ثقافة المقال

عبد الحميد الديب – عبلة والبؤس عنتر

خالد محمد جوشن

دع الشكوى وهات الكأس نَسكَر
ودعك من الزمان إذا تنكَّر
لقد هام الأسى والبؤس بي
كأني عبلةٌ والبؤس عنتر
كأني حائطٌ كتبوا عليه
هنا يا أيها المزنوق “طرطر

كلمات يقال انها شعر فاحش نطق بها امير الصعاليك الشاعر عبد الحميد الديب، الذى لم يحسن على الاطلاق كسب عيشه ، كان يحسن قرض الشعر فى اى مكان وعلى اى ورقة ، واى زمان ولكنه ابدا لم يستطيع ان يكسب قرش واحد يشترى به طعام يقيم اوده .

لو قدر لهذ الشاعر العبقرى ان تمتد له يدا كريمة تتبناه وتكفيه مؤنة الكد لكسب لقمة العيش وتجنيبه متاعب الحياة اليومية ، كما حدث فى اوربا فى عصر النهضة ، لكان لدينا شاعر عظيم نباهى به امم الغرب.

ولكن علينا الا نبتأس كثيرا فما تركه عبد الحميد الديب على قلته يجعلنا نستطيع ان نباهى به ولو قليلا.

ولد عبد الحميد الديب فى قرية كمشيش التابعة لمحافظة المنوفيه ، لاسرة فقيرة ، كحال ملايين الاسرة التى كانت تعيش فى اكواخ حقيرة فى حياة يحيط بها البؤس والفقر من كل جانب ،حيث كان الاقطاع يسيطر تقريبا على الريف ارضا وناسا .

كان والدعبد الحميد الديب ، يمتهن جزارة المواشى ، وهى مهنة لا تنشط الا فى المواسم والاعياد ، فى الريف الذى لم يكن يأكل اللحم الا فى المواسم والاعياد ، و لا تدر كثيرا من المال.

ولكنه اى الاب ، كانت لديه امال عريضة الا يعانى ابناؤه مثله فارسل ابنه الى كتاب القرية وبعد ذلك الى الازهر ، املا فى ان يصبح ابنه شيخا يشار له بالبنان ، ولكن كان للصبى رأيا اخر ، حيث التحق بدار العلوم المكافأة الشهرية لتعينه بقروشها القليلة على بعض امره ، وكانت فترة هادئة نسبيا فى حياته البائسة ، الا انه هجر العلم وعاد الى القاهرة وكأنه كان يستشرف البؤس الطويل الذى ينتظره فقال:

اعود اليوم للربع المحيل ولؤم من قال وقيل
بقهوة عسكر ينبوع بؤسى فيالله من بؤس طويل

والشاعر فى كل ادوار حياته ينحى باللائمة على حاله البائس على كل شيىء فى الكون ، الايام ، الاصدقاء الا على نفسه.

لو لم يكن نبل الحياء طبيعتى اقسمت ما عرف الشقاء طريقى
فبكل مضمار سبقت واننى لاعيش عيشة خاسر مسبوق

الا ان حظ الديب البائس يذكرنا بحظ الشاعر المعروف ابن الرومى ، فيقول الاستاذ عبد الرحمن الديب فى كتابه الرائع الشاعر البائس ” عبد الحميد الديب ” والذى كان عمدتنا فى هذه المقالات عن عبد الحميد ديب

يقول انه روى للديب ليواسيه عن حظه العائر ” ان الخليفة اقطع ابن الرومى ضيعة وسط ضياع كثيرة ، اقطعها معه لغيره من السعداء ، فنزلت صاعقة من السماء لم تصب الا ضيعة ابن الرومى وحده .

فرد عليه عبد الحميد الديب قائلا : ولكن ابن الرومى ملك يوما ضيعة ، وان تكن قد احترقت ، اما انا فلا املك الا الضيعة فى هذا البلد .
وهكذا كانت حياته بائسة ، فقال
وداعا شبابى فى ربيع شبابى واهلا حسابى قبل يوم حسابى
وما يبتغى من عاش غير موفق ثلاثين عاما فى اسى وعذاب
والى مقال قادم عن الديب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق