ثقافة المقال

BIG MAGIC

بقلم الكاتبة إليزابيث جيلبرت Elizabeth Gilbert
ترجمة لمى عيسى

وجود يفوق الحد
“الحياة الخلاقة “، أرجو أن تَعوا أنني عندما اتحدث عن الحياة الخلاقة، فهنا أنا لا أتكلم بالضرورة عن مواصلة حياة مكّرسة مهنيا أو حصريا للفنون.
أي أنني لا أقول بأنه عليك أن تصبح شاعرا يعيش على قمة جبلٍ في اليونان ، أو عليك أن تؤدي دوراً في قاعة كارنيجي، أو تفوز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي. (لكن إن أردت تجريب أي من تلك الأعمال، فقم بها و بكل الوسائل، فبالنسبة لي أحب مشاهدة الناس يتمايلون على المدرجات).
لكن لا، فعندما أذكر “الحياة الخلاقة”، فإنني أتكلم، و بشكل أوسع عن عيشِ حياةٍ يدفعها الفضول أكثر مما يدفعها الخوف.
و هنا سأذكر واحدة من أروع الأمثلة عن الحياة الخلاقة التي عرفتها في السنوات الأخيرة، صديقتي سوزان، التي احترفت التزلج على الجليد عندما أصبحت في الأربعين من عمرها.
و لأكون أكثر دقة، ففي الواقع أنها كانت تعرف كيف تتزلج ،لأنها مارست التزلج على الجليد عندما كانت طفلة ، ولطالما أحبت ذلك، لكن و في سن المراهقة ، اعتزلت الرياضة ، حيث أصبح من الواضح أنها لم تكن موهوبة بما يكفي لتكون بطلة. ( المراهقة الجميلة -ذلك السن حيث يتم طرد “الموهوبين” رسميًا من الفِرق، مما يضع العبء الكلي لأحلام المجتمع الإبداعية على أكتاف قلّة مختارة، في حين يُحكم على البقية بالعيش حياة مبتذلة و خالية من الإلهام! ياله من نظام!
و بعد ذلك، و تحديداً في الربع التالي من القرن، لم تتزلج سوزان .
ولكن لمَ الانزعاج في حال لم يتسنّى لك أن تكون الأفضل؟
وعندما أصبحت في الأربعين من عمرها شعرت بالفتور و القلق و الكآبة والثقل ، فبحثت داخل روحها عمّا يبعث السرور في نفسها كآماني المرء في أعياد الميلاد ،سائلة نفسها متى كانت آخر مرة شعرت فيها بالرشاقة والفرح و الخفة -نعم – لقد أدركت أن الإبداع يكمن في جسدها .
ولصدمتها، أدركت أنه قد مرت عقود منذ أن شعرت بذلك. و في الواقع أن آخر مرة شهدت مثل هذه المشاعر كانت في سن المراهقة، حيث كانت لاتزال تتزلج.
ولكنها تخوفت عندما اكتشفت أنها حرمت نفسها من السعي وراء حياة أكثر قيمة ، وهذا ما أثار فضولها لتعرف ما إذا كانت لا تزال تحب التزلج .
و لهذا السبب تَبِعتْ فضولها ،و اشترت زوج من الزلاجات، و وجدت حلبة تزلج، و وظّفت مدرب ، و بهذا تجاهلت ذلك الصوت داخلها الذي أخبرها أنها تعيش بلا هدف و من المحال القيام بمثل ذلك الشيء الجنوني .
لقد كبتت مشاعر القلق و الخوف من كونها المرأة الوحيدة في منتصف العمر على الجليد بين كل هؤلاء الفتيات الصغيرات الرشيقات كالريشة، في التاسعة من عمرهنّ.
نعم ، لقد فعلتها .
وفي صباح ثلاثة أيام من الأسبوع، كانت سوزان تستيقظ قبل الفجر، و في تلك الساعة التي سبقت بدء عملها -الذي يتطلب الكثير من الوقت- كانت تتزلج، و تتزلج وتتزلج و تتزلج ،و نعم ، لقد أحبّته كأي وقت مضى ، بل أحبّته أكثر من أي وقتٍ مضى، ربما لأنها الآن-و كبالغة- أصبحت تمتلك ذلك المفهوم الذي تقدر من خلاله قيمة حياتها .
فالتزلج جعلها تشعر بأنها حيّة و شابة ، فلم تعد تشعر أنها مجرد مُستهلكة ، و أن حياتها لم تكن أكثر من مجرد حاصل التزاماتها و واجباتها اليومية ، حيث أنها غدت تصنع شيئاً من نفسها و مع نفسها.
لقد كانت ثورة ، ثورة حقيقية ، بينما تنسج حياتها مرة أخرى فوق الجليد ، ثورة بعد ثورة بعد ثورة..
من فضلكم، لاحظوا معي ، أن صديقتي لم تستقلْ من وظيفتها و لم تَبعْ منزلها ، و لم تقطع علاقاتها بأحد ، و تنتقل إلى تورونتو لتتدرب و لسبعين ساعة في الأسبوع مع مدرب على المستوى الأولمبي .
فهذه القصة لم تنتهِ بفوزها بأي من ميداليات البطولة، فلاداعي لذلك في الواقع ، ولم تنتهِ هذه القصة على الإطلاق، لأن سوزان لا تزال تفكر في التزلج عدة أيام في الأسبوع -ببساطة ، لأن التزلج هو الطريقة الأفضل لإظهار بعض الجمال و التألق في حياتها ،و التي لا يبدو أنها تستطيع الوصول إليها إلا من خلاله. فهي ترغب في قضاء أكبر قدر ممكن من الوقت في مثل هذه الحالة من السمو و التألق بينما لا تزال هي هنا على الأرض.
هذا كل مافي الأمر.
فهذا ما أسميه الحياة الخلاقة.
ففي الوقت الذي تكون فيه تلك السبل هي نتائج الحياة الخلاقة ، فإنها ستنتقل من شخص لآخر. وهنا أستطيع أن أضمن لكم هذا: أن الحياة الخلاقة هي حياة متطورة ،و هامة ، و أكثر سعادة و امتداداً ، و فيها الكثيرِ من الأشياء الممتعة و المثيرة للاهتمام. فالعيش بهذه الطريقة -يجتذب الجواهر المخبأة بداخلك عن طريق الاستمرار و العناد -فهذا فن جميل بحد ذاته!.
و اخيراً ، حيثما توجد الحياة الخلاقة و المبدعة ، سيبقى السحر العظيم دائماً و أبداً.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق