ثقافة السرد

معاقطة حمارية

ناجي ظاهر

بعد ثلاثة ايام وثلاث ساعات وربما ثلاث دقائق، بات كل منا، نحن الاثنين، هو مُهجّر الجبال وانا مهجر السهول، يفهم الآخر على نحو مقبول ومعقول، وبعد تمعن وادامة نظر توصلت الى ان ما يجمعنا قليل وما يفرّقنا كثير. من بين ما جمّعنا اشير الى الامور التالية: التهجير القسري، وهذا واضح من اول الكلام، الرغبة في عمل شيء ذي قيمة، وقد قدّمني إليه احدُ الاصدقاء على اساس انني كاتب وبإمكاني ان اؤلّف كتابًا عن قريته الجبلية. الحلم بالعودة إلى القرية المسترخية منذ سنوات بعيدةٍ موغلةٍ في البعد على سرير الخيال. اما ما فرّقنا فقد تمثّل في عدة امور لعلّ اهمّها .. النظرة إلى الحياة، ففي حين كان هو يؤمن أن الدنيا تؤخذ غلابًا كنت انا اؤمن ان الدنيا تؤخذ بالحكمة والمنطق. الوضع الاجتماعي، ففي كنت انا كاتبًا فقيرًا ومجنونًا، كما اوحى لي في اكثر من مناسبة ولقاء، كان هو تاجرًا عرف طريق الربح، فمشى فيه مرتقيًا جبالَه العصيّة ومتحدّيًا كلَّ عقلاء العالم. باختصار كنت انا احمل القلم في حين هو يحمل الشبرية.
مع هذا كلّه ابتدأنا في تأليف الكتاب، وكان كلّما مضى الوقت يغذُّ انطلاقته إلى ذراه العالية المرتفعة، يسألني كم من صفحات الكتاب تبقّى لنا ليكتمل؟ فكنت انظر إليه باستخفاف مَن ايقن ان مَن قبالته يقوم بعمل لا يعرف قيمته ومدى نفعه، وكنت اضيف قائلًا: إن تأليف كتاب يحتاج إلى وقت وجهد، واننا اذا ما اردنا ان يكون كتابنا العتيد مستحقًا للقراءة واهلًا للترحيب، فانه يُطلب منّا ان نكون دقيقين فيه، فلا نصدره إلا بعد ان نتأكد من مصداقية ما ضمّه من معلومات.. وجمالية ما قدمه من دفء نحتاج اليه، نحن المهجرين الفلسطينيين، اكثر من كل مهجّري العالم.
ما ان كان مروح ابو النعجة، وهذا اسمه ولقبه ايضًا، يلتقي بأحد ممن يفترض ان نلتقي بهم لتأليف كتابنا العتيد، حتى يحذّره من عدم الاطالة في الحديث توفيرًا للجهد والوقت. في احدى زياراتنا لشخص مُسنّ عاش الاحداث وخبر لسعَ بارودِها، نبّهته قبل اللقاء به، إلى اننا يُفترض ان نستمع لكل كلمة يقولها باهتمام شديد، وشرحت له السبب قلت له اولًا تشجيعًا له على الادلاء بكل ما في جعبته من معلومات هامة، وثانيًا، احترامًا لسنّهِ وتجربته. شعرت انه وافقني الرأي، إلا ان احساسًا خفيًا شدّني إلى الناحية المعاكسة. وقد تأكّد احساسي هذا بعد دقائق من اللقاء بذلك الشخص، فما ان امضى بضعة دقائق في الحديث عن القرية، تاريخها ومَن قُتل من أهلها على ابوابها في عام التهجير، حتى سأله أبو النعجة: والنتيجة.. ماذا كانت النتيجة؟ غضب مضيفُنا منه، وبدا ان زيارتنا له في بيته قد انتهت، فما كان منّا إلا ان حملنا نفسينا، انا السهلي ومرافقي الجبلي، وخرجنا من ذلك البيت شبه خائبين. ما ان ابتعدنا عن بيت مضيفنا حتى اخذ مرافقي يكيل له الشتائم والسباب ويطلق عليه صفات نسوية، الامر الذي استفزني فاردت ان ارد عليه بعنف اكبر، وان اقول له إنه هو من يستحق مثل تلك الصفات النسوية التي اطلقها على مضيفنا.. بسخاء انسان بخيل، غير انني ابتلعتُ ما اوشك ان يخرج من فمي من كلام، ومضيت مفضّلًا طريق توثيق بلدات الوطن.. بسهولها وجبالها.. وما يحتاج إليه ذلك التوثيق.
مثل هكذا مواقف تكرّر فيما بعد اكثر من مرة، ما استدعاني لأن اطلب من نعجيي جلسةً تفاهميةً على فنجان قهوة فلسطينية، وعندما جلسنا في بيته الفاره المتربع على راس الجبل، بادرته سائلًا إياه، عمّا اذا كان يريد ان نواصل تأليف كتابنا؟ فحدجني بنظرة مستخفة، واجابني وهل عندك شك؟، عندها قذفت معظم مشاعري المتراكمة في صدري تجاهه، قائلًا له: نعم عندي كل الشك. تحرّك التاجرُ في داخله فقال لي: كنت متحسّبًا لهذا. انت لا تريد ان تواصل العمل في الكتاب.. قل هذا منذ البداية. ما ان سمعت ردّه هذا حتى تحرك الكاتبُ في، فقلت له لو لم اكن اريد ان اؤلف كتابي هذا ما كنت اقطع كل ما قطعته من مسافات نحو كتابته. غرس عينيه فيّ: قل انك لا تريد مواصلة تأليف الكتاب.. فقلت: ولماذا لا اريد ما دمت قد وافقت؟، فازورّ عني وهو يقول هناك سبب لا اريد ان ابوح به. وبرطم بكلام كثير.. فهمتُ منه ان قريته الجبلية تستحق اكثر من كل قرية سهلية.. ان يوثّق لها ويُكتب عنها.
لم اعر ما قاله النعجيّ في تلك الجلسة الحادّة مثل شوك صبار الجبال، اي اهتمام فقد طلبت منه.. تلك الجلسة.. لمواصلة عملي في تأليف الكتاب، بهدوء وسكينة.. يعرف ما يحتاج اليهما مَن سلك سبيل تأليف الكتب.. حق المعرفة. وليس للتوقف عن تأليفه، ذلك لو انني اردت ان اتوقّف عن تأليف كتابنا، لكففت عن اللقاء بأبو النعجة، وانتهى الامر خلال دقائق، اما وقد ناقشته فقد كان من المفروض، انني اريد المواصلة، وان رغبتي في التأليف اكبر بكثير من اية حماقة يمكن ان تواجهني.. او اصطدم بها.
بعد ثلاث سنوات وثلاثة أيام، وربما وثلاثة دقائق، زففت إليه امر فروغنا من تأليف الكتاب، مضيفًا ان وقت مراجعته واعداده للنشر قد حان،.. فوجئت بابي النعجة يطلب مني ان اقدم له مخطوطة الكتاب لتقديمها إلى المطبعة، وعندما اخبرته أن الكتاب يحتاج إلى عمل لا يقلّ عمّا مضى من وقت، انفعل وشرع في شتم الكتب والكتاب، بل اذكر انه شتم كل من التقينا بهم من اهل بلدته وناسها، وكاد يوجه إليّ بالاسم الشتيمة تلو الشتيمة لولا بقية من خجل. مع هذا غيّر توجهه وسألني بغتة عن احوال بقر السهول. فقلت له باندفاع عاصفة إن حالها لا يختلف عن حال حمير الجبال إلا في امر واحد. عندها وضع يده على شبريته وسألني بلغة من ازمع ارتكاب جريمة: وما هو هذا الامر يا حضرة الكاتب؟ عندها قلت له: تأليف الكتب. في تلك اللحظة بالتحديد والوعيد.. استل شبريته من غمدها ونزل تمزيقا في الكتاب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق