ثقافة المقال

كَلَامٌ فِي الْبَراجْمَاتِيةْ

بقلم: محسن عبد المعطي محمد عبد ربه

اَلْبَراجْمَاتِيةْ مذهب نفعي أو مبدأ يعتنقه صاحب كل فكر يقيس الأشياء بمقدار العائد أو المنفعة أو المردود الذي سيعود عليه من ورائها وإذا أردنا أن نضرب المثل بأقوى دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية {USA} ورؤسائها نيكسون وجيرالد فورد وجورج بوش وحلفائها من حلف الأطلنطي إنجلترا وأسبانيا واليونان وزعماء تلك الدول لم يذهبوا إلى العراق لسواد عيون العراق إنما من أجل أهداف أخرى وهي إفساد مقدرات الدولة العراقية لصالح العدو الصهيوني الإسرائيلي من جهة والاستيلاء على النفط العراقي من جهة ثانية ونهب المتحف العراقي من جهة ثالثة وسرقة الآثار وكل ما يتعلق بالحضارة البابلية العراقية من جهة رابعة وجذب العقول المعملية العالمية الفذة للعلماء العراقيين والاستفادة بها في مجال الأسلحة والقنابل الذرية ومجال الفضاء ومجال البرمجيات وغيرها ولولا كل هذه المصالح لما طرأت فكرة غزو العراق على عقول الأمريكيين كذلك فإن اليهود والإسرائيليين الذين يحلمون بدولة إسرائيل من النيل إلى الفرات طرأت على أذهانهم فكرة نفعية وهي أن يستوطن بعضهم في العراق ويشتروا فيه بيوتا كما فعلوا في فلسطين وهذا يساعدهم في تحقيق حلمهم الكبير مستقبلا كما انتهز كثير من جنود الاحتلال الأمريكي الفرصة لتحقيق المتعة الجنسية الرخيصة على حساب شعب محتل لا حول له ولا قوة وعلى الجانب الاجتماعي حدثني شاعر وأديب أن الكثير من زملائه براجماتيون لا يجرون إلا وراء مصالحهم فحسب كان لهذا الصديق شقة موقعها متوسط بين القرى والمدن وكان له صديق براجماتي ينزل عليه ضيفا للمنفعة فقط ويحقق من وراء ذلك كسبا ماديا فهو ينام عند صديقه الأعزب في شقته كفندق مجاني وترانزيت يستحم فيه ويستريح من عناء السفر ويتجنب مشقة السفر ليلا وما فيها من أخطار وعندما يطلع النهار يركب القطار إلى بلدته بعد أن استراح من عناء المشوار هذا الصديق البراجماتي استبعد ذات يوم فكرة أن يحاسب لصديقه الذي يستريح عنده في الشقة بخمسين قرشا في الميكروباص لأن ذلك لن يحقق له – في رأيه – مصلحة آنية وذات يوم في التاسعة مساء ذهب إلى زميله صاحب شقة الترانزيت ليبيت ويأكل ويشرب ويستريح مجانا ولكن زميله وصديقه جعل التليفون يقطع ولم يستقبله لأنه عرف أنه براجماتي لا يجري إلا وراء النفع المادي وذهب إلى صاحب الشقة هذا بعض أصدقائه البراجماتيين ليعزوه في وفاة أمه ودخل أحدهم المطبخ ليصنع الشاي وعندما دخل عليه صاحب الشقة التي توفت أمه وجده يدندن والدنيا ليست على باله وسأله صديق براجماتي آخر رغم ظروف وفاة أمه كيف نشرت قصتك الفلانية في مجلة … وحزن صاحب الشقة لأنه رأى أصحابه براجماتيين نفعيين وليسوا كما قال الشاعر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
إِنَّ صَدِيقَ الْحَقِّ مَنْ كَانَ مَعَكْ
وَمَن يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنفَعَكْ
وَمَنْ إِذَا رَيْبُ الزَّمَانِ صَدَّعَكْ
شَتَّتَ فِيكَ شَملَهُ لِيَجْمَعَكْ
وَإِنْ غَدَوْتَ ظَالِماً غَدَا مَعَكْ
وأرى المعلم والطبيب براجماتيين نفعيين وذلك في قول الشاعر :
إِنَّ الْمُعَلِّمَ وَالطَّبِيبَ كِلَيْهِمَا = لَا يَنْصَحَانِ إِذَا هُمَا لَمْ يُكْرَمَا
فَاصْبِرْ لِدَائِكَ إِنْ أَهَنْتَ طَبِيبَهُ = وَاصْبِرْ لِجَهْلِكَ إِنْ جَفَوْتَ مُعَلِّمَا
وَهَذَا الصَّدِيق البراجماتي كان صديقه يعلمه الرماية يوميا كما كان يعلمه نظم القوافي وتأليف القصائد ورغم ذلك انقلب عليه من أجل المنفعة المادية .
يقول الشَّاعِرْ معن بن أوس:
أُعَلِّمُه الرِّمَايَةَ كُلَّ يَومٍ
فَلَمّا اشْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي
وَكَم علمتُه نظمَ القوافِي
فَلما قالَ قافيةً هجاني
وَإِلَيْكَ الْقَصِيدة كاملة :
يَقُولُ الشَّاعِرْ معن بن أوس:
1- أَلا مَن مُبلِغٌ أَبناءَ فَهمٍ = بَمأَلكَةٍ من الرَجل العُماني
2- وَبَلِّغ مُنهِباً وابني خُنَيسِ = وَسعدَ اللاتِ والحيَّ اليماني
3- ومَن أَمسى بحيِّ بني صَريحٍ= إِلى حَرسٍ وحيّ بني عدانِ
4- ومَن حَلَّ الثَنيَّة من كُلاعٍ= إِلى بطنِ المناقِبِ والمثانِ
5- بِلادٌ قد نأى عنها مزاري = وَجيرانُ المجاورَةِ الأَوانِ
6- تَحيَّةَ نازِحٍ أَمسى هَواه= بجَنح البَحرِ من أَرضي عُمان
7- فَحلّوا بالسَراةِ وحل أَهلي= بأَرَضَ عُمانَ في صَرفِ الزَمانِ
8- بَغَتهُ الدارُ من أَبناءِ فهمٍ= ومن أَبناءِ دَوسٍ والقِنان
9- قَتلت مُحَرِّقاً وقتلتُ نَفسي = وَراغَمتُ الأَعادي من أَسانِ
10- وَفي العرنين كنا أَهل عزٍّ= ملكنا بَربَراً وَبَني قِران
11- جلبتُ الخَيلَ من سَرواتِ نَجدٍ= وواصَلتُ الثَنايا غير وانِ
12- صددنا قومَنا الأدنين قٌدما = لَدى بطن المبالغِ والدِعان
13- بِها عِمرانُ من أَولاد عَمروٍ= وَنَسوتُها ذوا النَسَب الأَوانِ
14- وَسرنا بين أَحقافٍ ورَملٍ= وَغَلفاتٍ تَعاطاها بَناني
15- وأَوديَةٍ بها نَعَمٌ وَشاءٌ= يُرِدنَ الماءَ تَنزَحُه السواني
16- بِهِ أَولادُ ناجيةِ بن جَرمٍ= وأَوباشٌ من الأُمَم الغَوانِ
17- جَلَبتُ الخَيلَ من بَرهوتَ شُعثاً= إِلى قَلهاتَ من أَرضي عُمانِ
18- قَتَلتُ بها سراةَ بني قيادٍ= وَحامَيتُ المَعالي غَير وانِ
19- وَفي الهَيجاء كُنّا أَهل بأَس= قَتَلنا بَهمَناً وَبَني كرانِ
20- لقينا خَيلهم عندَ التعادي= بأَبطالِ المرازبَةِ الدِعانِ
21- يؤُمُّون الذُرى وَالخَيلُ تَترى= بفرسانِ اللقاءِ كجنِّ عانِ
22- فَصالَت منهُم الأَملاكُ فيهم= بمُرهَقَةٍ تَحُلُّ عُرى المِتانِ
23- نَصَفناهم فنصفُ الخَيلِ قَتلى= وَنصفُ في الوثاقِ وفي القرانِ
24- ثأرنا المُلكَ يومَ بَني قيادٍ= وَبهمنَ وَالمَنايا في العيانِ
25- فأَضحَتُ بهَمنُ وَبنو قيادٍ= موالينا حيارى في الرَهانِ
26- فأَمتعناهُمُ بالمَنِّ عَفواً= وَجُدنا بالمَكارِمِ والأَوانِ
27- وَجُزتُ مُمَلَّكاً قَطري عُمانٍ= وَقُدتُ الهَيزري مع كلِّ عانِ
28- نَكَحتُ بها فَتاةَ بَني زُهَيرٍ= وَخَوذَةَ بنتَ نَصرِ الأَسودانِ
29- وَجعدةَ بنتَ حارثَة بن حَربٍ= من الحور المُحَبَّرةِ الحِسانِ
30- وأُمُّ جَذيمةٍ وَهناةَ بِكرٌ= عَقيلَةُ من ذُرى العربِ الهِجانِ
31- وَمَعنٌ والعميقي ثم عَمروٌ= وَحارِثُ منهم ذَرِبُ اللسانِ
32- شربتُ الماءَ من قَطري عمان= فَلَم أَرَ مِثلَ ماء البَيذحانِ
33- فَيا عَجَباً لمن رَبَّيتُ طِفلاً = أُلَقِّمُه بأَطرافِ البَنانِ
34- جَزَاهُ اللَهُ من وَلَدٍ جزاءً= سُلَيمَةَ إِنَّهُ شَراً جزاني
35- أُعَلِّمُه الرِّمَايَةَ كُلَّ يَومٍ= فَلَمّا اشْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي
36- وَكَم علمتُه نظمَ القوافِي= فَلما قالَ قافيةً هجاني
37- أَعلَّمه الفُتُوَّة كل وَقتٍ= فَلَمّا طَرَّ شارِبُه جَفاني
38- رَمى عَيني بِسَهمٍ أَشقَذيٍّ= حَديدٍ شَفرتَاهُ لهذَمانِ
39- توخّاني بِقَدحٍ شَكَّ قَلبي= دَقيقٍ قد بَرَته الراحَتان
40- فأَهوى سَهمه كالبَرقِ حَتىّ= أَصابَ به الفؤادَ وما اتَّقاني
41- فَلا ظَفَرتِ يَداهُ حينَ يَرمي= وَشُلَّت منه حامِلةُ البَنانِ
42- فَبَكوا يا بَنيَّ عليَّ حَولا= ورَثُّوني وَجازوا من رَمَانِي
وقد حدثت كثيرا من البراجماتيين عن موهبتي وأنني أكتب الشعر وأنشره في المجلات المختلفة وكذلك القصة والسيناريو والدراسات الأدبية دون مقابل مادي فأبدوا تعجبهم من ذلك وأخبروني أنه طالما ليس هناك نفع مادي فلا طائل ولا فائدة ولا جدوى من ذلك .
قلت لهم : الشهرة والمجد والذكر بعد آلاف السنين فأخبروني ألا فائدة من ذلك أيضا طالما ليس هناك نفع مادي
ولا يعترفون بقول الشاعر :
وَفَضْلٌ كٌلِّ امْرئٍ مَا كَانَ يَعْلَمُهُ = وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ
فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعِشْ حَيًّا بِهِ أَبَداً = فَالنَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق