ثقافة السرد

كرامات هوانم مصر!

قصة / أحمد محمد عبده
 
كان لابد أن تقوم القيامة؛ لكنها لم تقم!
ذلك لأن الله يؤجلها لوقتها..
منصور.. أيها الأعرج.. لك الله يا منصور, جميعا جميعا لكم الله.. شهداء أو مُعاقين.
لكن السادة الحضور أكدوا أنك غلطان يا منصور, أخطأت.. أخطأتَ في حق”الست”!
وعفوا يا منصور, فلا أقصدك أنت بالذات حينما أقول أن: هفوات الهلافيت, كبائر في حق الهوانم. فهيَّ ” الأسطى ” في المرقص كله.
أُعرفكَ أنا بقدرها ومقدارها يا منصور, فأنا الذي خلقني ربي.. كي ألف وأدور, أبرر المواقف وأفلسف الأمور, حتى أُرضي هذا, وأُطيِّب خاطر هذه, ورزقي علي الله.
أولا.. هي أسطي من النوع الذي إذا جمعناه كان “أساطين” و ليس أسطوات.
فــــــ.. أسطي وأسطي وأسطي.. أساطين يا منصور, كانوا قديما يطلقونها علي عبده الحامولى وألمظ ومنيرة المهدية..
صحيح أن بعض الذين شهدوا الواقعة, قالوا بأن الخطأ خطأ صاحب الملهى, وما منصور إلا حمار عنب, يحمل ما لا يأكل وما لا يشرب, بل يحمل ما لا يفهم فيه..‍‍
معنى هذا أن “الست” كان لا بد أن تذهب إليه و تدفعه هو علي الأرض. وليس منصور.
أما أنا فأقول أنها كانت في هذه اللحظة مسلوبة العقل!َ
عقـــل؟
و هل هذه لحظة يكون فيها عقل؟
في اعتقادي أن الذي قدّس تلك اللحظة عندها هو غيابها عن الوعي, فلو أنها كانت تعي ما حولها, لكانت لحظة عادية وتافهة, مثل ملايين اللحظات التي نعيشها نحن.
وما أريد قوله, هو أنك, إذا كنتَ مخطئا, أو غير مخطئ, فإن الراقصة.. هي أيضا معذورة.. لماذا؟
أولا هذه لحظة من لحظاتها التي تعيش عمرها كله من أجلها, فتصوّر إنسانا يعيش عمره كله من أجل لحظة!
العمر كله كوم.. وهذه اللحظة وحدها كوم آخر.
فماذا تنتظر منه غير ذلك؟
مع من يريد أن يفسدها و يعكرها ويضّيع نشوتها عليه؟
صحيح هي لحظة, لكنها تعرف قيمتها, تعرف كيف تعيشها, تقتنصها من وسط هذا الركام المُمِل من أيامنا وساعاتنا نحن.
لحظة كهذه, فيها المزاج والبراح والمِزاح والتحليق والشبق والانصهار والانبهار.. كل هذا يتحقق في لحظة يا منصور.
أمثال هذه ياحبيبي.. العمر عندهم لحظة, هي لحظة في الخارج أمام الناس, أما في الداخل, عندها هي, اللحظة تتسع, وتتمدد المشاعر والأحاسيس, وتمتلئ بعبير نشوان يأخذها ويطير في الهواء, كأنها بالونة منتفخة بغاز الهليوم!
كل واحد منا هكذا.
نفسه أو داخله مثل البالونة, هل للبالونة منظر أو شكل أو هيئة وهي منطفأة مرهرطة كأنها ثدي ماعز عجفاء؟
شكل البالونة . إنما يكون وهي منتفخة, ساعتها يظهر لك جمالها ودلالها.
هؤلاء يا حبيبي.. الوقت وقتهم, والزمن زمنهم, تصور أنني قرأت كتابا, صدر في بيروت وهي في معمعة الحرب الأهلية, الكتاب اسمه “زمن سوسو حمدي”
الراقصة العربية المشهورة!
الكتاب كأنه عقد ملكية للراقصة علي الوطن!
تشعر أنها لم تترك لنا شيئا.
الزمن زمنها بحيث أنهم لو أرَّخوا بعد ذلك لهذه الفترة أو هذا العصر سيقولون:
إنه في زمن سوسو حمدي حدث الأتي:
زلزال.. حرب.. فيضان.. بركان.. إرهاب…
نحن نعلم, وكل الناس يعلمون, حتى الذين لا يعلمون, والذين لا يريدون أن يعلموا, كل الناس تعلم وتسلم, بل لديهم قناعة بأن الراقصة.. ليلها و نهارها, نومها و صحيانها, غيابها وحضورها, كل شيء عندها محسوب باللحظة, عداد زمني إلكتروني.. بالضوء , بالأرقام, بالصوت, يحسب لها لحظات الحظ, دقائق العمل, ساعات المتعة.
الشيء الوحيد الصغير في هذا العالم, أو أصغر وحدة قياس لأي شيء في الحياة, تجد له احتراما وتقديرا عندها, هي اللحظة, ما بعد ذلك, نجد عندها”كل صغير محتقر”؟!
الفندق الصغير محتقر, الملهي الصغير محتقر, الشقة الصغيرة محتقرة, السهرة الصغيرة, الرجل الصغير, المبلغ الصغير… إلي آخر كل ما هو صغير!
الزمن عندها لحظة صفاء, لحظة حظ, لحظة مزاج..
تأتي أنتَ.. أنت يا منصور, وتعكر صفو هذه اللحظة علي “ست الكل”؟
من أجل ذلك قلت بأن الراقصة معذورة.
أولا.. وقبل كل شيء, ليس ذنبها أن يقدم لها ” الكاس ” واحد أعرج, من ضحايا الحرب, حتى لو كان هو الذي رفع العلم, أو هو صائد الدبابات.
تأتي أنتَ, أنت يا منصور, وتقول أنكَ السبب في تلك النعمة التي تتمرغ فيها “الست”؟
هي يا حبيبي ترقص في كل مكان, وفي كل زمان, وفي كل الأحوال, سينا عليها يهود, سينا محررة, الجولان محتلة!
الأرض العربية كلها لها “مـرقص”
ترقص أمام جمهور, ترقص في سهرة خاصة, لمجموعة من الرجال, لرجل واحد…
وربما كان الزمن الوحيد الذي خلا من الراقصات, حينما دفع سيدنا عمر الجيوش والسرايا لفتح البلاد. فقد كان لدي النساء ما يشغلهن عن الرقص, ففريق يرعي البيوت, وفريق يطبب جرحي الحرب.
وحينما انتهت الجيوش العربية من فتح البلاد, تصادف هذا مع زمن هارون الرشيد, فكان عام حرب وفتح, وعام استرخاء, فحدث أن عــم الرخاء, فَرُصت الموائد وامتلئ بطن الرشيد, فاتكأ علي الوسائد , وكان لا بد من” لزوم القعدة “!
***
أعود فأقول, ورغم كل هذا, أنـت معذور يا منصور, فحينما دفعتكَ علي البلاط, وطارت رجلك الخشبية في ناحية, وصرتَ أنتَ في ناحية, لم يكن أمامك إلا أن تقول هذا, بل أكثـر من هذا, نعم هذه حقيقة, أنت وأمثالك المُعاقين, والذين استشهدوا, أنتم السبب في تلك الريالات و الدولارات التي تندس في صدرها.
هــات أذنك:
“في صدر بنت الــ…”
فأنت الذي كافحت وجاهدت و حاربت و حررت الأرض.
ولكن.
لكن يا حبيبي هي لا شأن لها بذلك, فقدتَ رجلك, فقدتَ عقلك, طردتَ اليهود, أدخلتَ الأمريكان!
و علي فكرة؛ كل زمن يا بني له راقصاته.
أنت لم ترَ شارع محمد علي, ولا حديقة الأزبكية, ولا بارات إسكندرية.
***
من أجل هذا قلتُ أن الولد منصور, لو كان مخطئا أو غير مخطئ, فالهانم أيضا معذورة!
فكان من المفروض علي صاحب الملهي أن يعطيه درسا في” الإتيكيـت”, كيف يمشي..
يمشي؟!
كيف يبتسم, كيف يتكلم, كيف يُحيي الزبــون, وطبعا كل واحد له تحية, فتحية الراقصة تختلف عن تحية الزبون, و تحية الزبون المصري, غير تحية الزبون الخليجي!
فالمهم كيف يقدم لها الكاس.
والأهم كيف يختار اللحظة المناسبة, المناسبة لها هي, وليس له هو, صحيح أن صاحب الملهي سيأخذ الثواب مرتين, مرة حينما هشَ وبشَ في وجه الولد “المكسور”, الذي جاء من النجع والفقر ظاهر في صدأ أسنانه, والهم واضح في نعل حذائه.
خصوصا بعد أن عرف أن الولد من مصابي حرب أكتوبر.
ومرة أخرى حينما رأي الولد يعرج, طبعا كلنا يعلم ويبصم بالعشرة أن الأعرج, أي أعرج, ليس له مشي في ميدان رمسيس ولا ميدان العتبة ..
كما أنه ليس علي الأعرج حرج, إلا أمام الراقصة!
إياك أن تظن أن الست هانم تري الدنيا والناس والأشياء كما نراها نحن, لا. هي يا حبيبي لا تري الأشياء مثل ما نراها, ثم إن الدنيا في عينيها غير الدنيا في عيوننا نحن, الدنيا في عينيها حديقة من ورد البنفسج ليس فيها شوك, والناس في عينيها, أو ينبغي أن يكونوا هكذا, زجاجات بارفان باريسي مصنوع خصيصا لفاتنات هوليود.
هـي تري الأشياء هكذا, من أجـل ذلك هي لا يمكن أن تكـون قد رأت ذلك الأعرج!
ومن هو لكي تراه؟, وبالذات في لحظة كهذه, أو رأته .. ولكنها لم تـرَ ما به من عرج.
أو رأت العرج, ولكنها لا تراه مثلما نراه نحن!
فنظل نمـص شفاهنا شـفقة عليه, إنها تري الدنيا جميلة, أو هي تحاول أن تري الدنيا جميلة.
بالله عليك؛ من منا لا يتمني أو يرجو, أن يري الدنيا جميلة؟
صدقني, هي لم ترَ منصور الأعرج , ولا الكاس الذي كان يحمله لها.
كل الذي كانت تراه, كل الذي كان في عينيها, الدنيا كلها تجمعت وتكورت وتكونت في عيون من يُراقصها.
بالله عليك.. أهذه لحظة تتذكر فيها راقصة واحداً فقد رجله في نكسة يونيه أو في نصر أكتوبر؟
هـــا
ويعمل في ملهي؟
هــــا هـــا
ويمشي برِجل من لحم ورِجل من خشب؟
هـــا هـــا هـــا
حتي لو كان هو الذي دمر دبابة عساف يا جوري!
يا حبيبي نحن هكذا نُحمِّلها ذنباً, هذا كمـا لو أنك قلت لراقصة باليه؛ وهي منهمكة في الرقص “صلي علي رسول الله”!!
أنت بهذا ظلمتَ الراقصة, بل.. وظلمت الله ورسوله.
ملهي وريالات وهز أوساط وتأوهات وتأتي لتقول لي: رِجل من لحم و رجل من خشب وحرب أكتوبر؟
قُم.. قُم يا منصور, قُـم يا رجل, انهض, خــذ.. خــذ رِجلك الخشب,
تعيش و تأخذ غيرها, لا يقع إلا الشاطر.
ثم مهما يكن من شيء, فأنت وقعتَ علي الباركيه وليس علي الأرض.
***
ولما حاول الولد منصور الوقوف, رأي رجله المخلوعة بجواره, لقد هاله وأذهله وروَّعهُ وأذهب عقله؛ أنه رأى نفس المنظر الذي كان قد حدث له يوم 7 أكتوبر, يوم طارت نفس الساق, على رمل سيناء, إلا إنها كانت “الساق اللحم”!
لقد هاله وروَّعهُ وأذهله وأذهب عقله, أنه وجد نفسه في مكان وساقه في مكان آخر.. ساقه الخشب!!
مع أنها كانت هذه المرة علي الباركيه, وبيد حنونة ناعمة!!
***
تطوع أحد الواقفين وساعده في تركيب “ساقه” المخلوعة في فخذه.
لمحتــه “ست الكل”, كانت قد فرغت من لحظتها المقدسة, تذكرت شيئاً ما, حـَـنَّ قلبها الكبير, توجهت نحــوه, مسحت علي رأسه فاسود شعره الأبيض!
ثم مرَّرت أصابعها علي كتفيه فاستقام الكتف المتهدل, ثم مسحت علي وجهه فاختفي شعر الذقن, فتحول إلى غلام أمرد, ناعم البشرة كما لوكان” ابن خمستاشر” , وكما لو أنها نسيت أن تمسح علي الساق!!
( يا ليت أحدهم كان قد نبهها لكي تمسح علي الساق؟
لماذا لم يلفت أحد نظرها لكي تمسح على ساق الفتى الكسير المكسور؟)
ثم كبشـت كبشـة كبيرة مما في صـدرها, ريالات ودولارات, عجز الحاضرون عن عدِّها, وضعتها في حجر منصور, فصفق الجمهور, فنهض منصور من كبوته ورمي في وجهها ما أعطت.
***

*كاتب روائي من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق