ثقافة المقال

إصْبِرْ على قَدَرٍ اۤلَمَكَ، صَبْرَكَ على خيرٍ أَسَرَّكَ، فاِن لم تَستَطِعْ أن تَصْبِرَ فَتَصَبّرْ

الدكتور المهندس عبد يونس لافي

زارني صديقٌ لي فَرِحاً مُسْتَبْشِراً لِيقولَ لي اَنَّهُ حَقَّقَ نجاحاً عَمِلَ لِأجلِهِ سنين. شاركتُه الفرحةَ مُهَنِّئاً وقلتُ لهُ فيما قلت، عليكَ بٱلصبرِ فيما اصابَكَ فَأَعظمُ عَطاءٍ يفوقُ ما حققتَ هو عطاءُ الصبر.

ظلَّ صامِتاً وهو مَأْخوذٌ بشيئ من الدهشة اُدْرِكُ سَبَبَها، اسْتَرَسَلْتُ ….. واِنَّك اِن صَبرتَ تكونُ قد انجزتَ اكبرَ مما انجزت، فاِن لم تَسْتَطِعْ ان تَصبرَ فَتَصَبَّرْ، يُصَبْرْكَ الله، ويُعِنْكَ عليه. قال لي لعلَّك لم تفهمْني قلتُ بل فَهِمْتُك ولذلك هَنَّأْتُكَ وانا فَرِحٌ لِفَرَحِك.

يُخْطِئُ من يَظُنُّ أَنَّ الصبرَ يكونُ على الضَرّاءِ حَسْبُ لِمقاومةِ ما تَحملُهُ من اكدارٍ ومتاعِبَ، فٱلصبرُ يَتعدّى ذلك إلى الصبرِ على السَرّاءِ لمقاومةِ اِغرائِها والتمادي في سوءِ ٱستعمالِها.

ربما كان من الضرّاءِ حالَ وقوعِها ما لهُ من هزَّةٍ عنيفةٍ يكون لها من الوقعِ ما هو صاعِقٌ كفَقْدِ عزيزٍ او نزولِ مكروهٍ، فالصبرُ اۤنَذاكَ يكون الأصعَبَ ولو لوقتٍ قصيرٍ، لكنَّهُ الأكثرُ ثواباً لِمنُ صَبَرَ وكان صبرُهُ تسليماً ورضاً. لذلك شخَّصَ النبيُّ الكريمُ هذا النوعَ من الصبرِ تشخيصاً دقيقاً عندما قال (اِنَّما الصبرُ عندَ الصدْمَةِ الأولى).

اَمّا ٱلصبرُ على السرّاءِ فإنَّه الأَشَقُّ اذا ما عَرِفْنا اَنَّه يَتَطلَّبُ من المُسَرُّ مُكابَدَةً مستمرةً لِئَلاّ تدفعُه هذه السرّاءُ الى البَطَرِ والتمادي ونِسيانِ المُنعِمِ في الوقتِ الذي يجبُ عليه ان يَصْبِرَ عليها، وصبرُهُ يَتَجَلّى في تصريفها وتوجيهها الوِجْهةَ الصحيحة. فاَنت – وانا هنا اضرِبُ مثلاً واحداً فقط والامثلةُ كثيرةٌ- اِن حقِّقْتَ درجةً في ميدانِ من ميادين المعرفةِ، فصبرُك اَن تُسَلِّطَ معرِفَتَك على هَلَكَتِها بالحقِّ في الإرشادِ والتعليمِ والعلاجِ وبناءِ الانسانِ والمجتمعِ وكل ما يشملُ أوجُهَ الحضارةِ الإنسانيةِ دونَ تمييزٍ لكي تكونَ بحقٍّ خليفةَ للهِ في الأِعمارِ لِانَّهُ لم
يُميِّزْ في نِعَمِهِ على ايِّ اساسٍ غيرَ اساسِ (واَنْ ليسَ للانسانِ اِلاّ ما سَعى، وأَنَّ سَعْيَهُ سوف يُرى، ثمَّ يُجزاهُ ٱلجزاءَ الأوْفى).

قلتُ لِصاحِبي واَنا اعِظُهُ، واَعرُف اَني منهُ الى الموعظةِ احوج: كابِدِ الصبرَ كي لا تبتعدَ شَطَطاً وتفكِّرَ اَنكَ قد انجزتَ ما انجزت، وحقَّقْتَ ما حقَقْتَ دونَ ارادةٍ سَبَقَتْ، ومَشْيَئَةٍ كُتِبَتْ، فَحانَ قضاؤُها الان على يديك، حيث هُديتَ اليها لا بل سُقْتَ اليها سَوْقاً.

نعم علينا اِن عجزنا عن الصبرِ اَن نَتَصَبَّر. ونحن حبن نتصبرُ انما نَتَكَلَّفُ الصبر لمطاردةِ المعاناةِ التي تنطوي عليه. في التَصَبُّرِ نكون قد وضعنا على انفسنا قيوداً واَقمْنا عليها حدوداً نقفُ عندها دون ان نِتِعَدّاها قولاً وفِعلاً فيما لا يُريدُهُ من هدانا في سعيِنا لنُجْزى ما سَعَيْنا إليه، فاِن عقدنا العزمَ والنيةَ على ذلك، سنجدُ المُنعمَ اۤخِذاً بأيدينا يُعينُنا على معركةِ الصبر بقوةٍ دافعةٍ نعيشها من الداخل دون انكسارٍ ونُكوص.

ختاماً اقولُ اِن ما تقدَّمَ واِن كان تعليقاً على حالةٍ فرديةٍ وقعتْ لي انما تسري تطبيقاتُها على الأممِ والشعوب في القضايا الجَمْعِيّةِ الأعم، وما أحوجَ أمتنا الى ٱستيعابِ مفهومِ الصبرِ والتَصَبُّرِ قبل غيرها من الأمم ونحن نعيشُ الذُلَّ والهوانَ وانكسارَ الذاتِ وعندنا كلُّ ما يقودُنا إلى العكس، مجرد ان نُزيلَ إلرانَ الذي غَشّى القلوبَ فأفقدنا الصوابَ واصبحنا نلوكُ البُؤْسَ بل نستعذبُه، سلام.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق