قراءات ودراسات

رياض الشرايطي:أعلى من المدى أضيق من الظل “المنجميّ”

منذر العيني

تعريف واحد لنصوص شتّى
توطئة:
من يستطيعُ رفعَ الإلتباس عن التسمية؟ فعلٌ بمقتضاه قد نرسب في الحركةِ. حركةٌ تدورُ رحاها على محور الرّصد بينَ ما يُبنى وما سيُبنى.
نسق متواصلٌ أعلاهُ الشّرايطي في هذا الدّيوان. مجموعةٌ من الإهداءات, مجموعة من اللّوحاتِ الشخصيّة الجمعيّة, والكتابةُ حفّارةٌ تُنشبُ أظافرها في الزّمن والمكانُ شاهدٌ وشهيد. غثيان ونشوءٌ تلك مفارقة الشّعر.
تقديم:
أعلى من المدى أضيق من الظلّ مجموعة شعريّة أخرى تنضاف إلى المدوّنة الشعريّة التونسيّة للشاعر رياض الشرايطي في إصدار طبعة أولى سنة 2019عن دار زينب للنشر .
وقد أهداه إلى الأزهر الشرايطي وإلى والدته زينب بوترعة.
تضمّن من الصفحات 120 صفحة وبها سبعة وستون نصّا شعريّا.
نصوص نثريّة جلّها قصيرة تأخذ حيّز الصفحة الواحدة عدى نصيّن”ركن على حاشية ميّت ص39″
و”أضاعوني ص87″ ومطوّلة من النّصوص البرقيّة تحت عنوان “بورتريهات ص95”.
العتبات:
أ:العنوان
عنون الشاعر ديوانه بصيغتي تفضيل” أعلى و أضيق” في نبرتين تمييزيتين تقدّران المدى والظلّ.
والمقتضى المسكوت عنه هو”ماهو أو من هو هذا الّذي أعلى من المدى وماهو أو من هو هذا الّذي أضيق من الظلّ” وكيف نقدّر حيئذ المدى والظلّ؟ أو هناك حقيقة مدى وظلّ .
إنّ آختيار العنوان يُعتبر لدى الإنشائيين الدّائرة المفتتح الأولى التّي يتولّدُ منها المعنى مستندا على مادّة اللّغة المكوّرة للمفردات ومن خلاله يبدأ الإرتسام الأوّلي لحقول الدّلالة.
فلماذا اختار الشّاعر عنوانه على هذه الشّاكلة وبهذا الإيقاع ؟ قد نعثر عل مردوديّة هذا الاختيار من خلال ما ينزع إليه الشرايطي عبر مدوّنته القديمة إلى حالة من الإغماض والإغماض المطوّل ونستشفّ حركة الأولى في الإبتعاد عنه مبدئيّا في هذا العنوان الحامل لِمَعان واسعةٍ رغم هذا الإنقيادِ إلى طمانينةٍ محدودةٍ إلى “أفعل من”في توقيع جرسيّ قد يُنبئ بالتّطابق في الوزن.غير أنّ ما يمنع القرينة الدّالة من إيصال المعنى بين المشبّه به ووجه الشبه للمدى والظلّ معا أوسع من أن يضبط فيبقى المقام دائما هو المحصّلة التّي يمكن تأطيرها أو تحصيلها من صرّة هذه المعاني حينئذ ترسب الإستعارة في شبه مَكْنيَّتها استنادا إلى ذلك الإقتضاء المجهول المحتمل فتبقى الدّلالة معلّقة لولا ما يتسلّل من آحتمالات مُشعّة تتناول تعريف الشّعر هذا الّذي يتناول الذّات والموضوع معا بآعتباره تجربة تتمّسك دائما بالنّائيّ والمبعد والغريب والمجهول تجربة تتعالق من الشخص قدرته على الإفصاح والكتمان في أنساق مفكّرة قد تتراءى للآخرين ضرب من المروق والعصيان أمام ما تغري به اللّغة وياتي به الغيب ويفتح الإمكان على رؤية النّفري حين قال” كلّما آتّسعت الرؤية ضاقت العبارة ” قد نقتفي حينها أثر طراز ناءٍ من التّطابق المنشود ونشرع في إجازة العنوان تمثيلا إستعاريّا لحال الشّعر والشّاعر ضمن دائرة حياة مخصوصة لا تملك إلاّ ان تفضح نفسها عبر التداعيات والنّجوى .
الغلاف :
التصميم الخارجي مثّل جسدا لكائن إنساني “إمرأة ,طفل, شاب,رجل,..”يسعى للطّيران و للإنطلاق قد يعزّز بذلك ثنائيّة المدى والظلّ وبينهما العلوُّ في الإرتقاء ويتدانى الضيق عند النّزول في الإنحسار .
رمزيّة تصويريّة لعلّها تزيد في إحاطة هذه الهالة الكلاميّة الموسومة ب”شعر” بين دفّتي الكتاب
المقتطف المختار:
على ظهر الصفحة الأخيرة كعادة الكثيرين من الشعراء سعى رياض أن يقتطف بعض الكلمات من نصّ يكون آختياره مستندا جامعا أو نجمة هادية أو يدا تمنح التواصل الأوّلي مع القارئ في آستدعاءٍ إلتماسي إلى فتح الأواصر وهو يختزل ما حبّر على بياض الصفحات.من يحدّثُ الشّاعر ؟ من يخاطب؟ حين يقول”سأحفر لك بهوا في صمتي. .يحدث أن تكوني نبوؤة أخطات ساعتها …” بهذا المختصر يكون المخاطَبُ (النصّ,الشّعر, الشّاعر) الذّي يريد كتابته والسّؤالُ الأهمّ هو الكيف؟لأنّ تجربته أي تجربة الشّاعر كافية وجوديّا ونضاليّا إنسانيّا أن تعلّق أسئلته على كلّ هذه المحامل بداية من البياض نهاية بالألواح وهو يعلي من شأنها وهي تُضيّق من ظلّه في صراعٍ أشبه بصراع ذلك القلايداتير مع المجاهيل أمام جماهير بدائيّة .صراع عبثيّ نهايته البداية وبدايته النّهاية حتّى وإن بدا الضّرب احيانا برقيّا ومشوّشا غير أنّه صراع محكوم بإرادة في الوصول إرادة في الثأر والحبل على الجرّارة ولا غالب إلاّ الشّعر نصنعه فنعبده فندفنه فيدفننا والموكب عرس جنائزيّ أعلى من المدى أضيق من الظلّ.
المنجميُّ:
كانَ في المنجمِ
بغلٌ يبكي
جرَّ كلَّ العرباتِ
وأدماهُ اللّجامُ
كانَ يلتفتُ ويتلفّتُ
إلى مدخلِ الدّاموسِ
صاحبهُ رُدِمَ هناكَ
ولم يبقَ ظاهرا منهُ
سوى سبّابة تسبُّ اللهَ والبلادَ
لم يرثوا منهُ سوى “كربولة”
ودفتر ديون
وفي جيبه اكتشفنا رواية “جرمنال”
كان يهذي
والبغل يردّد من وراء اللّجام “:يا اميل زولا”

هو نص اخترناه لنضيء به دروبا في التناول النقدي كقراءة في أنموذج يجمع بين طيّاته مختلف الآليّات التي أظهرت رياض الشّرايطي في دور الرّاوي في إشارة برقيّة إلى طريقة في السّرد مخصوصة داخل البنية الشعريّة وهي تتلوّن في النثر .
المنجميُّ هو نصّ آخترناهُ وفاءا للمَنشإ و والمورد والبيئة والحياض والحياة الأولى والأخيرة بالتّضاريس
وهو السّحنة والتّعريف والإمضاء والعين والسنّ وهو القريب البعيد والبعيد القريب وهو الإقامة في السّفر رياضُ رياض الشّرايطي ملعبُه ومدفنه.
المنجميُّ هو نصٌّ إخترناه لأنّه نداءٌ أعلى يتجسّمُ فيه العنوان كأحسن ما يكون والظلُّ يتكوّرُ داخل ظلّه يعلو ويضيق .
تبدأ الحكاية في رصد فواعلها و”كان” هذه المبتدأ و النّهاية. إذ كيف للنثريّة أن تفجّر طاقتها الشّعريّة
لتتغيّر الهويّة ويذوب الجنس في الجنس في معادلة موضوعها الحدث المفاجَأُ وعدولها عن العادة والتقليد .سؤال يترسّب بين تكسيرات الإسناد من سطرٍ إلى آخر. والخبر ينحاز ينزاح شيئا فشيئا إنشاءًا طلاّبا متخفيّا حذرا بين الإشارة والغمز والجمل جنّاحة نافية مستثنية شارطة ومشروطة حتّى تبلغ حجيم النّداء لنرى الوجه والرّكح عار إلاّ من قَصّاصه يدير رقبته عن الرّائي وهو يخبر ويحيد ومن هنا تبدأ لعبة الإغواء الإنفعالي مدّا متتاليا .
دأبت الحوادث في المناجم متشابهة رتيبة بكائيّاتها وجنائزها الوتريّة “يسقط الجدار_السقف _العالم” فتحدث الكارثة وينفتح باب الموتى على مصراعيه .اُنظروا كم هو الأمر عادي في مناجم الدّنيا وبسيط دوّنته كتب ودفاتر السيّر و اليوميّات ومخطوطات الرّوايات .
كيف للشاعر إذن أن يَخنِب من معابدهم عود الثّقاب وأن يشعل بيته مزارا للآخرين للعالم للقارئ وهم مازالوا مشدوهين أمام ضيق مسربه في الوصول إلى إبهارنا بهذا الخيط الرّفيع من مسار الحكي .مازالوا مشدوهين أمام فظاعة هذه الجدوى هذه المغامرة المتكرّرة من سرقة موصوفة للنّار من بيت الكهنة والمعبد.
أراد الشّاعر أن يؤسّس إيقاعه على تكراريّة للصّواتم في قوافيها قد تكون بدائيّة إلاّ ان تجوّز الإنتماء إلى الحلقة الأولى في ترتيب الأجراس “يلتفت_يتلفت” “سوى سبّابة تسبّ اللّه والبلاد”
“دفتر وديونٍ” “اللّجام_اللّجام”” البلاد-ايمل زولا”…..تداوليّة هذه الملفوظات لم تقتصر على استئناسيّة في الوقع بقدر ما أشعّت من تباينات جرسيّة ساعدت على سير القصّ في آقتضاب موقوت كنصّ أقصوصي شعريّ وظيفي .كلّ المفردات هي في واقع الحال عسكرة تباشر وظيفتها المنتظمة المساندة في إيصال هذا الحدث الأعمى وهو يسقط ويقوم ليضيء فتنفجر الدّلالة صاخبة تقينا شرّ البرودة في القصص المنقضية المتواترة.
ذلك هو القصّ الشعريّ فعل إيحاء ومجاورة لا يهوّم في ملكوت المعنى دون عثور .هو الآن يبني بطراز أوّلي يمكن معاينته واقعا ملموسا إطارا لا ئقا لحكّوتة تكاد تنفرد بنفسها وهي تضيّق ذات الفكرة على نفسها (الموت والحياة)وتشي إلى حالة التجريب أُسوة بصديق الشّاعر “إميل زولا”وهو يعايش و يختبر ولكنّ رياض يختلف عنه ويضاحكه ويهزأ منه زادةً لأنّ المنجم أمّه وأبوه وتجاعيده التّي رُسمت على الصفحة والوجه.
نصّ مُختبرٌ يكشف عن معاناة الشّاعر يجوب البلاد في شخصيّة متماهية تماما مع الشّخصيّة البطلة .القناع أزاح النّقاب عن المفضوح لا عن المستور لم يبقي منه سوى سبّابة تسبّ البلاد في محاولة للثأر من عبوديّة فجّة للتقليد والسّنن المنافقة.
والمنجم بمقتضاه الأوّلي هو دلالة على الغموض والإغماض وهو عراقة الشاعر تحت الأنقاض وهو يجوب المضايق والفجوات .
في النّهاية الضيّقة كان المعنى صارخا والإنفجار قويّا والنّفي لازمة طلبيّة إنشائيّة خبريّة في آنٍ حتّى يضدُّ الصّوتُ الصّوتَ ويصعدُ الصّدى أعلى وتكبر قامة النصّ بميراث قصصي وسُحنةٍ إيقاعيّة تسِمهُ واقعا شعريّا تضيّق من ذاكرة المعنى لتستقرّ على متناولات دلاليّة كالمنّ والسّلوى طيورا تتراوح بيننا وثمّة من الإنزياح ما يجعل النّاظر إلى تجربة الشّرايطي بشيء من إتّساع العين والزّوم يردّدُ يا رياض الشّرايطي :ثمّة ضوءٌ آخر.
خاتمة:
أدار الشّاعر مجموعته عل محورين أساسيين هما أوّلاً الإبتعاد عن الإغراق في السلاسل الإستعاريّة لتصوير الرّؤية والرّؤيا معا وثانيها هو الإقتراب من ذاكرته الحيّة التّي مثّلت بلّورة الكاهن وهو يراهن على الوجود ويربط صلة مع قباضة القارئ ليخلّص نفسه من الإزدراء والإحتقار .
رياض الآن يقف في طريق من دم ونبض ومن خفقان هي طريقه الأولى والأخيرة في الإختبار .والمنجمي كانت صورته الكبرى في هذه المجموعة أعلى شعريّته من ظلاله المجتمعة في ظلّه والسّراب كاد يقول إنّي الماء من شدّة القرب .
“أعلى من المدى أضيق من الظلّ” فعل مراجعة لسيرة التّائه وهو يعود إلى دياره متشائلا متسائلا عن الماضي عن الحاضر عن القادم والإجابة أسئلة أخرى شكوكٌ تشكّكُ بين الأطراف والقماشة.
كفنٌ قائمٌ…….كتابٌ آتْ.

منذر العيني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق