ثقافة المقال

فلسفة الإنسان في تصوف عبد الكريم الجيلي (1)

ميثم الجنابي

الإنسان بؤرة الوجود الحق

جعل عبد الكريم الجيلي (767-826 هجرية) من الإنسان مثلا وتجسيدا حيا لله. فهو يحوي في ذاته على صفات الله جميعا. وبالتالي، فإنه يستحيل نفيه وإفتاءه. فهو يحتوي في ذاته مطلق الوجود، وفيه الأزلية والأبدية، وذلك لأنه على “أنموذج الحق” بحكم وجوده، ويصبح إنسانا حقا، حقيقيا وكاملا في حال تكامله على “أنموذج الحق”.
إن تكامل الإنسان على “أنموذج الحق” يجعل من هيكله الإنساني فردا كاملا وغوثا جامعا عليه يدور أمر الوجود ويكون له الركوع والسجود وبه يحفظ الله العالم، كما يقول الجيلي. ولا يعني ذلك سوى أن الإنسان قادر على تخطي الحدود أيا كانت ما زال المطلق هو مصدر وجوده وديمومته. وبالتالي، فإن نواحي الكمال لا تتناهى في أنموذجها، وهي المعبر عنها في تقاليد الإسلام بالمهدي والخاتم والخليفة، أي “الإنسان الكامل”، الذي تنجذب حقائق الموجودات إلى امتثال أمره انجذاب الحديد إلى حجر المغناطيس، ويقهر الكون بعظمته والفعل ما يشاء بقدرته فلا يحجب عنه شيء.
لم يسع الجيلي إلى جعل الإنسان إلها، ولكنه سعى إلى جعل الالوهة فيه امتدادا لرحمة الوجود. ومن ثم تحويله إلى أنموذج مطلق يسري في صيرورة التاريخ الإنساني، باعتباره “قطبا تدور عليه أفلاك الوجود”. بعبارة أخرى، ليس “الإنسان الكامل” سوى الأنموذج المطلق للكمال الإنساني. ومن ثم فهو “خارج” التاريخ وداخله، لأنه يتمثل في ذاته وحدة الوجود والعدم على مثال الحق. من هنا فكرة الجيلي عن أن الإنسان الكامل هو “واحد مذ كان الوجود إلى أبد الآبدين”. بمعنى أنه وجود وأنموذج مطلق للإنسان في كل مكان وزمان، والشيء الوحيد المتغير فيه هو “تنوعه في الملابس”، كما يقول الجيلي. ومن ثم فإن تنوعه في التاريخ يشكل سلسلة الكمال الإنساني أو حلقاته المترابطة. وبالتالي، فإن الكمل (الكاملون) في الناس كل منهم “نسخة للآخر” في سلسلة الوجود. وإذا كان الجيلي يطلق على “الإنسان الكامل الأصلي” أسم محمد، فلأنه مثال الوجود التاريخي للثقافة التي بلورت شخصية الجيلي وتراثه الصوفي. لهذا نراه يتكلم عما اسماه باجتماعه وإياه وهو بصورة شيخه شرف الدين إسماعيل الجبرتي بمنطقة زبيد عام 796 هجرية.
ولم يقصد الجيلي بذلك استعادة فكرة تناسخ الأرواح، وذلك لأن “الإنسان الكامل” في منظومته ليس استعادة للماضي، بقدر ما هي صيرورة دائمة لأنموذج. أنه ليس استعادة باهتة أو لامعة، كما أنه لا تكرار فيه. أنه يتمثل ويمثل العملية الذاتية لحقائق الوجود نفسها وصقلها الدائم. ومن ثم، فإنه تمثيل للفردية والفردانية الإنسانية في جبروتها الساعي لتوليف حقائق الملك (الطبيعة) والملكوت (ما وراء الطبيعة) في ذاته عبر جعلها مرآة تجليه الدائم. من هنا استنتاج الجيلي عن أن “محمدا بإمكانه أن يتصور بصورة في كل زمان بصورة أكملهم ليعلي شأنهم. فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم”. أي أن ظهور الإنسان الكامل هو استمرار خلافته للحقيقة المحمدية، أي لفكرة الكمال المطلق. وبالتالي فإنه لا نهاية في ظهور “محمد”، أي لا حد محدود في التجديد الدائم والارتقاء الدائم للأفراد والجماعات والأمم. كما أنه لا صيغة واحدة وأنموذج واحد فيه. إن الوحدة في حقيقة الكمال، أما الكمال فإنه قابل للتصور بصورة لا تتناهى. والإنسان الكامل هو الكيان المتنوع في الصور. ومن ثم، فإن لكل مرحلة وتاريخ وشعب وأمة ودين ناسه الكاملين. ذلك يعني أن الإنسان الكامل يحمل في منظومة الجيلي طابعا كونيا. وهي كونية تستمد مقوماتها مما فيه من “مقابلة الحقائق الوجودية والعلوية” كما يقول الجيلي.
إذ يضع الجيلي في الإنسان الكامل كل مكونات الملك والملكوت والجبروت. وبالتالي ليس الإنسان الكامل، سوى الكيان الذي يحتوي في ذاته على كل شيء مما في عوالم الملكوت (الماوراطبيعي) من عرش وكرسي وسدرة المنتهى والقلم الأعلى واللوح المحفوظ. كما أن فيه استمرارها الوجودي في العناصر والهيولي والهباء واستمرارها في الأفلاك المجردة وسماواتها وأفلاكها الطبيعية واستمرارها الطبيعي في مبادئ الحياة من نار وتراب وماء وهواء ومستواها الأدنى في الغرائز. بعبارة أخرى، إن الإنسان يحتوي على كل شيء! والإنسان الكامل، بالتالي، ليس كيانا مجردا خارج الملك (الطبيعة) والملكوت (ما وراء الطبيعة)، بل هو الكيان الذي يحتوي في ذاته على مكوناتهما جميعا، بحيث يجعل من قلبه وأنيته ومقامه وعقله ونفسه وطبعه وقابليته وهيكله ورأيه وإدراكه وهمته ووهمه وهمومه وفهمه وخياله وفكره وذاكرته وجميع قواه الحسية وعناصر وجوده الطبيعية من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وخواطره ووساوسه وغرائزه (حيوانيته) حقائقا مقابلة للحقائق الوجودية والعلوية. حينذاك فقط يمكنه أن يكون كاملا.
مما سبق يتضح، بأن الإنسان الكامل في منظومة الجيلي هو ليس “سوبرمان”، بل أنموذج للكمال الإنساني الفاعل بمعايير الحق المطلق. فهو يجسد في ذاته تناسب الأوزان الضرورية للفعل الأخلاقي المتسامي. إذ فيه تتناسب وتتكامل مكونات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي، وبالتالي، فإنه ممثل الوحدة. إذ فيه من كل شيء نسبة معقولة ومتجانسة من أقصى مكونات المطلق (الحقائق العلوية) إلى أدنى تجلياته في الشيطنة والبهيمية (يتبع….).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق