ثقافة السرد

تحوّل مفاجئ

عادل حنزولي

إنّه الصّباح، يا له من صباح، مشمس ودافئ وكأنّنا في الربيع.. غير أنّنا لم نكن في الربيع بل كان تحديدا الرابعة عشر من تشرين الثاني، إنّه الخريف من سنة ما.. استيقظت رنيم ذات الستة عشر عاما، وفتحت عينيها تتكاسل متهيّئة للقيام والانطلاق في وجه الحياة بكلّ الحبّ والأمل الذي تعوّدت أن تستقبل به العالم. غير أنّ وهنًا سكن عظامها ووجدته يشلّ ذاك النّشاط الذي تعوّدت أن تلقاه.. ووجدت داخلها عزوفا عن القيام يحبس حركتها ويسدّ منافذ الطاقة داخلها من الانسياب اللطيف المتدفّق تدفّق الدمّ..
“ماذا حدث؟” تساءلت رنيم داخلها. ولأنّها واجهت يوما مرهقا بالأمس فقد ظنّت أنّ ما تعانيه مجرّد إرهاق عابر. تذكّرت رنيم يوم أمس بينما كانت مستلقية في فراشها، تغطي جسدها الشاب الغضّ بملاءة قطنية ناعمة. كان يوم أمس مثيرا، فقد ركضت مطاردة فيه حافلة هاربة قبل أن تلتصق بالباب وتدلف إليها وسط زحام شديد. ثمّ كان عليها أن تزور المكتبة لترجع بعض الكتب التي حان أوان إرجاعها. ثم تابعت دروسا مختلفة في الرياضيات واللغات، قبل أن تنصرف لتناول وجبة سريعة بأحد المطاعم القريبة من المدرسة. لتعود متابعة حصّة مسائيّة قوامها التاريخ والموسيقى والرياضة. ثماني ساعات في المجمل.. ولمّا عادت في المساء ساعدت أمّها في تحضير العشاء، ثم راجعت مراجعة خفيفة قبل أن يغلبها النوم..
“يا له من يوم شاقّ ذلك الأمس!!” قالت رنيم ورفعت يدها تمسح وجهها. استشعرت باطن كفّ أملس ووجها مجعّدا، وخشونة بخدّها الأيمن حين مرّ كفّها يلامسه!!
“من؟” صاحت رنيم وقفزت من فراشها تريد الوقوف أمام مرآتها المركونة على طاولة مراجعتها. غير أنّها لم تستطع إلا أن تستوي جالسة في الفراش، وساقيها ممدّدتين تحت الغطاء الناعم. مع استشعارها ألما مفاجئا بظهرها ومرفقيها، ونقحت ركبتيها وجعا كوخز مسمار ساخن!!
“ما الذي يجري؟” تساءلت داخلها، ثمّ تأمّلت يديها في هدوء فإذا هي يدا عجوز، مجعّدتان بارزتا العروق! انقلب الهدوء فزعا فنزعت الغطاء عنها ساحبة قدميها إلى الأرض سريعا ما استطاعت.. تلك السرعة التي تشبه سلحفاة تحاول الرّكض بعيدا!! تقدّمت إلى طاولتها وطفقت تبحث بلهفة عن مرآتها، لم تجدها سريعا. فقد أصاب ذاكرتها تلف يُذهب التركيز كذلك الذي يصيب العجائز، وبالبصر ضعف يجعل الأشياء من حولها تتشابه وتضيع.. تناولت المرآة بعد بحث طويل وتيه، تناولتها بيدين مجعّدتين مرتعشتين فهزّتها المفاجأة.. وجدت في مواجهتها وجه عجوز كثير التّجاعيد كأنّما حفرت السنين في ملامحه الأخاديد، وغارت عينيها في محجريهما بعد أن خفت بريقهما الساحر تماما.. ألقت المرآة على الأرض صارخة فتهشّمت، وتراجعت إلى الوراء فزعة حتى التصقت بالحائط ملقية بيدها على فمها المفتوح دهشة..
“من التي ظهرت بالمرآة؟ من تكون تلك العجوز المخيفة؟ ولماذا تظهر بمرآتي حين أرى؟ المرآة تكذب كما في القصص؟ هل من الممكن ذلك؟ هل أنا تلك العجوز التي لا تشبهني؟!” تساءلت رنيم بصوت مسموع كأنّما تحادث نفسها، وقد غلبت عليها الدهشة والخوف. لم يقو عقلها على التفكير بأيّ شيء.. أخذتها الصّدمة، هزّتها المفاجأة، فأصابها عجز كلّي عن التفكير أو الحركة.. بعد لحظة استطالت، نظرت رنيم حولها تتأمّل مكانها. الغرفة نفسها، طلاء الجدران الورديّ، السرير الخشبيّ المطليّ بلون بنيّ، الدبّ الأبيض الذي يشاركها فراشها ونومها، الغطاء القطنيّ خاصّتها، الحشية ذاتها، الطاولة الخشبيّة المغطّاة بشرشف أحمر، كتبها المدرسيّة، رواية عابر سرير هديّة صديقها، مقلمتها، ستائر النافذة الصفراء.. ولمّا تأكّدت أنّ المكان هو ذاته لم يتغيّر في تفاصيله شيء، سقطت عيناها على جسدها.. ملابس نومها ذاتها التي ارتدتها البارحة قبل النوم، لكن ما بال قدماي الحافيتان قد استحالتا هرمتان تغيب عنهما نضارة الشباب؟! تساءلت رنيم مجدّدا، وعادت تتحسّس وجهها المجعّد، ثمّ تأمّلت يديها من جديد في دهشة وخوف وهي تنظرهما فيترائيا لها كإسفنجة جافّة وسخة. الخوف ينقلب سريعا إلى حيرة وحزن، وهي تنقلب من فتاة شابة نضرة تفتح قلبها وجسدها الطريّ الحيويّ للحياة، إلى عجوز قبيحة بائسة تشكو الأوجاع وانعدام الطاقة!!
“أين حصل ذلك؟ متى وكيف؟” ثلاثة أسئلة حارقة تغدو لغزا محيّرا مفزعا. انسحب وسطها إلى الأسفل فقرفصت، ثم مدّت ساقيها مسندة ظهرها المقوّس قليلا إلى الحائط. واستشعرت برودة تسري في مفاصلها وأوصالها وهتف صوت داخلها كأنّه شيطانها يسخر:” الجلوس على الأرضيّة الباردة لا يناسب سنّك يا جدّة!!” تجاهلت سخرية شيطانها وأطرقت تفكّر. لم تقو على التفكير، كانت ضائعة وذاهلة لا تصدّق ما يجري بشأنها. ورجت أن يكون ما يمرّ عليها الآن مجرّد كابوسٍ ستجاهد طويلا أثناء نومها لتستفيق منه..
في تلك اللحظات العصيبة طُرق باب غرفتها طرقا خفيفا.
“رنيم.. هلّا أفقتِ؟ لم يتبقّ متّسع من الوقت أمامك.”
كان ذلك صوت أمّها يأتي من الخارج، فازدادت حيرة رنيم واتّسع تيهها.. الآن كيف ستواجه أمّها بشكلها الجديد؟ وكيف سيتقبّل العالم صورتها في الوقت الذي لم تتقبّلها هي؟! ومادامت أمّها تنادي فمن غير المفترض أن تكون تحلم.. أو ربّما هيّئ لها حلمها كلّ تلك الحركات والنشاطات ثمّ تكلّمت أمّها فالتقط سمعها جانبا من اليقظة وأردفه بحلمها!! ربّما كانت تحلم وتتحرّك من فرط التعب فليس الحلم والكوابيس والتيه أعراض ملازمة للنوم والسرير دائما، النائم الماشي مثلا ما تفسيره؟ الذي يقوم معربدا من نومه فيضرب ويغضب ويهرب يقظة بينما لا يزال هو نائم!! إذن ربّما أكون حالة عجيبة من بين تلك الحالات التي أثبتها العلم والتجربة فباتت عاديّة معلومة عند أبعد الناس عن الحلم.. وإذن فهي البشرى يا رنيم، فبتفقّد الأمّ لك تكونين قد بلغت قريبا من الساعة السادسة أو تجاوزتها قليلا، ولن يمرّ غير وقت قصير جدّا حتى تتقدّم أمّك غاضبة وتوقظك من كابوسك المخيف.. ما أحلى غضب أمي! الآن فقط أدري حقيقته وحقيقة بهائه، فغضبها لا ينبع من كراهيّة أو رفض بل يفيض حبّا وحرصا.. هيّا أقبلي يا أمي وسارعي إليّ فتداويني بغضبك الذي أدري الآن قيمته..
قرّرت رنيم أنّها تحلم رغم ما بدا عليها من ساعة اليقظة، فقالت في نفسها:” يستحسن أن أعود إلى فراشي، حتى يرتاح عقلي ويعي جيّدا الفرق بين الكابوس واليقظة، الحلم والواقع..” وانطلقت تزحف نحو فراشها زحفا، ثم اندسّت فيه وصُرّت تحت غطائها منتظرة فرجا وعودة إلى سالف طبيعتها كفتاة شابة مزهرة، تورق شبابا كما تورق شجرة اللوز الفتيّة زهرا.. أغمضت عينيها وأرخت عضلاتها مجاهدة ذلك التوتّر الذي يغلبها ويسكن عقلها ووجدانها وعظامها فيهزّها هزّا. حاولت أن تهدأ، أن تسكن، وأن تغفو حتى.. لا بأس إن نامت وتأخرت عن المدرسة أو غابت، لا بأس لو غضبت أمّها وولولت طويلا، أو قرّعها أبوها كثيرا.. المهمّ أن يزول هذا الكابوس فتعود نضرة شابّة مزهرة كما كانت على الدوام..
تراءى لها أثناء إغماض عينيها شبابها وجمالها، رأت جسدها الغضّ الطريّ يتهادى حيويّة وشبابا وهي تسلك الطريق الطويل البعيد إلى المدرسة.. رأت شعرها الطويل الفاحم يسافر وراءها وتطيره الرياح فيزداد بهاءه.. رأت ابتسامتها، ضحكاتها تملأ أرجاء المدرسة والشوارع، رأت مرحها ولهوها مع أصدقائها وصديقاتها، رأت نظراتها الملأى حياة ودلالا تنفذ إلى القلوب، رأت في نظراتها صدق ذلك الحبّ البريء. رأت صديقها ومسارهما الطويل في المدرسة والطرق وجلستهما المحبّبة المتكررة في المكتبة يتراهنان حول من ينهي مطالعة كتابه قبل الآخر.. رأت زهوها تحدّث صديقاتها وتضحك فبكت، وترقرقت من عينيها دموع ساخنة أحرقت خدّها المجعّد.. وطرق الباب طرقا شديدا متتابعا ففزعت وانتفضت وجلست في فراشها فإذا هو الصباح ينير ضوءه الغرفة، وإذا بصوت الأمّ يخترق الأرجاء:” رنيم، رنيم، آن أن تنهضي فقد تأخّرت فعلا.. أ كُلّ يوم هكذا؟!” قالت الأمّ وأدارت مزلاج الباب مطلّة برأسها قبل أن تسحب جذعها إلى الداخل وتتقدّم سريعا في فضاء الغرفة. ثم اتّجهت سريعا نحو النافذة ففتحتها وهي تقول:” ما تزالين في فراشك جالسة؟ راح النهار، إنّها السابعة.” قالتها والتفتت ناحية ابنتها. هي لم تلاحظ ما حدث وقت دخولها، إنّها تنسحب وفق العادة فلا تُلاحظ ذاك الجديد الذي طرأ، وهاهي تتكشّف على الصورة كاملة. ابنتها ذات السادسة عشر ربيعا تنقلب عجوزا بائسة مجعّدة الجلد، باهتة الملامح فلا ضوء ولا حيويّة ولا حمرة الشباب!! رنيم اختفت وحلّت مكانها عجوز مسكينة لا ندري من أين جاءت.. فغرت الأم فاها، تاهت واضطرب فؤادها، تجمّدت أطرافها فلم تتحرّك، وعقد لسانها فلم تتكلّم، وحبست أفكارها فلم تفكّر.. لحظات من الفراغ تنظر بعينين واسعتين كالصدفة الخاوية، ورنيم ضائعة تبادلها نظرا وتيها. ثم ينطلق صوت من حنجرة الأم.. صرخة مدويّة كعواء الذئاب. تحاول أن تتذكّر اسم زوجها فلا تهتدي إلى تذكّره، ترتعش من هول الصدمة، كيف ينقلب الشباب هرما وبؤسا وأوجاعا فجأة؟ تتراجع إلى الوراء، تلتصق بالحائط، تتسحّب عليه بيديها كحرباء ببطء وحذر وخوف.. عيناها لا تنزلقان عن وجه ابنتها. تفتح الباب الموصد أمامها. تخرج سريعا وتصدر قرقعة عنه بعد أن أوصدته.. وتُسمع في الخارج ضجّة وولولة..
(يتبع)

قاص وكاتب مسرحي وروائي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق