قراءات ودراسات

مدن الملح: ملحمة عبد الرحمن منيف.

الجزء الأول: التيه.

فؤاد عبد النور

قرأت قبل أسبوعين في مقال الصحفي المخضرم سمير عطا الله في صحيفة الشرق الأوسط ذكراً لعبد الرحمن منيف ورائعته ” مدن الملح “. ولكوني عاشقاً متابعاً مقالات هذا الكاتب القدير الذي يستطيع تزويد صحيفته بمقالٍ يومي، صيفاً شتاءً، دون توقف ليومٍ واحد، ودون أن يُضجر قراءه بأفكارٍ معادة، فإني خجلت من نفسي لجهلي بكتابات هذا الروائي الشهير. ولا أخفي اني ” ياما” تجاهلت روايات منيف فقط لأني في عز شبابي وانتمائي للحزب الشيوعي الأردني كنت أنفر من كل ما هو بعثي، أو قومي عربي متطرف، وخاصة بسبب الآلام الشديدة التي خلفها فينا انقلاب البعثيين والقوميين الناصريين على حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، والفتك بالشيوعيين في العراق مثلما حصل في بلدانٍ أخرى مثل أندونيسيا، وإيران.
لم أكن أعرف انه قد هجر حزب البعث، وهجر البلاد العربية جميعها، ليعيش في فرنسا، ويبدع في هذه الروايات الملحمية. أدركت أنه وجب علي تلافي هذا النقص الشنيع في ثقافتي، وبسرعة.
وهكذا عندما وقع بصري على مجموعة مدن الملح في مكتبة ” خان الجنوب ” في برلين قمت بشراء المجموعة راساً دون التفكير بتكلفة هذه الملحمة من الخمسة أجزاء والتي تبلغ صفحاتها جميعها أل 2459 صفحة. لا علم لي بروائي عربي أو غير عربي تخطى هذه الرقم!
ألغيت كل مواعيدي حسب الأغنية، ووضعت جانبا كل ما كنت أقرأ فيه، وأنهيت الجزء الأول في خمسة أيام، مصمماً أن أعلق على هذه المجموعة. ولكني عندما وقع الجد، وأخذت أستزيد معلوماتي عن هذا الكاتب من الشبكة، وجدت أنه لم يبق كاتبٌ يشار له بالبنان، أو لا يشار له، لم يكتب عن منيف، خاصة عند موته، أو إحياءً لذكراه. وأنا المتحمس المتأخر ماذا عساني أن أكتب؟ ولكني لم أحبط. إذ بعد أن قرأت الكثير من التعليقات والتقريظات لهذه الرواية وغيرها من كتب منيف وجدت أني قد أساهم بشكلٍ ما، دون أن أكرر ما كتبه غيري، أو أحوّره ليبدو وكأني أنا الذي انتبهت لهذه النقطة أو تلك. وهكذا معتمداً على الكثير من الكتب الملحمية التي قرأتها في الماضي، مثل الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، أو الحرب والسلام لتولستوي، أو اليهودي التائه لإيوجين سنو، فإني أستطيع أن أدلي بدلوي، وأساهم بشكلٍ ما في هذه الأبحاث.
الملاحظة الأولى:
بذل د.عبد الرحمن منيف جهداً كبيرًا في خلق هذه الشخصيات الكثيرة في الجزء الأول “التيه “. بالتأكيد كل شخصيةٍ كانت تحتاج للكثير من الدراسة، والتحضير، فمع أن والده سعودي، إلا أن الوالد ميسور الحال، لا أظن أنه قد أرسل منيف كي يتعلم العربية الفصحى من أهل البادية، أو الشعر العربي الكلاسيكي، أو أمضي سنينا بين البدو السعوديين ليكتب هذه الملحمة. أرسله والده ليتعلم في العراق، ومن ثم مصر، وأوروبا. وهذه الشخصيات التي تعدت الثمانين حسب مراجعة سريعة لي، كانت تظهر لبضع صفحات، بين العشرة والعشرين، تقوم بدورٍ معين، ثم تختفي بالمرض، أو الخبل، أو مغادرة مسرح الأحداث بالموت. قتل منيف الكثيرين في هذه الرواية، ولا توجد شخصية تتعرف عليها من الولادة للشيخوخة. لا شخصيات تبقى طويلاً مع القارئ. تظهر الشخصية لتلقي ضوءً ما على الأحداث، وتختفي، وكأنها على مسرح إغريقي تظهر لتلقي كلمة قصيرةً وتختفي بسرعة. حتى الشخصية الرئيسة في البداية متعب الهذال تتوهم أنها ستبقى معك طوال الرواية، سرعان ما تختفي في شكل أسطورة غير مقنعةٍ بطريقة هجرانها لعائلتها، هكذا دون مسؤولية، وكأنها شخصية بطلٍ أسطوريٍ اختارته الآلهة لإنجاز مهمةٍ مصيرية، فيظهر شبحه هنا وهناك دون فعالية، سوى أسى ابنه من تهربه منه. وهناك بعض العثرات الأخرى مثل شخصية يُعرّفك عليها د. منيف أنها ماتت، أو اختفت، ثم تراها تظهر لفترة قصيرة لتختفي ثانية، دون إقناعٍ للقارئ. ولا يُستغرب هذا من كاتبٍ حشد كل هذه الشخصيات بحيث يمنع القارئ من التقاط أنفاسه، وتحليل ما يقرأ. وإن كان قد نجح في إمتاع القارئ بمعظم تصرفات الشخصيات الكاريكاتورية هذه، حتى ولو كانت شخصية الأمير، الذي يُـفترض فيه أن يكون مرسلاً في مهمةٍ حكومية لتسهيل عمل الخبراء الأمريكان، لم يظهر لها دورٌ جدي في الحكم، بل ظهر مفتونا بهديتي الناظور والمذياع . حتى ولو لم تكن هناك حكومة مركزية قوية بعد، فلا بد أن يكون هناك الحكم العشائري والقضاء العشائري.
الملاحظة الثانية:
سرعة وصول شخصيات رئيسية للغنى في وقتٍ قصير، عن طريق تقديم الخددمات للشركة الأمريكية، أو شراء الأراضي، أو في حالة الطبيب الذي أصبح من كبار المستثمرين في فترةٍ قصيرة، بحيث استطاع شراء الأراضي، وبناء مستشفى، بالرغم من أن الأراضي مفروضٌ فيها أن تكون مشاعاً في الحالة القبيلة التي لم تكن تضع أية قيمة لل

أرض، فحيث تنصب خيامها تكون الأرض أرضها. لا ذكر لدائرة تسجيل الأراضي، أو محاكم أو دوائر تثبت فيها عمليات الشراء المتسارعة، بحيث تمكن الشخصيات من بناء ثروات طائلة، وفي وقت قصيرٍ نسبياً.
الملاحظة الثالثة:
صحيح أن الروائي يستطيع التحوير في الأحداث لتلائم روايته، ولكن رواية منيف رواية تاريخية في الكامل، كشفت ما يجري في الدولة السعودية حديثة التكوين. ولا ننسى أن بريطانيا ساعدته بالسلاح والمال، والخبراء. كما أن تحالف النظام مع الوهابية مكن هذا النظام الحديث من تمكين العائلة السعودية، بحيث وصلت إلى ما وصلت إليه حالياً. الترحيب الكبير بالرواية حصل في الغرب، الذي كان يجهل كليةً ما يحدث في هذه الدولة الناشئة الواسعة. ولكني أعتقد ان كاتب الرواية التاريخية عليه أن يتقيد أكثر ما يمكن بالأحداث، وبالأرضية التاريخية لروايته.
الملاحظة الرابعة:
خلو الرواية تقريبا من شخصيات نسائية، وهذا يؤكد انطباعي أن الكاتب كاتب حضري، لا يعرف الكثير عن حياة البدو، ولم يرغب في توريط نفسه بشخصيات غير خبيرٍ فيها. ولكن هذه الملاحظات لا تنقص بالمرة القيمة الإجمالية لهذه الرواية الملحمية، وأظن أن ملاحظاتي هذه ستساعد الروائيين الشباب على الانتباه لهذه النواقص. في الروايات التاريخية الكاتب محكوم بالوقائع التاريخية، وليس له أن يشتط بخياله، ويقول أن الروائي يستطيع أن يكتب ما يريد، فعمله خيالٌ في خيال!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق