قراءات ودراسات

منهجية داود سلمان الشويلي في دراساته النقدية

دراسة وصفية- تحليلية مشاركة في الاكتتاب الموسوم
((المنجز الأدبي في ذي قار (لسانيا و نقديا) دراسات تحليلية))
المحور الثاني/ المحور الإبداعي الذيقاري دراسة في المعطى النقدي

عباس عجاج – العراق

تقديم:
تعددت أوجه دراسة النصوص الأدبية، ونقدها لدى النقاد العرب الأوائل إذ اعتمدوا نظريات عديدة لدراسة النص الأدبي، ونقده، منها نظرية الموازنة للآمدي، ونظرية النظم للجرجاني، ونظرية اللفظ والمعنى للجاحظ، حتى وصلنا للقرن العشرين حيث كتب المبدعون العرب رواياتهم وقصصهم القصيرة و قصائدهم الشعرية التي غالبا ما اتبعت النهج والأسلوب الغربي في الكتابة، فكانت نظريات العرب الأوائل، وكذلك الدراسات النقدية التي تناولت النصوص الأدبية منذ بداية القرن العشرين إلى فترة السبعينات، والتي تعتمد في نظرتها إلى النص على الذوق، والتقييم، والتقويم، والتي تضافرت فيما بينها لتقديم تلك النصوص.
وتكمن أهمية النقد الأدبي كونه حقلًا مهمًا من حقول المعرفة، متصلا بالأدب، إذ تظهر من خلاله قيمة العمل الأدبي وأهميته، وخصوصيته الفنية, و لا يقل أهمية عن المنجز الإبداعي للكاتب أو الشاعر, بل يشكلان ثنائية متلازمة, فلا وجود لأحدهما دون وجود الآخر, وتنقسم المناهج النقدية المعاصرة إلى أنواع متعددة وفق طريقة تعاملها مع النص الأدبي والزاوية التي تركز عليها في النص لدراسته، ومن أهم المناهج النقدية المعاصرة التي تأثر بها النقاد العرب, و العراقيون خاصة, البنيوية و الأسلوبية, اضافة للنقد الثقافي.
وفي هذه الدراسة سنتناول شخصية أدبية ذيقارية ساهمت بشكل فاعل في تنشيط الحراك النقدي في محافظة ذي قار, واتخذت لها أسلوبا نقديا مميزا, و سنتطرق بشيء من التفصيل الذي يتيحه مجال البحث لذلك الأسلوب, والسيرة الشخصية لتلك الشخصية.
***
الأدب الذي قاري- نظرة عامة:
تعد محافظة ذي قار من أبرز المحافظات العراقية الزاخرة بفنون الأدب, إن لم تكن نبض العراق الدافق نثرا و شعرا, و يشكل الأدب سمة من سماتها, و علامة بارزة من معالمها الحضارية, لذا نجد أن الأدب الذيقاري لا يقتصر على الفعاليات التي تنظمها المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي, الحكومية منها و المدنية, بل نجده متلازمة للشؤون الحياتية في المجتمع, من خلال دواوينها, و مناسباتها العامة, و الخاصة, و لطالما كان الأديب الذيقاري يتربع على المراتب العليا في منصات التتويج, و حاصدا للجوائز الكبرى, و حاضرا في المحافل المحلية و العربية و العالمية.
وإذ تعد الحركة النقدية متلازمة للمنجز الإبداعي, إذ لا أثر لأحدهما في غياب الآخر, وكلاهما متمم ومساهم في تنشيط مسار الآخر, فقد برزت عدة أسماء لامعة أثرت الساحة النقدية في محافظة ذي قار, منها: صباح محسن كاظم, د. خالد حوير شمس, عمار ابراهيم عزت, محمد المياحي, د. أثير الغزي, مسار الناصري, حسن عبدالرزاق, و د. ياسر البراك, اياد الشمري, أمجد نجم الزيدي, عبدالرزاق الغالبي, و آخرين.
و تزخر المكتبات العربية بالإصدارات الأدبية لمبدعي المحافظة, بكافة أنواع الفنون الأدبية, وقد ساهم ظهور الانترنت وانتشار صفحات التواصل الاجتماعي بإثبات علو كعب الأديب الذيقاري, و حضوره المميز.
ومن بين تلك الأسماء التي استطاعت أن تتخذ لها مكانة و حيزا في هذا الوسط يبرز اسم الأديب داود سلمان الشويلي, تولد 1952, كاتبا موسوعيا, متعدد المواهب و المنجزات, فقد بدأ حياته الدراسية في مدرسة الشرقية النموذجية الابتدائية عام 1958 وانتسب الى فرقة كشافتها وهو في الصف الرابع الابتدائي، واشترك في فرقتها الفنية للتمثيل، وشارك في معرض التربية للمدارس في الفن التشكيلي, درس في متوسطة الناصرية وشارك في فرقة جوالتها، ودرس في اعدادية الناصرية للبنين، وشارك في معرض التربية للإعداديات بتسع لوحات من الفن التشكيلي, ومن ثم أكمل دراسته الاعدادية في بغداد, ومن بعد تخرج من كلية الهندسة التكنلوجية، ثم عمل ضابطا مهندسا في القوة الجوية, قبل أن يحال على التقاعد عام 1992 برتبة رائد مهندس.
– عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
– عضو اتحاد الأدباء العرب.
– عضو جمعية الشعراء الشعبيين في العراق.
– عضو الهيئة الادارية لجمعية الشعراء الشعبيين في الناصرية عام 1990.
بدأ حياته الأدبية بكتابة الشعر والقصة القصيرة أثناء الدراسة المتوسطة, إذ نشر أول قصصه القصيرة عندما كان عمرة ستة عشر عاما، سنة 1968، وكذلك قصائد من الشعر العامي, و كتب الرواية والقصة القصيرة والنقد والدراسات التراثية/ الفلوكلورية, وله من الإصدارات المطبوعة:
1 – القصص الشعبي العراقي من خلال المنهج المورفولوجي – دراسة – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة -1986 .
2 – أبابيل – رواية – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة- 1988.
3 – طائر العنقاء – قصص قصيرة – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة- 1988.
4 – طريق الشمس – رواية – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة -2001.
5 – الف ليلة وليلة وسحر السردية العربية – دراسات – ط1 – اتحاد الكتاب العرب – دمشق – 2000.
6 – الف ليلة وليلة وسحر السردية العربية – طبعة ثانية مزيدة ومنقحة – 2019 – معهد الشارقة للتراث – الشارقة.
7- الف ليلة وليلة وسحر السردية العربية – طبعة ثالثة مزيدة ومنقحة – 2020 – دار الورشة – بغداد.
8- الذئب والخراف المهضومة – دراسات في التناص الابداعي – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة- 2001.
9 – الجنس في الرواية العراقية – دراسات – دار المتن للطباعة والنشر – 2018.
10 – أوراق المجهول – رواية – دار المتن للطباعة والنشر – 2019.
11 – التشابيه – رواية – مطبعة الحسام – ذي قار– 2019.
12 – نخلة خوص سعفها كثيف – رواية – دار فنون – القاهرة – 2020.
13 – القصص الشعبي العربي – دراسات وتحليل – دار الشؤون الثقافية العامة –بغداد-2020.
كما له مجاميع قصصية مشتركة أخرى (1), و شارك مع مجموعة من النقاد في الكتب التالية:
1 – كيف نكتب رواية ناجحة – من اعداد الروائي كاظم الشويلي – 2019.
2 – مفتتح خيارات الأسماء لكائنات سجال الركابي – تحرير اسماعيل ابراهيم عبد – مع مجموعة من النقاد – 2019 .
3 – فن الرواية في سرديات زيد الشهيد – تقديم واعداد د. فوزية لعيوس الجابري – مع مجموعة من النقاد – 2019.
4 – الخطاب الثائر لسانيا ونقديا – اعداد د. خالد حوير الشمس – 2020.
5– ارتحالات عوليس- دراسات عن رواية قنزة ونزة – مع مجموعة من النقاد -2020.
نشر دراساته في الصحف والمجلات الأدبية العراقية والعربية والمواقع الالكترونية المتعددة.
***
الشويلي ناقدا:
لم يقف المنجز الإبداعي للأستاذ/ داود سلمان الشويلي عند حد الكتابة السردية بنوعيها القصصي والروائي, أو التوقف عند البحوث والدراسات البحثية, بل امتد للخوض في الدراسات النقدية, واستطاع أن يكتسب شخصية ناقدة متخصصة, إذ اتجه نحو دراسة الاتساق النصي, معتمدا على الدراسة الوصفية الاحصائية في الدراسات التي تناولها مشرطه النقدي, انطلاقا من منظور ربط الأفكار من خلال الأدوات الشكلیة والروابط النصیة كالإحالة و الربط في ميدان الاتساق, والاهتمام بالعلاقات الخفیة التي تنتج عنها دلالة النص في مفهوم الانسجام النصي من حيث نظرته للاتساق كخطوة مبدئیة للوصول إلى الانسجام داخل النص, والذي يحقق في مجمله مفهوم التماسك النصي, الذي يعد هدف لكل مشروع كتابي متكامل, منطلقا من دراسة الخطوط العامة للسانیات النص و تطبيق خصائصها.
وقد انطلق الناقد داود سلمان الشويلي في دراساته اللسانية مبتدءا بتعريف النقد اللساني هو: لسانيات النص هي فرع معرفي نشأ في أوربا في ستينيات القرن المنصرم، ويبحث في النص بإعتباره أعلى وحدة لغوية بعد الجملة.
وقد جاءت هذه الدراسات التي يكتبها الناقد لتوسع من الدراسات التي تتناول الجملة، لأن الجملة لا تقدم سوى الضئيل بالنسبة لما يقدمه النص، فما الجملة إلا جزء صغير بالقياس بالنص، وما يقدمه النص يمثل المعنى الكلي، على حين الذي تقدمه الجملة يمثل جزءاً فقط من المعنى العام .
وحسب” فان دايك”، فإنه:((يصف الجوانب المختلفة لأشكال الاستعمال اللغوي وأشكال الاتصال وتوضيحها، كما تحلل في العلوم المختلفة في ترابطها الداخلي والخارجي )).
وقد لخص صبحي ابراهيم الفقي مهام لسانيات النص، ومما ذكره:(( إحصاء الأدوات والروابط التي تساهم في التحليل، ودورها في تماسك النص.)).
وقد بدا واضحا اهتمام الشويلي أنه يركز على أدوات الوصل والربط بين الجمل، أو في داخلها، في النص المدروس الذي يتناوله من الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والقصيرة جداً، و من فن الخطابة.
***
تماسك النص:
في النصوص الأدبية التي تناول دراستها، نثرية أو شعرية، انطلق من حيث ما يحتاج النص الأدبي في حالة تداوله إلى العوامل التي تساعده على أن يكون نصاً متماسكاً، إضافة لمنتجه والوسط اللغوي، إذ يحتاج إلى متلقي، وكذلك، إلى عوامل الإتّساق والإنسجام التي تقوم بذلك.
والتماسك النصي هو هدف كل عمل كتابي مهما كان نوعه، إلّا أن ذلك يتم بصور متفاوتة، وهذا لا يتم ما لم تتضافر عوامل ثلاثة للنص، هي:
– وحدة الفكرة .
– طبيعة المنتج.
– الوسط الناقل للنص .
فـ((المنتج بفكرته: هو من يضع النص ويصنع تماسكه النصي، ويقيم له العلاقات الدلالية واللغوية، والنص بالنسبة لمنتجه خطاب تام غني عن التأويل. ولا يحتاج للمتلقي حتى يتحصل على صفة النصية أو الخطاب، وإ ن بقي بين دفتي كتاب لم ي ّ طلع عليه متلق.
والوسط الناقل، أي (اللغة): وهي وعاء الدلالة، بها تنقل الأفكار من جيل لآخر. أما المتلقي فله أن يأخذ بالنص كما هو لوضوحه وعدم الحاجة إلى التأويل، وإما أن يتلقى النص تأويلا, لغرض في نفسه أو نفس المنتج، أو لضعف في الأداء اللغوي في النص (عناصر الاتساق)، فيعيد المتلقي تشكيل الخطاب بوحي من النص، أو بغير ذلك، وقد يعمد المتلقي إلى التأويل بغير وعي فيحبط النص، فالمتلقي إما متلقٍ إيجابي وإما سلبي.)).
***
مفهوم الإتّساق:
– لغة:
قال ابن منظور عنه: استوسقت الإبل واستوسقت: اجتمعت.وقد وسق اللیل واتسق وكل ما انظم فقد اتسق.
– اصطلاحاً:
یعرف محمد خطابي الإتّساق بأنه: ((ذلك التماسك الشديد بين أجزاء المشكلة لنص/خطاب ما یهتم فیه بالوسائل اللغویة (الشكلیة) التي تصل بین العناصر المكونة لجزء من خطاب أو خطاب برمته.)).
ویؤكد “صلاح فضل”: ((أن التماسك خاصیة نحویة للخطاب تعتمد على علاقة كل جملة منه بالأخرى، وهو ینشأ غالبا عن طریق الأدوات التي تظهر في النص مباشرة كأحرف العطف، والوصل والترقیم، وأسماء الإشارة، وأداة التعریف، والاسم الموصول و. غیره.)).
***
أدوات الاتساق:
كانت وما زالت، على الرغم من شبه انطفاء لها، المناهج النقدية التي تعالج النص الأدبي تعتمد الأحكام القيمية، ثم ظهرت بعدها قبل أكثر من خمسين عاماً في أوربا، ثم في الوطن العربي، المناهج النصية التي تحلل النص الأدبي، وإيجاد القواعد العلمية التي تتحكم به. وبعيدأً عن “عقدة الخواجة” نقول إن العرب قبل ألف سنة قد درسوا النص من داخله، وحللوه، ووجدوا ما كان يضمه, ولا أريد هنا أن أكتب بحثاً تنظيرياً عن الدراسات اللسانية في النقد القديم على المستوى العربي، أو في الوقت الحاضر، وعن أحد عناوينها الأساسية وهو”الاتساق” على المستوى الأوربي والعربي كذلك، لأن الكثير من الدراسات والبحوث قد كتبت ونشرت عنه. وكذلك فإن المقام لا يتحمل مثل هذا البحث.
في درس لسانيات النص اهتم اللغويون كثيرا في دراسة الجملة والنص، وقد أخذت الجملة اهتماماً كبيراً من الباحثين والدارسين لأنها، ومن بعدها النص، لا يمكن دراسة المعنى منفصلا عن سياقه اللساني ابتداء منها، للوصول إلى معرفة كیفیة تماسك بنائه الكلي، والوصول إلى معناه.
وقد اهتمت لسانيات النص بدراسة “الاتساق والانسجام”، حيث إن الاتساق يتعلق بالجوانب التركيبية داخل الجملة لنصل إلى النص، فيما الانسجام يتعلق بالجوانب الدلالية.
و”الاتساق” يعني ترابط الجمل في النص مع بعضها البعض بوسائل لغوية معينة، وقد عني الدارسون بهذه الوسائل/ الروابط، وهي:
1. الإحالة و المرجعیة.
2 .الاستبدال.
3 . الحذف.
4 . الوصل العطف.
وقد درس نقادنا القدماء هذه الأدوات كما عند القزويني في “الإيضاح في علوم البلاغة”، وعبد القاهر الجرجاني في “دلائل الاعجاز” وغيرهما.
ولما كانت الجملة مقولة تركيبية، والترابط علاقة دلالية، فإن داود سلمان الشويلي اتخذ منهجية دراسة ترابط الجمل في الروايات التي سنوردها لاحقا, من خلال تواجدها في العينات المختارة.
والأدوات تلك التي تربط الجمل بعضها البعض صنفت عند الدارسين إلى صنفين، هما:
أولاً: ما يفيد اشراك الجملة اللاحقة بالجملة السابقة، مثل أداة “الواو” وهي من حروف العطف، وتربط الجمل العديدة فيما بينها.
ثانياً: الأدوات التي تربط الجمل بعد تحديد نوع العلاقة التي بينهما، مثل “الفاء” التي تفيد الترتيب من غير تراخ، و”ثم” التي تفيد الترتيب مع التراخي، و”أو” التي تفيد تردد الفعل بين أمرين وتجعله لأحدهما، و”حتى” التي تفيد الغاية، و”لكن”التي تفيد الاستدراك، و”بل” التي تفيد الاضراب.
***
الوصل (الربط):
– مفهومه:
یعد الربط علاقة اتساق أساسیة في النص، لأنه یحدد الطریقة التي ترتبط بها الجملة السابقة مع اللاحقة ويتم هذا بشكل منظم, لأن: “النص عبارة عن جمل أو متتالیات متعاقبة خطیاً. ولكي ندركه كوحدة متماسكة تحتاج إلى عناصر رابطة متنوعة تصل أجزاء النص”.
غیر أن الربط یختلف عن الإحالة والاستبدال والحذف في كونه لا یتضمن إشارة موجهة البحث عن المفترض فيها سابق أو لاحق.
– أنواعه:
قسم الباحثون الربط “الوصل” إلى أربعة عناصر هي: زمانیة، إضافیة، عكسیة وسببیة.
الربط الإضافي:
یتم ذلك عن طریق أداتین هما “الواو” و”أو”. فهنا یربط صورتین بینهما تشابه أو اتحاد.
الربط العكسي:
يتم عن طريق أدوات التعارض أو التقابل وهي: “لكن”، “رغم ذلك”, “بل”، “غير أن”.
الربط السببي:
من خلاله يمكننا من إدراك العلاقة المنطقیة بین جملتین أو أكثر، ومن أداوته: “هكذا”, “لعل”، “أي”، و”إذن”.
الربط الزمني:
هو العلاقة بين جملتين متباعدتين أو متتابعتين زمانيا ومن أبرز تعبير. عن هذه العلاقة هي الأداة “ثم” و”بعد” ونجد أیضا “منذ”، “على نحو” و “الفاء”.
***
– أدوات الربط:
إنّ للعطف النصي أثر بيّن في إتساق وتماسك النص، فله دور كبير في ربط عناصر النص بعضها ببعض.
والأدوات هذه التي تربط الجمل بعضها البعض صنفت عند الدارسين إلى صنفين، هما:
أولاً: ما يفيد إشراك الجملة اللاحقة بالجملة السابقة. مثل أداة العطف “الواو” . وهي من حروف العطف، حيث تربط الجمل العديدة فيما بينها.
ثانياً: الأدوات التي تربط الجمل بعد تحديد نوع العلاقة التي بينها، وهي:
– “الفاء” التي تفيد الترتيب من غير تراخ.
– و”ثم” التي تفيد الترتيب مع التراخي.
– و”أو” التي تفيد تردد الفعل بين أمرين وتجعله لأحدهما.
– و”حتى” التي تفيد الغاية.
– و”لكن” التي تفيد الإستدراك.
– و”بل” التي تفيد الإضراب.
وتشير لسانيات النص إلى روابط أخرى منها: الضمائر، الإشارات المحيلة إحالة قبلية، وإحالة بعدية، الاستبدال، والحذف، وغيرها من الوسائل التي يرصدها المحلل الواصف لاتساق الخطاب. )). (2)
***
ولهذا اللون من الدراسات أهمية قصوى, يقول الجرجاني عن الفصل والوصل: ((… واعلم أن ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول أنه فيه خفي غامض، ودقيق صعب إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب.)) (3) وأيضاً، فقد كان للنقاد القدامى دورا في دراسة اتساق النص، والنص القرآني خاصة، كالجاحظ، والجرجاني، والسكاكي، والعسكري، وغيرهم, ويعرف محمد خطابي الإتّساق بأنه: ((ذلك التماسك الشديد بين أجزاء المشكلة لنص/ خطاب ما يهتم فيه بالوسائل اللغوية (الشكلية) التي تصل بين العناصر المكونة لجزء من خطاب أو خطاب برمته.)).(4)
وقد تنوعت موارد دراساته النقدية في جانب الاتساق, فكان منها دراسة الاتساق في الشعر, وما أحصيناه من بعض تلك الدراسات الشعرية ما تناوله في دراسة قصائد الشاعر بدر شاكر السياب (حفار القبور, الأسلحة والأطفال, المومس العمياء), وكذلك قصائد الشاعر رشيد مجيد, ومنها (الساعة الأخيرة, ليلة ممطرة, الله), و أيضا القصائد الموسومة (ليل طويل, رحلة الطير, الصوت) للشاعر/ سامي مهدي, وقد رصد عناصر الوصل والربط في أبيات النص الشعري لتلك القصائد (و, أو, لكن, رغم ذلك, بل, غير ان, و هكذا, لعل, أي, إذن, ثم, بعد, منذ, الفاء), معززا دراساته بجداول احصائية احتوت رقم البيت الشعري, وأداة الوصل, وعدد مرات كتابتها, اضافة لنوع الوصل سببي كان أم زمني أو الوصل الإضافي أو العكسي, وتناول أيضا عناصر الاتّساق النصي… قراءة نصية تحليلية في قصيدة “الركض بصابونة القمر “(5) للشاعر شاكر سيفو, ودراسة أخرى بعنوان: (آليات الاتساق النحوي وأثرها في التماسك النصي في النص الادبي “قراءة نصية/ إحصائية في الشعر” الشاعرة مونية لخذاري إنموذجاً)
وفي جانب الخطب فقد تناول:
1 – خطبة الامام علي بن أبي طالب –عليه السلام-, التي مطلعها: ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ و لَا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ… الخ”. (6)
2- خطبة قُسُّ بن ساعدة الإيادي (7) في سوق عكاظ.
ونلحظ اهتمامه بخطب الأقدمين, فالشويلي يرى أن الحاضر لا يقدم خطبة بقدر ما يقدم خطابا إنشائياً، تختلف عن الخطب القديمة التي تتسم – أغلبها – بالسجع ، إذ يختار المخاطب الألفاظ المؤثرة، و التي تشكل سلسلة من الجمل المسجوعة .
وامتدت لسانيات دراسات الشويلي لدراسة النص الروائي, ومن الروايات التي حظيت بتلك الدراسات:
1 – رواية “المركب”- غائب طعمة فرمان.
2 – رواية “اعترافات زوجة رجل مهم” (8) ناطق خلوصي.
3 – رواية “أطراس الكلام”- عبدالخالق الركابي.
4 – رواية ” تسارع الخطى”(9) – أحمد خلف.
5 – رواية ” نساء زحل “- لطيفة الدليمي.
6- “الاتساق النصي” في روايات عبد الكريم العبيدي (الذباب والزمرد, ضياع في حفر الباطن, كم أكره القرن العشرين)
7- الأسئلة الكبيرة و الاتساق التركيبي النصي في رواية “قنزه ونزه “(10)لشوقي كريم حسن.
8- الإتّساق و تماسك النص… دراسة نصية في رواية “الشهداء الخونة”(11) لحسن كريم عاتي.
9 – عناصر الاتساق في رواية “فرانكشتاين في بغداد”(12) لأحمد السعداوي، وتماسك النص.
10- آليات الاتساق النحوي وأثرها في التماسك النصي في النص الادبي – التماسك النصي من خلال أدوات الربط – ( قراءة نصية / إحصائية في رواية ” امرأة على قيد سراب” (. (13)
وفي هذا المضمار فإنه يتناول عينات مختارة من كل نص روائي, فهو يقوم باقتطاع جزء أو أكثر من نص طويل كعيّنة عن باقي النص وهي طريقة مثلى في فحص ودراسة النص كله، كما يتم ذلك في المصانع في أخذ عينات لفحص المنتوج الصناعي.
وفي مجال القصة القصيرة, تطرق في دراسته لقصة (المحاكمة المفترضة لمتهم بريء) للقاص/ محسن الخفاجي, من مجموعته القصصية (حمامة القنصل)(14), والقصة القصيرة (توغّل ، فذاك حُلُمي) للقاص/ علي السباعي, من مجموعته (ايقاعات الزمن الراقص)(15), وقصة حيدر عودة “بيتٌ في حُلم”, وأيضا كتب: آليات الاتساق النحوي وأثرها في التماسك النصي في النص الادبي – ” قراءة نصية / إحصائية في القصة القصيرة ” – المجموعة القصصية ” حواس زهرة نائمة” للقاصة الجزائرية سامية غشير إنموذجاً .
وكذلك كانت له دراسة موسعة في كتاب (ترانيم الحرف)(16) للقصة القصيرة جدا, والذي ضم عددا كبيرا من القصص القصيرة جدا تناول منها (160) نصا من نصوص الأدباء العراقيين ال (32) المشاركين في الكتاب, اعتمد في هذه الدراسة أدوات العطف في دراسة الوصل “الربط” بين الجمل، وهي الحروف العشرة: (الواو، الفاء،ُ ثم، حتى، أو، أم، إما، بل، لكن) ، إضافة لبعض الأشكال اللغوية الأخرى التي تقوم بهذا المقام, وقد تم طباعة تلك الدراسة في كتيب تم توزيعه على المشاركين في ملتقى ذي قار الأول للقصة القصيرة جدا 2018.
***
الخلاصة:
إن هذه الدراسات النصية الاحصائية التي أسهم بها الناقد داود سلمان الشويلي أكدت أن أدوات الربط، مع قلتها، تحافظ هي وأدوات الاتساق الأخرى مثل الضمائر، و الإشارات المحيلة إحالة قبلية، أو إحالة بعدية، الاستبدال، والحذف، وغيرها من الوسائل التي يرصدها المحلل الواصف على اتساق الخطاب, وهذه الأدوات وغيرها لا تربط الجمل فيما بينها ربطا مجانياً بل هي تربط الأفكار والرؤى والصور، لكي يكون النص متماسكاً وكاملاً.
إن المنهجية النقدية التي اتبعها الناقد داود سلمان الشويلي في دراساته النقدية تعيد للنقد أهميته و دوره في التقييم و التقويم, و تزيح غشاوة الصورة السلبية التي ينتهجها الكثير ممن يرى في النقد مجرد اعادة نسخ لمحتوى النص المركزي مصحوبا بكلمات الإطراء والإعجاب المتبادلة بين الكاتب والناقد في آلية تلميع النص المتبعة لدى الكثيرين من دعاة النقد, خاصة وأن لسانيات التراث، مليئة بأفكار ومفاهيم لغوية صالحة لأن تستثمر كآليات للتحليل، كقضايا الجملة، وقضايا النص والخطاب، وغيرها من المباحث التي اهتم اللسانيون الغربيون بدراستها اعتمادا على جهود العرب القدامى, والتي ينبغي على الناقد العربي الالتفات إليها وعدم اهمالها, بل ينبغي السعي إلى تأصيلها و انشاء نظرية لسانية عربية محضة و متكاملة انطلاقا من المفاهيم والفكر اللساني الموجود في تراثنا العربي, تماثل على أقل تقدير اللسانيات الغربية الحديثة.
داود سلمان الشويلي –محور البحث-, شخصية حاضرة بقوة في الأنشطة الثقافية المتنوعة التي تقيمها المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي, على الرغم من الوضع الصحي والعوق الجسدي الذي يحول دون المشاركة في البعض من تلك الأنشطة, إلا أن بصمته تظل واضحة من خلال النشر الدؤوب في الصحف والمجلات والإصدارات المطبوعة, و وقوفه عند نمط معين من أنماط الدراسات النقدية حصل من خلالها على (ماركة مسجلة) اختص بها دون سواه من النقاد, إذ أن هذا اللون من الدراسات يحتاج إلى دقة في الاحصاء والجرد, وكثير من الوقت, مما يعكس اهتمامه و حرصه الواضح للمواضيع التي يقدم على دراستها, فاستحق بذلك أن نسلط عليه الضوء ليكون محور دراستنا هذه.
***
الهوامش:
(1) شارك في المجاميع القصصية التالية:
– النهر يجري دائما – نصوص ابداعية فائزة في المسابقة الابداعية لوزارة الثقافة لعام 2000 – مع مجموعة من الأدباء – بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة –2000.
– ترانيم الحرف – قصص قصيرة جداً – مشترك – دار المتن للطباعة والنشر – 2018.
– ترجمت بعض قصصه الى اللغة الانكليزية وصدرت في كتاب “ظلال سومرية” للق.ق.ج.
2 – التماسك النصي من خلال أدوات الربط – آليات الاتساق النحوي وأثرها في التماسك النصي في النص الادبي – ” قراءة نصية / إحصائية في فنون الأدب ” – كتاب مخطوط – داود سلمان الشويلي .
3 – عبد القاهر الجرجاني– دلائل الاعجاز – دار المعرفة – بيروت – 1978 ص187.
4 -محمد خطابي، لسانیات النص ص 5.
5 – قصيدة مطلعها:
ضعي حبتين من الملح فوق جراحي
وخيطي لي جرحين منها
6 – نهج البلاغة – خطب الإمام علي (ع) – ج ١ – الصفحة ١٤.
7 – قُسُّ بن ساعدة شاعر وحكيم من حكماء العرب قبل الإسلام. توفي حوالي عام 600م الموافق 23 قبل الهجرة, وجاء في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة: ” قس بن حذافة بن زفر بن إياد الإيادي البليغ الخطيب المشهور. وكانت العرب تعظمه وضربت به شعراؤها الأمثال.
8 – رواية “اعترافات زوجة رجل مهم”- ناطق خلوصي عن دار ميزوبوتاميا, 2015.
9 – رواية تسارع الخطى, أحمد خلف, دار المدى- بيروت, 2014.
10 – رواية قنزه ونزه, شوقي كريم حسن, دار ميزوبوتاميا, بغداد, 2018.
11 – رواية (الشهداء الخونة) للكاتب حسن كريم عاتي/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/الطبعة الاولى 2018م.
12 – فرانكشتاين في بغداد, رواية, أحمد السعداوي, منشورات الجمل, بيروت 2013.
13 – موقع الشمس الالكتروني, 2018, http://aldroobtv.com/index.
14 – حمامة القنصل, مجموعة قصصية, محسن الخفاجي, دار مقهى للنشر والتوزيع – 2015.
15 – ايقاعات الزمن الراقص- قصص قصيرة -المؤلف: علي السباعي, الناشر: اتحاد الكتاب العرب – دمشق – 2002.
16 – ترانيم الحرف, مجموعة قصص قصيرة جدا مشتركة, اعداد و إشراف: عباس عجاج, دار المتن- بغداد 2018.
المصادر:
1-​كتاب “ظلال سومرية” للق.ق.ج., اعداد: عباس عجاج, دار المتن- بغداد, 2020.
2-​عبد القاهر الجرجاني– دلائل الاعجاز – دار المعرفة – بيروت – 1978.
3-​محمد خطابي، لسانیات النص.
4-​نهج البلاغة – خطب الإمام علي (ع) – ج ١ –.
5-​رواية “اعترافات زوجة رجل مهم”- ناطق خلوصي , دار ميزوبوتاميا, 2015.
6-​موقع الشمس الالكتروني, 2018, http://aldroobtv.com/index.
7-​التماسك النص من خلال أدوات الربط, كتيب تم توزيعه على المشاركين في ملتقى ذي قار الأول للقصة القصيرة جدا 2018.
8- ببلوغرافيا, https://ar.wikipedia.org/wiki, ويكبيديا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق