ثقافة المقال

تأثير التطور التكنولوجي في مجال الفنون البصرية

إيمان المحظي*

منذ مطلع القرن العشرين، إجتاحت التكنولوجيا العالم لتحوله الى قرية كونيّة ، ذلك أنّ الثورة المعلوماتيّة غيرت المنظومة الفكريّة السائدة وقلبت موازين الحياة، سواء كان ذلك من خلال تناول الموضوعات أم من حيث تسليط الضوء على سمات العلاقات الإنسانيّة في المجتمع ضمن تمثل جديد لمفهوم المعاصرة. فتحت الثورة الرقميّة للفن عالما افتراضيا موازيا للعالم الواقعي، مكّن الفنّ من إستعمال أدوات ووسائل جديدة، تأتمر بأوامر أنظمة الذكاء الإصطناعي وتخضع الواقع لجملة من التساؤلات حول حقيقة الوجود في حدّ ذاته. ويطلق مصطلح الثورة الرقميّة على العصر الحالي بعد الإندماج بين تكنولوجيّا المعلوماتيّة والإتصال، فالعولمة هي الثقافة العالمية والاقتصادية الجديدة ، التي غزت مختلف مجالات الحياة بتنوع وسائل الاتصال و تطورها كالحاسوب و الهواتف الذكية . وهي ثقافة ما بعد المكتوب حيث طغت ثقافة الصورة و تجاوزت الحدود الجغرافية ، لتتقاطع مع جملة من المفاهيم كالإيدولوجيا و الحداثة و العالمية ، و تطلق إمكانات لا محدودة في مختلف مجالات الحياة اليومية . إن مئات ملايين الناس يتعاملون يومياً مع لغة الصور. إنهم يصنعون أيضا البيئة البصرية التي باتت جزء من الثقافة اليومية والتي لا إستغناء عنها .

إنّها ثورة حقيقيّة قادتها الصّورة عبر محامل مختلفة ووسائط متعدّدة ما يجعلنا نتحدّث بطريقة جادّة عن فنّ افتراضيّ في مقابل فنّ واقعيّ كان قد تقهقر منذ عدّة عقود بفعل سطوة الوافد وانتشار الموضة. ولعلّنا رغم تهيّبنا لمدى خطورته، لا نعدم ككلّ مُتقبّل لذّة وصوله إلينا بتلك الطّريقة السّهلة التي لا يكاد يبذل فيها الإنسان مجهودا يذكر.. فالمجهود الذي كان يبذله قارئ الكتاب في السّابق ليُكمل قراءة كتاب وَرَقِيٍّ يمسح ثلاثمائة صفحة مثلا ويستغرق أيّاما قد تطول أو تقصر، صار يستهلكه مَنْ يُشاهد فيلما خلال ساعتين من الزّمن لا أكثر، وأصبح لا يحتاج إلى فضاء مُخصّص لعرض الفيلم.. بل يستطيع أن يشاهده في مقهى أو في السيّارة أو الطّائرة أو ركن صغير في بيته.

إنّ الثّقافة الالكترونيّة السّائدة جعلت الكتابة تفقد بريقها القديم، فما لم يتمّ تقديم المضمون بشكل موجز يتطابق وقدرة المتقبّل العابر من صفحات الفايسبوك مثلا على الاستهلاك السّريع فلن يجد ذلك المضمون صدى لدى متصفّحي ذلك الفضاء، وهذا ينسحب على شتّى أنواع الفنون. في المقابل فسحت التّكنولوجيا المجال للصّورة التي يمكن اعتبارها سيّدة هذا العصر بلا نزاع ومن ثَمَّ يستطيع أيّ منّا أن يعلن عن وجود ثورة بصريّة مكّنتها التّكنولوجيا من أن تنتشر كالنّار في الهشيم !

هنا لا مناص من إلقاء الضّوء على إمكانات التّكنولوجيا في نشر الوعي والتّسويق الإيجابي للخصوصيّات الثّقافيّة، ذلك أنّ القضيّة تكمن في حسن استثمار التّقنية التي نستعملها من عدمه فإذا أجدنا توظيف الانترنت استطعنا أن نعرّف بالمحتويات الثقافيّة لمجتمعاتنا وجعلنا من المحليّة الضيّقة مدارا للعالميّة حيث أنّ الإنتاج المحلّي للشّعوب يحمل في طيّاته بذور الجدّة والطّرافة ويرسّخ فكرة الثّراء الكوني التي تميّز الإنسان عن الإنسان وِفْقًا لتأثير معطيات البيئة والجغرافيا والتّاريخ أساسا، فعلى سبيل المثال نجد أنّ التّراث مصدر خصب لإنتاج مادّة ثقافيّة مميّزة ولاستلهام جملة من الأفكار التي تجعل من الإبداع الفردي أو الجماعيّ فريدا، وبذلك تُكمّل الإنسانيّة بعضها بعضا عبر الثّقافة. النّتيجة أنّ التّراث واللّغة والدّين والفنّ وغير ذلك ممّا يمكن أن نسمّيه رؤى العالم، هي مصادر لإثراء فضاءات التّواصل الاجتماعي في مجتمع المعلومات.

وفي الإطار ذاته استطاع الفنّ التّشكيلي الذي استفاد من الرّقمنة أن ينفذ إلى عوالم جديدة ربّما لم تكن متاحة من قبل، وتمكّن الفنّان التّشكيلي من الاستفادة من مفاهيم مُغايرة وكلّ ذلك أفرز مقوّمات حديثة لتشكيل اللّوحة الفنيّة، فمع انتشار الحواسيب انتشرت برامج رقميّة صارت بمثابة الأدوات التي يُمكن للرسّام استخدامها تماما مثل استخدامه للرّيشة والألوان في اللّوحة التّقليديّة.

وقد نجحت تلك البرامج الرقميّة في جذب الفنّانين الباحثين عن أدوات ومضامين غير مطروقة من قبل، وهو ما جدّد في مفهوم الإبداع باعتباره الإتيان بشيء جديد على منوال سابق إذا اعتبرنا أنّ الصّورة الرقميّة لا تنتمي بشكل مباشر إلى المنوال السّابق المتمثّل في اللّوحة بما أنّها المحمل الأصيل لتشكيل الرّسمة.. وهو ما ينسحب على فنّ النّحت انطلاقا من الرّسومات التّاريخيّة المحفورة في جدران الكهوف والمغاور والقلاع وغيرها.. إذن شهد “المنوال” تحوّلا غير مسبوق بحيث أصبح عبارة عن شاشة إلكترونيّة صغيرة تُخفي برنامجا رقميّا يحتوي على تقنيات مختلفة تُساعد بلا شكّ في إنتاج مادّة فنيّة مختلفة تخضع إلى المؤثّرات المتنوعّة التي يُدخلها الرسّام على الصّورة الرقميّة حتّى تستوي لوحة قائمة الذّات تُعرض من بعد في الأروقة كما تُعرض اللّوحات التشكيليّة “التّقليديّة”، واستعملانا لمصطلح “التّقليديّة” هنا ليس من منطلق تفاضليّ بين القديم والحديث ولكن من باب التّنويه بأهميّة هذا العمل الفنيّ المستحدث المُتكوّن من عنصرين رئيسيّين هما الصّورة الرقميّة والمؤثّرات الطّارئة عليها.

لقد تلقّف فنّان اليوم التّقنيات التي أتاحها الحاسوب فوظّفها بما يسمح له بتقديم منتوج مختلف عن السّائد، ولئن كان النقّاد أساسا هم الفئة المُخوّلة لتحديد مدى نجاحه ومستويات تجديده فإنّنا نستطيع أن نُلفت الانتباه إلى إسهامه في بلورة ملامح ثورة إبداعيّة استفادت من التّكنولوجيا ولعب الرسّام فيها دور المُتحكّم في سيرورة ما يمكن أن تمنحه التّقنية من إضافات وإضاءات فهو هنا أشبه بالمُخرج السّينمائي الذي يستغلّ كلّ المقوّمات البشريّة والطبيعيّة والتقنيّة من أجل تحقيق الرّسالة التي يحملها المضمون الفنيّ الذي يشتغل عليه. وبذلك فإنّ تدخّل يد الرسّام وفكره ووعيه في الصّورة الرقميّة جعل منها صورة أو لوحة فنيّة لم تعدم اللّمسة الإبداعيّة الإنسانيّة شأنها شأن اللّوحة التّقليديّة.

بناء على كلّ ما تقدّم نفهم جملة من المتغيّرات التي أحدثتها ثقافة الصّورة وندرك حجم انعكاساتها على الأفراد والمجتمعات، و نقف خاصّة عند إثارتها لحسّ الفنّان الذي قاده حدسه الفنيّ إلى ضرورة استثمارها والاستفادة منها باعتبارها وافدا على العصر.. فهذا الوافد زمنيّ وليس مكانيّا لأنّه طارئ على عصر تعيش فيه الإنسانيّة على وقع العولمة التي جعلت من العالم قرية كونيّة.. ولم يكن طارئا على بيئة خاصّة أو جغرافيا بعينها..، والفنّانون التشكيليّون الذين رأينا أن تكون أعمالهم موضوعا للدّرس من حيث المقاربات التي طرحوها والأعمال التي أنتجوها والإضافة التي قدّموها، هم أمثلة على ملامح تلك الثّورة الإبداعيّة الرقميّة البصريّة، وأعمالهم نماذج للمنتوج الفنّي الجديد والذي أشرنا إليه في أكثر من مناسبة في معرض حديثنا هذا.

ولا ريب أنّ اللّمسة الفنيّة للمبدع كفيلة بأن تؤكّد مبدأ حسن التّوظيف وتقلّص من حدّة حالة الاستهلاك التي أضحى عليها المتقبّل الفاقد لأدنى مقوّمات الوعي بالتّمييز بين مختلف المنتجات المستهلكة والمسلوب من أسلحة الحصانة المعريّة والذوقيّة.

باحثة وفنانة تشكيلية تونسية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق