن الاقتصادي والغذائي، أو الأمن البئي، وغيرها.
حيث نجد أن مفهوم الأمن القومي مثلا : ” يتمثل في قدرة الدولة على حماية حدودها الجغرافية ، وحماية ثرواتها ومواطنيها وأموالهم وممتلكاتهم من خطر خارجي يهددهم .”
كذلك مفهوم الأمن الاقتصادي والذي يعني :” قدرة الدولة على الحماية والمحافظة على رفاهية الأفراد ومستواهم المعيشي من خلال توفير المواد الأساسية الرئيسية اللازمة .”
وهكذا هو الحال مع جميع المفاهيم المرتبطة الأخرى والتي تتزايد بشكل متطور بحسب تطور المجتمعات وتحضرها .
إلا أن هذا المفهوم لا يتوقف عند حدود الارتباط الوظيفي فحسب، أو عند الدلالة الوظيفية فقط، بل نجده يتخذ أشكالا جديدة ومتغيرة ضمن الاطار الواحد، والارتباط الواحد، بحسب الانتماء الحضاري والثقافي الذي تنتهي إليه. وبحسب الخلفيات والمرجعيات الفكرية والاستراتيجية التي ترتكز عليها.
فمفهوم الأمن القومي أو الاقتصادي مثلا عند المجتمعات الغربية المتطورة، ليس هو نفسه عند المجتمعات الشرقية النامية أو الضعيفة.
فإذا كان مفهوم الأمن الاقتصادي لدى المجتمعات الشرقية الضعيف هي الحماية والمحافظة على مستوى معيشي معين لمواطنيها والسعي لتوفير المواد الأساسية لذلك،” ، فإن المفهوم نفسه ( الأمن الاقتصادي ) لدى المجتمعات والحضارة الغربية تعني : ” المحافظة على رفاهية مستوى معيشة مواطنيها، بفتح أسواق جديدة وتوسيع النشاط الاقتصادي خارجيا، والبحث عن الثروة وجلبها، للحفاظ على المستوى المعيشي المتطور باستمرار وفق متتالية متسارعة. “
كما أنه إذا كان مفهوم الأمن القومي لدى الشعوب الضعيفة: ” هو القدرة على حماية الحدود الجغرافية وحماية مواطنيها وممتلكاتهم وأموالهم إن وجدت “، فإنه في المجتمعات الغربية يتخذ مفهوما ارتداديا لمفهوم الحماية أو الدفاع، فيصبح مفهوما هجوميا توسعيا، يتستر تحت تسميات متعددة ومصطلحات متقنة مدروسة، كمفهوم الدفاعات المتقدمة، للقضاء على الخطر المزعوم أو المحتمل في منبته، أو بالقضاء عليه في عقر داره، كما يقال ! وهذا ما شاهدناه بأم أعيننا يحصل بعد أحداث 11 سبتمبر 2011 بالفعل في أفغانستان والعراق، بحجج واهية تفتقر إلى الدليل المادي، وتحت غطاء القضاء على ارهاب مفبرك، مصنع في مخابر غربية محضة، وممون استراتيجيا واعلاميا من قبل وسائل غربية أو عميلة لها.
وعلى ضوء ما سبق، فإن الحديث عن مفهوم (الأمن الثقافي)، والذي يبدو لدى البعض مصطلحا جديدا أو غريبا، فإنه في الواقع وليد العولمة التي ظهرت مع مطلع التسعينيات، كما جاء ذكره في قاموس ” اكسفورد ” للمرة الأولى سنة 1991 م. وارتباط مفهوم الأمن الثقافي بالعولمة كان منطقيا وضروريا ، لكون العولمة بالأساس جاءت لتكرس ثقافة نمطية معينة على جميع شعوب العالم وفي كافة المجتمعات دون استثناء، هذه الثقافة التي تتسم بملامح وتحمل جينات غربية صرفة، جاءت لخدمة مصالحها وفلسفتها المادية في الحياة. وقد كرست لذلك ترسانة إعلامية جد متطورة وخطيرة للسيطرة على العقول والتحكم في الرغبات وتكييفها وفق نموذج مدروس يكرس الهيمنة الغربية والاستسلام لقوتها وجبروتها،
والقول بنهاية التاريخ والحضارة عند هذا النموذج الحضاري الحاصل. أو كما يقول د. سعيد بكّور، في مقال له بعنوان ( الأمن الثقافي ) نشر في مجلة البيان/ فكرية في 01/09/2019 العدد 381 : ” تسعى العولمة إلى تنميط العالم وفق نموذج ثقافي واحد ، هو نموذج الثقافة الغالبة التي تمتلك من الأسلحة أعتاها وأكثرها فتكا بالثقافة الضعيفة التي لا تملك مناعة واقية . “
وبالتالي من العبث القول بمفهوم ثقافي حيادي، بعيد عن هذه الصراعات الحضارية والحروب الاقتصادية والثقافية غير المعلنة والدائرة رحاها على أرض الواقع بالفعل، بدليل المشهد الكارثي الذي نلمسه في تفكير أغلب شباب المجتمعات الشرقية الضعيفة ونشاهده على أبدانهم وهيئاتهم وسلوكياتهم وهواياتهم .. وغيرها. ومنه فقد انقسمت تلك التعاريف والمفاهيم إلى مفهومين متناقضين ومتضادين ، مفهوم أيديولوجي قومي شرقي، في مقابل مفهوم استراتيجي توسعي غربي. ولكل مفهوم تبريراته ، ومرتكزاته الفكرية والحضارية.
فينما يربطه المفهوم القومي بالغزو الثقافي ، يربطه المفهوم الغربي بالحريات ومحاربة العنف والارهاب بجميع أشكاله.
ومن هذه المفاهيم الشرقية القائمة على الايديولوجية القومية ،نأخذ راي الدكتور سعيد بكّور بقوله : ” لكل ثقافة خصوصيتها التي تشكلت عبر مراحل من التكوين حتى استوت مميزة الملامح عن سائر الثقافات الأخرى ، وتكتسب أي ثقافة سماتها من أمور كثيرة خاصة يمكن الاصطلاح عليها بالملامح الثقافية التي تنتج عما يمكن تسميته بالجينات الثقافية ، فلكل جماعة جينات تتوارثها ، منها الثابت ومنها المتغير ، وهذه الجينات صارت مع هبوب رياح العولمة مهددة بالخلل الناتج عن فيروسات دخيلة تؤدي إلى انتشار سلوكات وقيم هجينة وظهور مخلوقات ثقافية مشوهة فاقدة للذاكرة .”
وهناك مفهوم آخر أراد صاحبه أن يتحلى بموضوعية أكثر، وأن يكون أقرب إلى الناحية المعرفية، منه إلى الناحية القومية الأيديولوجية. وقد جاء بهذا الرأي المنفتح على الثقافة والفلسفة الغربية، المفكر المغربي ” د. عبد الاله بلقزيز” ضمنه في مقال نشر في جريدة الخليج ، قوله : ” قد يوحي الحديث عن أمن ثقافي بأن في العبارة قدر من التناقض والتجافي لا يستقيم معها معنى دقيق لها ، ففيما تميل لفظة الثقافة إلى معنى يرادف ـ أو يجانس ـ الابداع والانفتاح والتفاعل ـ تحيل لفظة الأمن إلى معنى يقارب الدفاع ويجانس الانكماش والتقوقع. حين تبحث ثقافة عن أمنها ، بهذا المعنى، تبحث عن عزلتها عن غيرها من الثقافات ـ وبالتالي ـ تسعى بنفسها نحو اقفار نفسها ، بل نحو الانقلاب على ماهيتها كثقافة أو قل نحو انتحار بطيء يأخذها إلى حتفها. “
وبالتالي فإن المفكر بلقزيز يرى أن الثقافة لا يجب أن تعزل نفسها عن الثقافات الأخرى وأن تنفتح عليها، وعليه يجب أن نبحث عن مفهوم إيجابي للأمن الثقافي يكون وسطا بين الانفتاح والمحافظة على الحق في الدفاع عن المقومات الحضارية والثقافية المحلية ، كما تحافظ على مقومات وثرواتها الاقتصادية والدفاع عن أراضيها. كما جاء في قوله بالمقال نفسه : ” قد يتعرض أمن ثقافة ما لخطر الاستباحة والعنف الرمزي من مصدر من مصادر التهديد الخارجي ، فيحمل المجتمع الثقافي على استنفار قواه ودفاعاته الذاتية لصون أمنه ومجاله الرمزي السيادي من خطر العدوان “.
أما المفهوم الغربي المقابل للمفهوم الشرقي القومي، فإنه يرى من أن أخطر ما يهدد الأمن الثقافي في العالم (المجتمع المعولم) اليوم، وحسب ما جاء في كتاب ” دليل الأمن الثقافي ” الصادر عن منشورات (إدوارد إلغار) وهو عبارة عن مجموعة من الدراسات لباحثين من مختلف البلدان ، تحت اشراف الأستاذ الأكاديمي الاعلامي الياباني : (ياسوشي واتانابي) والذي يلخص هذا التهديد الموجه للأمن الثقافي العالمي ( ثقافة العولمة ) في:( العنف الديني ، والتشدد القومي ، والعنصرية الجديدة ، والملكية الفكرية، والثقافات الأصلية ، مع الابقاء على لغات الاعراق المختلفة حية وحقهم في استخدامها.) والملاحظ من خلال هذا التحليل الدقيق، والمطالب المحددة ، أن هذا المفهوم يقوم على أساس نشر الحريات الجماعية والفردية ، والتركيز على حقوق الأقلية ، وعلى حرية المعتقد ، وحرية الممارسات والانضمام إلى المؤسسات والجمعيات بمختلف أشكالها وألوانها .. وغيرها .
هذا الأمر الذي تعاني منه بالأساس الدول الضعيفة في الجزء الشرقي من الحضارة ، والذي تلقى فيه مشاقا كبيرة في معالجتها، لأنها باتت محل استغلال وتهديد خارجي يسعى من ورائه زعزعة الاستقرار الداخلي وتفكيكه، بغية إعادة بنائه من جديد وفق المطالب الغربية المسطرة والمتماشية مع سياسة العولمة وتيار الثقافة العولمية، وفق خريطة طريق موضوعة ومدروسة سلفا، ضمن مخطط عام يسعى لتحقيق أهداف استراتيجية و اقتصادية وسياسية تخدم المصالح الغربية، وتزيد من هيمنتها وسيطرتها على العالم. كيف لا وهي تكيل بمكيالين في مسألة الحقوق والحريات ، وأكبر مثال على ذلك ما يحصل للشعب الفلسطيني ، وشعب بورما المسلمة، وغيرها، وغيرها، بل ولحقوق الطبقات المهضومة في الغرب نفسه من عنصرية، وارهاب مادي ومعنوي ، وعنف ديني، وتعصب عرقي، مثلما هو موجود بأمريكا نفسها وفرنسا وبلجيكا وغيرها. والأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى.
ومع ذلك يمكن التوصل إلى مفهوم للأمن الثقافي يكون مشتركا بين جميع ثقافات العالم المختلفة، نصيغه بالشكل التالي : ” هو القدرة على المحافظة على المقومات الحضارية للمجتمع وخصوصياته الثقافية التي تميزه عن غيره، مع الانفتاح على الثقافات الأخرى في إطار الحوار الفكري المتبادل والمثاقفة الموضوعية المسالمة .”
لكن الواقع المهين لا يسمح بهذه العدالة العالمية والمساواة الديمقراطية بين الشعوب والحضارات، فهي تريد الاستسلام بدل السلام ، والتطبيع بدل ربط العلاقات ، والهيمنة بدل التعاون والمشاركة .
لكن هل يبقى العالم بلا حلول؟ وما هي الآليات والامكانات لحل هذه المعضلة الثقافية الحضارية العالمية؟
لقد عرضت على الساحة اقتراحات عديدة ومتنوعة، ولكنها اتسمت معظمها بوجهة نظر أحادية، وبمنظور مصلحي موجه. فالعالم الشرقية، طرح حلولا دفاعية لحمية ثقافة المحلية وهويته . كما طرح الغرب حلولا استراتيجية تتماشى وفلسفته المادية وطموحاته الاقتصادية. في غياب حوار جاد، يسوده الاحترام المتبادل، والاعتراف الصادق بالأخر.

عنابة في: 11 سبتمبر 2020

*كاتب أكاديمي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الأمن الثقافي (من المفهوم إلى الهوية)”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق