ثقافة المقال

اننا نتغير دون أن نعي

هبة الغريبي*
 
لم يعد بمقدور أحدهم اليوم إنكار السلطة التي
صارت تمتلكها شبكات التواصل الاجتماعي على العقل البشري . و ليس هذا القول من قبيل الترهيب أو المبالغة و إنما هو وصف موضوعي و مباشر لما آلت إليه العقول البشرية اليوم. بل إن كل فرد تقريبا اليوم هو إما “مهاجر رقمي” أو “مواطن رقمي” بحسب تصنيف الخبير الأمريكي مارك برينسكي prensky . و هو يضم في هذا التقسيم الفئة العمرية التي تجاوزت سن الخامسة و الثلاثين في الفئة الأولي في حين تنضوي الفئات الأصغر سنا ضمن الفئة الثانية .
و يقوم هذا التقسيم أساسا على مدى تمكن الفرد من كل فئة من التعامل مع الوتيرة المتسارعة للتطور التقني و التكنولوجي . لنجد من جهة أولى “المواطنين الرقميين” و هم صغار السن غالبا في انسجام سلس مع مختلف التغيرات و التطورات و وسائل التواصل . و من جهة ثانية هنالك “المهاجرون ” الذين لم يتخلصوا كليا من “لكنة” الحياة التقليدية في تحدثهم بلغة التكنولوجيا الحديثة .
و لقد اهتم علماء الأعصاب بما يمكن أن تحدثه التقنيات الرقمية في الدماغ البشري من تغييرات في دراسات مختلفة و ندوات علمية عديدة مثل المناقشات الرسمية المفتوحة في مجلس اللوردات في المملكة المتحدة التي تعتني أساسا بتنظيم المواقع الالكترونية بغاية الاهتمام بسلامة الأطفال و عافيتهم .و قد شاركت عالمة الأعصاب البريطانية سوزان غرينفيلد في سنتي 2009 و 2011 بالدراسات التي أنجزتها حول مدي تأثير الانترنات و التقنيات الالكترونية في أعصاب الدماغ البشري ووظائفه . و لقد ركزت هذه الباحثة اهتمامها على رصد هذا التأثير في مختلف مؤلفاتها نذكر منها “أناس الغد” و “الهوية” و ” تغير العقل ” . ز في هذا الأخير ذهبت الى الاقرار بكون “الوجود اليومي المتمركز حول الهاتف الذكي ، و الآيباد و الحاسوب المحمول و أجهزة الاكس بوكس قد يغير جذريا ليس مجرد أنماط حياتنا اليومية ، بل أيضا هوياتنا و حتى أفكارنا الداخلية بطرق لم يسبق لها مثيل ” .
و ليس هذا الاقرار من قبيل التعصب للماضي و التقليدية كما يذهب اليه البعض . فالباحثة ترى حتمية تغير العقل البشري بتغير محيط العيش و العوامل الثقافية و الاجتماعية الحافة بالفرد و هو ما لا تقوم في دحضه أو نفيه حجة . فالتاريخ البشري منذ العصور الأولى أثبت قدرته العائلة على التأقلم و التغير . و لكن هذا التطور الغير مسبوق للتقنيات الرقمية أدى بدوره إلى تغير غير مسبوق في الدماغ المتلقي لها .
لا ننكر في هذا المجال نجاعة التقنيات الرقمية و الانترنات و مساهمتهما المهمة في انتشال الانسانية من صعوبات و عراقيل لا حصر لها. و لكن لا يجب الغرق في الاحتفاء بهذه المكاسب القيمة و تجاهل التفاصيل الصغيرة الهامة المتصلة بها المؤثرة في الذات البشرية عامة و الأطفال و الشباب خاصة . و يبدو أن العديد يرون في “الحكم السليم” و “الاستعمال المنظم” وقاية من أي تغير سلبي يمكن يضر بأدمغتنا. و لكن هذا الحل بالرغم من نجاعته فإنه أقرب إلى الطوباوية الأفلاطونية المغرقة في المثالية منه إلى الواقع الاجتماعي المعيش . اذ أن التزام أقلية محدودة بهذا الاستعمال “المقنن” للتقنيات الرقمية لا يجعل منه حلا ينجح الجميع في تحقيقه و الالتزام به . و الدليل أننا إذا ألقينا نظرة على محيطنا بل على ذواتنا نفسها و مدى استعمالنا للأنترنات سنلفي الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات يتجاوز كثيرا توقعاتنا . اذ يقضي الشبان في الولايات المتحدة الأمريكية في المتوسط ما يفوق الثلاث و خمسين ساعة أسبوعيا أمام شاشات هواتفهم و حواسيبهم و غيرها من التقنيات الرقمية حسب
“Rideout V.J , Foehr U.G and Roberts D.F (2010) generation M2: media in the lives of 8-to 18-years-olds. ”
أي ما يتجاوز السبع ساعات و نصف يوميا . و هو معدل يثير الفزع . فإذا كان الطفل يمضي معدل ثماني ساعات من يومه نائما و ست ساعات في الإطار الدراسي في مختلف مستوياته لتبقى عشر ساعات يقضي منها في المتوسط سبعا أمام الشاشة منغمسا في عالمه الافتراضي . أي أن للطفل اليوم ما معدله ثلاث ساعات من الحياة الواقعية داخل عالم ثلاثي الأبعاد محسوس بل أننا اذا احتسبنا الوقت الذي يقضيه الانسان الطبيعي في حاجياته اليومية من أكل و نظافة و ترتيب الغرفة الخاصة لن يبقى من هذا الوقت شيء . و هي فكرة مرعبة. فالانسان يبني شخصيته و معارفه و مداركه في هذه الفترة الزمنية من خلال ما يعيشه من تجارب مخصوصة تنشئ ذاته . و بالرغم من بداية وعي الكثيرين بمخاطر هذا الانسياق وراء الملهيات الالكترونية و إهدار الوقت فيما لا يدر على صاحبه شيئا يذكر من المنافع فإن النسبة الأكبر من مستعملي هذه التقنيات لا يقرون بتأثيرها على أدمغتهم . ليتجاوز الإشكال في هذا المستوى البحث عن “الحل الناجع” إلى ضرورة الإقرار أولا بأن أدمغتنا تتغير تغيرا لا نعيه و هو أخطر ما في الأمر .
فالوعي بالعلة و إن انعدم علاجها يدفع بالشخص إلى الاحتراز و التيقظ في حين يؤدي الجهل بها أو الرفض بقبول حقيقة وجودها سببا آخر لمزيد الانغماس داخل متاهة العالم الافتراضي أكثر .

*تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق