ثقافة المقال

السمندقيق والساقية والشيطان!

كتب / بدر الدين العتاق

حدثنا الأستاذ المرحوم / الطيب محمد الطيب ؛ أحد أشهر الشخصيات السودانية وصاحب البرنامج التلفزيوني المشهور ( صور شعبية ) ومؤلف كتاب : المسيد والإنداية وفرح ود تكتوك حلال المشبوك وغيرهم ؛ وهو من رجالات المقرن ريفي الدامر بمديرية نهر النيل وعده الأستاذ الدكتور المرحوم / عبد الله الطيب ؛ من أميز الشخصيات المثقفة في السودان و المحببة إلى نفسه ؛ وكما تعلم فإن المجذوب رجل انطباعي ( ود بلد ) في المقام الأول وكان يحب الطيب محمد الطيب لبساطته وغزارة علمه وأريحيته وبحبوحته في الحديث زد عليهم أنهما من جوار واحد فالمجذوب من حلة الدومة بالتميراب غرب الدامر والطيب من المقرن ريفي الدامر .

كنا في محاضرة له سنة : 1996 م؛ ألقاها على مسامعنا بمكتبة البشير الريح العامة في أم درمان عن الساقية في بلاد شمالي السودان القديم وكان حديثاً ممتعاً وشيقا ومفيدا للمدى البعيد ؛ قال : أول دخول للسقاية في بلاد شمالي السودان القديم كانت بمنطقة دنقلا العرضي وأهل دنقلا العرضي – وإن شئت دنقلا العجوز – أول من عرفها في سقاية البلدات وري الأرض من نهر النيل وعندنا في تلك الحلال – بتشديد اللام – يقولون للنيل البحر ! هذا عندما كانت دنقلا العجوز وبلاد شمالي السودان لا تعرف طلمبة الديزل واللستر وربطها بالمواسير الحديدية مع البحر .

هذا ! قال : وكانوا يجرونها بالثيران العظيمة التي تعمل ليل نهار ؛ من طريق السمندقيق وهي الخشبة التي يجلس عليها مسؤل الساقية لتوجية الدفة عند القيادة وقيل هي الخشبة التي يربط عليها الحبل الغليظ بين الساقية والدلاء أو بين الساقية والثيران أو قل : تربط بها القلل بكيفية معينة بحيث تعمل على نشل الماء من النيل – البحر – والأخيرة تصنع من الفخار المحروق بالنار من ذات طينة البحر لأنها أقدر على حمل الماء دون الكسر ؛ وقيل إن السمندقيق يقال له في بعض بلاد شمالي السودان بالسندقيق بحذف حرف الميم ؛ ومعروف أن جدنا القراي الخواض العجمي التاكي ذهب للزهد في الدنيا بحب الآخرة وقال بالعبادة صوما وصلاة حتى ينحل جسمه مثل حز الحبل في سندقيق البئر وقد كان .

هذا ! قال الطيب محمد الطيب ؛ رحمه الله رحمة واسعة ؛ : وقد عرفت بلاد دنقلا العجوز بعلاقتها مع الشيطان وذلك عند سواد الليل البهيم واتساع المكان حيث شاع عندهم إن الشياطين تسكن في السواقي فاتفق يوما أن ظهر الشيطان لصاحب الساقية الأشهر في صورة إنسان تربال – مزارع – واتفق معه على أن يزرعا سويا ويتقاسمان الربح والخسارة في أي محصول كان .

قبل المزارع الدنقلاوي رأي التربال الشيطان وسأله عن أي المحاصيل الزراعية نزرع هذا العام ؟ فأجاب الشيطان : لا أعرف ! فاقترح الدنقلاوي زراعة البصل لهذا العام ؛ فجاء وقت الحصاد وظهر التربال للدنقلاوي فسأله الأخير عن القسمة : عاوز الفوق ولا التحت ؟ فطمع التربال في المحصول لما رءاه بهيجا يسر الناظرين فقال : عاوز الفوق ! فنال كل محصول البصل ولم يحصد الثمرة التي بها الفائدة إذ أن البصل ينبت في باطن الأرض وليس فوقها ؛ فباع الشيطان القش وخسر حين باع الدنقلاوي البصل وربح .

زوجة الشيطان غضبت غضبا شديداً على زوجها وقالت : إنت غشيت آدم وحواء ونزلتهم من الجنة يغشك الدنقلاوي ؟ فخرج منها غضبان أسفا مبيتا سوء النية للدنقلاوي .

جاء الموسم الثاني للزراعة واتفقا على زراعة القمح ؛ وحدث نفس الأمر وخير الدنقلاوي الشيطان وقال له : عاوز الفوق ولا التحت ؟ قال له الشيطان بعدما رأى مكر الدنقلاوي أول مرة ولم ير المنظر البهيج كالسابق : عاوز التحت ! فسولت للشيطان نفسه أن خدع الدنقلاوي ؛ فباع وخسر حين باع الدنقلاوي القمح وربح .

جاء الشيطان للبيت وحدث زوجته بما جرى وغضبت عليه غضبا شديداً وقالت : يا أنا يا إنت ؛ كل مرة الدنقلاوي يغشك ؟ فخرج منها غضبان أسفا مبيتا سوء النية للدنقلاوي .

وجاء الموسم الثالث وحدث نفس الأمر واتفقا على زراعة السمسم ؛ وعند الحصاد ظهر التربال للدنقلاوي فسأله الأخير عن القسمة وقال : عاوز الفوق ولا التحت ؟ فكر الشيطان مدة من الزمن و أطرق وابرق و فكر ودبر لما لم يرى لا منظراً حسنا ولا نبتا مبهجا قال : عاوزم الاتنين ؛ الفوق والتحت ! فسولت للشيطان نفسه أن خدع الدنقلاوي هذه المرة لا محالة ؛ فأخذ التربال الشيطان الفوق والتحت وترك للدنقلاوي الذي في الوسط أي ثمرة السمسم ؛ فباع وخسر حين باع الدنقلاوي وربح للمرة الثالثة .

قالوا : ذهب الشيطان للبيت وحدث زوجته بما جرى وغضبت عليه غضبا شديداً وفارقته طلاقاً بالثلاث ؛ فأخذ التربال صرته وغادر أرض دنقلا العجوز إلى الأبد .

وهنا يضحك الجمهور متجاوبا مع الأستاذ / الطيب محمد الطيب ؛ ويضحك هو لضحكهم حتى عم المكان الضجيج والتصفيق .

فانظر هداك الله لمثل هذه القامات المبدعة في بلاد تموت من الحر فيلانها ؛ رحم الله الأديب الكبير صاحب الإنداية وحلال المشبوك رحمة واسعة إن شاء الله .

كتبت هذه الكلمة بمناسبة الساقية والسمندقيق مما أسعفتنا به الذاكرة ونلتقي في كلمة جديدة مع الأستاذ وقصة الكجور إن شاء الله ..

تلو المهذب

القاهرة في : 2/2/2021

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق