قراءات ودراسات

العتبات النصية لرواية “لبابة السر” لشوقي كريم حسن

داود سلمان الشويلي

“ان العتبات، أو النص الموازي يجعل النص كتابا ليقدم إلى القراء بصفة خاصة، والجمهور بصفة عامة”
– جيرار جينيت – (1)

هل النقد عِلم؟
سؤال أجابت عنه الدراسات الأجنبية منذ أكثر من خمسين عاما بكلمة نعم. النقد أصبح علما بعد أن كان فنا، وتقييم وتقويم، انه يحلّل النص تحليلا يشم منه رائحة التقويم والتقييم الكلاسيكية. وعندما جاءت البنيوية تغيّر كل شيء فيه، إذ انها مثّلت التوجه العلمي لدراسة النصوص الأدبية، فحولته من فن تابع إلى الذوق، والاحساس، والشعور، إلى شيء تابع إلى العقل، والتفكير العلمي. صار النقد علما وفنا في آن واحد. فهو علم لأنه يدرس النص دراسة ضمن قياسات كالمسطرة محددة الدرجات، مع بعض السماح كي لا يغدو جافا، ويابسا. وكان فنا لأنه يتبع ذائقة الناقد المعرفية، والجمالية. لقد منحت الرؤية البنيوية النقد عمقا واسعا في التحليل، والدراسة، وراحت الجداول، والرسومات، والمشجرات، وكذلك المصطلحات، والمفاهيم، تغزو عالم النقد الذي كان خاليا من كل ذلك، كان صحراء قاحلة في هذا المجال. لقد أثبت النقد علميته، وفنيته، في الآن معا، لقد تضافرا الاثنان فيما بينهما ليقدما الدراسة النقدية الواعية.
***
قبل أي قراءة لنص سردي، كالرواية، يقوم الناقد، والقاريء، برصد جملة من العناصر التي تهيمن على النص ليستكشف في بداية القراءة تلك العناصر الموجهة له، كالعنوان وما دوّن على الغلاف الأوّل، والغلاف الثاني، والإهداء، والمقدمة، والعناوين الفرعية. وهذه العناصر تعدّ من مستلزمات بناء النص، ومقومات تنظيمه السردي، والشكلي الداخلية.
ولما كان النقد كما أسلفنا القول هو علم وفن، سندرس العتبات النصية الداخلية، لأنها تأخذ مواقعا ستراتيجبة مهمة في النص، ومن خلالها يمكن فهم النص. وفي السطور القادمة يمكن أن ندرس العتبات التي داخل دفتي الغلاف، لرواية “لبابة السر” لشوقي كريم، والاجابة عن مجموعة من الأسئلة، منها: كيف كانت، وكيف بدأت، وكيف بُنيت، وصيغت؟
سوف نتجاوز ما موجود على الصفحة الأولى للغلاف، والصفحة الأخيرة له، ونبدأ من الصفحة/4 “توضيح المقصد”. والأغنية السومرية. وكذلك ما موجود على الصفحة/5 التي فيها المقدمة التي كتبها أ. د. جاسم الخالدي. ثم ندرس العناوين الفرعية داخل النص، هذه العناوين التي تعتبر الموجّهة الرئيسية للناقد/ القاريء في الفهم العام لما يحتوية الفصل داخل العنوان الفرعي.
***
سندرس الإستهلال الرئيسي، والإستهلال الفرعي، والأغنية السومرية، من بين عتبات النص، أو النص الموازي لمتن النص الروائي.
1- الإستهلال الرئيسي:
* توضيح المقصد:
للاستهلال في “لبابة السر”، كما في أي نص، مظهر نصي ملفوظ، وهو مقترح اضافي لبيان مقاصد النص، وقد سماه الكاتب “توضيح المقصد”، لهذا فهو موجّه نصي للقاريء ينضوي وراءه النص بكليته السردية، والروائية، إذ يمنح الدلالات العامة للنص الروائي، ويهدي القاريء لمقصده السردي، الشكلي والمضموني، مما يظل في لا وعي القاريء في تمثل النص الذي يطالعه.
في الإستهلال على صفحة/4 يمكن الإشارة للأبعاد المحتملة للمتخيل، والواقعي من النص دون تحديد دقيق له، أو ترسيم، وقفل حدوده، بل تظل غائبة عن القاريء وهو يكتشفها أثناء القراءة المتأنية، والمشاركة في انتاج النص مرة ثانية، وهو نص القاريء.
جاء في الإستهلال:
* (( توضيح المقصد
تلك حقيقة …………………
الرُقيم………………….
التواريخ…………….
الرواة…………….
حقائق وقعت بعد عام 551 قبل الميلاد.
والشهود متوارثون …واجلهم افصاحا
الرقيم التي انتجها المدون البابلي
والتواريخ التي سكنت قلب الأرض
والرواة الذين وصلوا بألسنتهم إلى حيث امتلأت العقول بالأفعال … وأي شبه بين الحقائق والآتي من الأيام .. انما هو من باب الكشف عما هو مؤهل للإعلان … ومن حق مَن يريد الاعتراض …
تقديم ما يراه مناهضا… فهي محض تخيلات لرجل حاصرته آثام الحب فانفجر بجنون…
شوقي كريم حسن))
***
في هذا الإستهلال الذي جاء من خارج النص، ونظن انه من تدوين كاتب النص الروائي ذاته، كما يعلن في أسفله، ذُكرت الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى:
– ان (الرُقيم، التواريخ، الرواة، حقائق وقعت بعد عام 551 قبل الميلاد، والشهود متوارثون، )، كل ذلك هو مثل الحديث الصحيح، والمتواتر، من أحاديث النبي.
– الرًقيم التي انتجها المدون البابلي.
– التواريخ التي سكنت قلب الأرض.
– والرواة الذين وصلوا بألسنتهم إلى حيث امتلأت العقول بالأفعال.
هذه حقائق، يعلنها الإستهلال، تقف وراء النص الروائي، لأنها تنتجه بتضافرها الجمعي.
الحقيقة الثانية:
يشير كاتب هذا الإستهلال إلى حقيقة ثانية هي شبه ما حصل بين الحقائق التي يقدمها النص السردي، وما تأتي من أيام، وهذا هو الكشف عما هو مؤهل للإعلان.
الحقيقة الثالثة:
والحقيقة الثالثة التي يحملها هذا الإستهلال هي مسألة المعترض، إن وجد، على ما جاء في النص الروائي، فأمامه طريق واحد هو: تقديم أدلة على ما يراه مناهضا.
الحقيقة الرابعة:
ان النص الروائي هذا “لبابة السر”، هو محض تخيّلات لرجل حاصرته آثام الحب فانفجر بجنون..
فالقسم الأوّل من الإستهلال جاء لبيان حقائق النص المذكورة أعلاه، وطريقة المعترضون عليه.
والقسم الثاني منه جاء لتأكيد ان كل هذه الحقائق هي تخيلات قد حاصرت الشخص/ الكاتب بآثام الحب فإنفجر بجنون، والجنون هو سرد هذه الرواية.
***
* الإستهلال الثاني:
وهو من منقولات كاتب النص عن الأدب والثقافة السومريين، وهو أغنية سومرية:
* (( لقد سقط القدح محطما
ولم يعد دموزي على قيد الحياة
وذهبت الحضيرة ادراج الرياح
أغنية سومرية))


تذكر هذه الأغنية موت كل شيء بعد موت الإله تموزي، ويريدنا الكاتب الذي نقل هذه الأغنية من مظانها السومرية ووضعها في مستهل روايته، أن نؤمن بموت كل شيء كما ذكرت الأغنية.
انه اليأس من كل شيء، وكأن كاتب النص السردي يدعونا إلى غسل أيدينا من واقعنا الذي نعيشه. فليس للعبارة التي أنهى الكاتب بها نصّه الروائي والتي يذكر فيها انه انتهى من كتابة هذا النص ( في غرة يوم 13 / 2 / 2000 ) أي مسوغ لذكرها، فهي تشوش على القاريء فهمه لمقصدية النص الروائي وغايته، لأن الأحداث التي يعيش تحت وطأتها ما زالت قائمة.
***
2 – الإستهلال الثالث/ الفرعي:
الإستهلال الفرعي يفسح المجال لصوت من خارج النص للدخول إلى داخل متنه، وأخذ حيزا له في ملفوظ النص السردي، الروائي، وكذلك في وعي القاريء. هذا الصوت ذكر ثلاث مرات في النص الروائي.
المرة الأولى:
ذكر على شكل سؤال في الرُقيم الأوّل، ومفاده: “هل إهتزعرش مردوك؟”. إذا كان هذا السؤال هو مستهل الرُقيم رقم واحد، فهو في الرقيم الثاني يبدأه بمجموعة من الأسئلة “تملأ الرؤوس أسئلة لها لذة الوجع”.
المرة الثانية:
جاء كمفسر للعنوان الفرعي: “رُقيم في توضيح الرغبات”، إذ يضم هذا الرُقيم مسلات، وأناشيد، واسفار.
المرة الثالثة:
هو الموجود في آخر الرُقيم الأخير “الحادي عشر” فيضم ثلاثة صور هي:
– صورة الترتيل الأوّل. وهذا يحمل تساؤلا مفاده “ما الذي يوهج ريح السؤال؟!!”. وهذا التساؤل يعيدنا إلى السؤال الذي افتتح به النص الروائي: “هل إهتز عرش مردوك؟”. وهذا السؤال يحمل اشارة إلى التخلّص من مردوخ والثورة عليه. فيما السؤال المطروح في صورة الترتيل الأوّل يسأل عن إعادة السؤال عن إهتزاز عرش مردوخ بالثورة عليه في أيامنا هذه.
– صورة الترتيل الثاني.
– صورة الخاتمة.
ان هذه الإستهلالات هي نصوص عميقة وواسعة لو تعمقنا في فهمها، انها نصوص موازية للنص السردي الرئيس. فنص “هل إهتزعرش مردوك؟” هو تساؤل ممتد من السومريين إلى يومنا هذا دون أن نلتفت لما جاء من تاريخ في نهاية النص الروائي.
والإستهلال الثاني يذكر العتبات التي يحملها الرُقيم، ويوضح مقاصدها، وغاياتها، من خلال المسلات، والأناشيد، والأسفار.
والإستهلال الثالث يقدم ثلاث صور للرُقيم الأخير لتوضيح ما يمكن إيضاحه أخيرا من النص الروائي.
***
ولنشيد الإنشاد دوره في النص الروائي. فقد ذكره الكاتب لأنه تعامل في نصه الروائي كما تعامل النشيد في التوراة(2)، وجاء سرده مثلما جاء نشيد الإنشاد التوراتي. إذ أن الرُقيم “7 – الثاني عشر” مصاغ مثل النشيد في التوراة.
***

جدول الرُقيمات:

وقد كانت لفظة “رُقيم” لها مفهومها العام والخاص في ذهن القاريء مسبقا، ولم تعد في النص الروائي هذا الرُقيم الطيني المكتوب علية بالحروف الهجائية المسمارية، بل غدى واحدا من آليات الكتابة المعاصرة، و لمّ كل أسرار النص السردي الروائي.
***
3 – المقدمة:
تعد مدخلا للرواية، فهي مثابة أخرى تهيء القارئ للدخول في أعماق النص السردي، والروائي، ويكون مؤلفها من خارج الرواية، لا من داخلها، أي أحد شخوصها، وهي تتحدث عن النص ولا تتجاوزه. وباعتبارها نص مواز للنص الأساسي، ولها سلطة التوجيه، والإشارة. وهي قراءة خاصة للنص السردي.
تكون المقدمة على نوعين، أحدهما نوع العلم، والثاني نوع التأليف.
ومقدمتنا من نوع العلم بما في السرد الروائي، انها إضاءة عما في النص الروائي من موضوعة عامة وخاصة.
ونص المقدمة التي تقع بحجم نصف صفحة هو:
((لبابة السر، الرواية التي كتبها الروائي في بداية الالفية الثانية كما هو مدون في نهايتها، تحاول ان تغادر الواقع، وتغوص في الأزمان السحيقة، اذ عاش الانسان تحت سلطة الالهة، وكهنتها الشغوفين بالحياة الباذخه، في حين تحمل الانسان نزق الالهة وظلمهم الذي وصل إلى حد انتهاك حقوقه، من دون ادنى شعور بالمسؤولية، تحت ذرائع شتى، لاتخلو دائما من الوازع الديني والأجتماعي، فلا ضير، اذا ما هتكت المحارم، وفكت بكارات العذارى،امتثالا لتعاليم الآلهة المزيفة، واطاعة اوامر الملك، الذي كثيرا ماكان يمارس صنوف الرذيلة امام مرأى ومسمع الاخرين، وهو ماحول المعابد من معابد فضيلة إلى معابد رذيلة، يمارس فيها كل ما يحقق رغبات الملك والكهنة، وما يهدر فيها كرامة الناس ظلما وعدوانا.
أ.د. جاسم الخالدي))​
يذكر الدكتور الخالدي الحقائق التالية:
– ان النص الروائي كتب في بداية الألفية الثانية، وهذا ما ذكر عنه بذكره تاريخ تدوين النص الروائي في نهاية الرواية. وهذا معناه انها ترمز إلى الوضع السياسي إبان كتابتها، إلّا ان هذه الاشارة لا تفيد مع القاريء المكتوي بنار الواقع السياسي المعاصر.
– يحاول النص الروائي أن يغادر الواقع، ويغوص في الأزمان السحيقة. إذ عاش الانسان تحت سلطة الآلهة، وكهنتها الشغوفين بالحياة الباذخه، كواقعنا اليوم.
– تحمل الانسان نزق الآلهة وظلمهم الذي وصل إلى حد انتهاك حقوقه، من دون أدنى شعور بالمسؤولية، تحت ذرائع شتى، لاتخلو دائما من التأثير الديني، والاجتماعي، والاقتصادي، كالانسان العراقي في هذا اليوم.
– لهذا هتكت المحارم، وفكت بكارات العذارى، امتثالا لتعاليم الآلهة المزيفة، واطاعة أوامر الملك.
– هدر لكرامة الناس ظلما وعدوانا من قبل الملك، كما يحدث لانسان اليوم.
نتساءل: هل هذه الحقائق متوارثة منذ عهد السومريين إلى يومنا هذا، عن الملك والكهنة، ونضيف عليهم الملوك، والرؤوساء، والشعب مقابل هؤلاء؟ إم انها انقطت بذهابهم؟
السؤال متروك للقراء لأنه ليس من مهام هذه الدراسة الإجابة عن هذا السؤال.
***
الهوامش:
1 – نقلا عن جميل حمداوي: مناهج النقد الحديث والمعاصر- إصدارات نادي القصيم الأدبي – 1430هـ/ 2009م – ص 45.
2 –ورد نشيد الإنشاد كسِفر في التوراة، إلّا انه من مسروقات كتّاب التوراة الذين كتبوه أول مرة، كباقي الأساطير التي فيه. وهو مجموعة من الأغاني الشعبية لقرى المنطقة التي كتب فيها. وقد دخل التوراة كسفر في عام 500 ق. م. تقريبا، ولا علاقة لسليمان به. وقد ترجمه الدكتور فاضل الربيعي من اللغة العبرية ورأى مدى الحذف الذي طاله في أسماء الأماكن التي جرت فيها أحداث النشيد وهي في اليمن. وقد كتبت ونشرت دراسة بعنوان “نشيد الإنشاد التوراتي والترجمات إلى العربية” عن ذلك.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق