قراءات ودراسات

جوبلين بحري بين الألم والأمل*

رياض كامل

كل رواية، مهما اختلف موضوعها، هي عمل فني يمزج بين الواقع والخيال. وكل رواية جديدة من شأنها أن تثير تساؤلات لدى القارئ، قبل القراءة وبعدها. ولعل السؤالَ الشرعي والمشرّع على أبواب عدة هو: كيف نستقبل رواية جديدة لكاتبة جديدة؟ وهل علينا، كما هي العادة ان نقارنها بروايات سابقة لها؟ ما جديدها؟ وهل تمكنت من جذب القارئ وخلق حالة من التأثير في الوجدان؟
نحاول من خلال هذه المداخلة أن نجيب على هذه الأسئلة، وعلى غيرها من خلال محاورة رواية “جوبلين بحري” (2021) الصادرة حديثا للكاتبة دعاء زعبي خطيب، التي كانت قد أصدرت من قبل مؤلفا أدبيا بعنوان “خلاخيل” (2017)، لفتت فيه الأنظار قدرتها على تجنيد لغة غنية وثرية، مع ميل إلى السرد القصصي الجذاب. ويبدو أنّ نجاح هذا المؤلَّف دفعها إلى خوض تجربة كتابة الرواية، بعد أن قامت مجموعة من النقاد بتناوله، دراسته وتحليله.
أن تكتب رواية يعني أن تفتح عيونك العشر على الأرض والسماء، وما يحتويانه من نجوم وذرات تراب، وعلى ما يحويه البحر من أسماك وأصداف، وأن تبنيَ وترسمَ شخصيات تعيش تناقضات الحياة. على الروائي أن يُصيخ السمع لأنين شخصياته ويتنبّهَ لتفاصيل وجوههم، وأن يغور في اندفاع غرائزهم في كل تجلياتها. وأن يكون رسّاما ونحّاتا وسيكولوجيا ومسرحيا يحيط بالخارج والداخل، ويلمّ بكل مركبات الديكور من زركشات ونمنمات وتحركات الجسد، وهو يثور ويمور، يقفز ويغضب ويهدأ، وأن يقوم بتأثيث كل لحظة وكل ومضة، حتى تكتمل ما تسمّى لعبة الإيهام بالواقع، للانتقال من عالم الواقع نحو عالم الرواية التخييلي. على الروائيّ أن يضبط الزمن وفق منطق زمني سليم، وأن يحبك الأحداث بخيط حريريّ جميل ومتين.
الرواية تكوين لغوي، واللغة ثروة يجب تحريكها وتوجيهها بمهارة فارس يمتطي حصانا أصيلا يقوده بحنكة في كرّه وفرّه، وإقباله وإدباره. واللغة فرس شَموص تأبى الانقياد إلا لمن يعشقها. فكل نص روائيّ هو عبارة عن جوبلين لغوي. فهل نُسجت “جوبلين بحري” نسجا سليما؟ وهل تمكنت الروائية من الإبحار في دنيا الرواية؟

تجليات الذات والآخر
أدبنا العربي الفلسطيني في معظمه ارتداد للنكبة والنكسة، والانهزامات المتتالية، التي زعزعت عالم الفلسطيني الداخلي، فجاء الفن الفلسطينيّ، عامة، لتعمير الروح، وزرع الأمل رغم الألم.
يدور الصراع في “جوبلين بحري” في ساحة الفكر والثقافة، طرفاها شابة جامعية عربية فلسطينية طموحة من مدينة يافا، ومحاضرة جامعية يهودية صهيونية، “كابتن طيار” سابقا، تحاول سحق آمال هذه الشابة وإبعادَها عن الحقل الأكاديمي.
لقد صارع العربي الفلسطيني بعد نكبة 1948 من أجل الوجود الجسدي، والبقاء على قيد الحياة، وتوفير لقمة العيش للأبناء، بعد تهجير الجزء الأكبر من سكان هذه البلاد. وهو صراع الضعيف المهزوم مع القوي المنتصر، المظلوم مع الظالم، المحتلِ المغتصَبِ حقُّه مع المحتلِّ الغاصبِ. وهو في “جوبلين بحري” صراع من أجل الوجود الحقيقي، لا الوجود الجسدي فحسب: أن تكون أو لا تكون. فما جدوى الوجود الجسدي دون فكر! “جوبلين بحري” واحدة من الروايات التي ترفض فكرة الإنسان المهزوم.
لم تنتظر الروائية سطرا واحدا لإعلان المواجهة المباشرة، إذ يلتقي القارئ، منذ السطر الأول من الرواية برسالة نارية توجّهها طالبة جامعية عربية فلسطينية أنهت دراستها للتو، وحصلت على لقب الدكتوراه من إحدى الجامعات العريقة في برلين الألمانية، إلى محاضرة يهودية كانت السبب في حرمانها من متابعة دراستها الجامعية في البلاد قبل خمس عشرة سنة، حروفها وكلماتها وتعابيرها سهام متحدية، واثقة، قوية، راسخة وثابتة، رسالة كل حرف فيها طلقة. لا مجال للمهادنة، جاء اليوم المنتظر للثأر ممن عملت على قتل الروح الوثّابة الطموحة بعد خمس عشرة سنة من الانتظار والألم. كان على هذه الفتاة الوحيدة لوالديها أن تتركهما وأن تترك مدينة يافا/ الوطن، فالحرب كرّ وفرّ، وأن تعود مدججة بشهادة دكتوراه تهشّم فيه ذلك الأنف الاستعلائي الذي اعتاد، بحكم كون المحاضرة الخصم، سارة فنكلشتاين، كابتن طيار سابقا أن تنظر من أعلى إلى أسفل، وان تقذف بحمم طائرتها أبناء شعب ميار يوسف ابنة يافا.
حددت ميار (الشخصية المركزية) الهدف؛ تحقيق الذات علميا وثقافيا وفكريا، ومن ثمّ الانقضاض على “الكابتن طيار” وتهشيم أنفها وتحطيم نظرتها الفوقية، وكان لها ذلك.

فضاء أم فضاءات/ ولغة أم لغات
تحتفي روايتنا الفلسطينية بشكل عام بفضاء فلسطين؛ الأرضِ والبيت والقرية، وكلِّ ما يتعلق بهذا الفضاء من إنسان وحيوان ونبات، وما يتلوه من عادات وتقاليد ولغة. تحفل “جوبلين بحري” بأكثر من فضاء؛ يافا، الشام، برلين وجنوب إسبانيا وغيرها، مما استدعى لغة غنية تتجاوب مع التعدد الفضائي بمركبيه المكاني والزماني، انعكست في توصيف أمكنة متنوعة المعالم والثقافات، على المستوى الخارجي، كما في وصف الملابس والأسواق والشوارع والأزقة وهندام البيت والأماكن التجارية الكلاسيكية والحديثة، والبحر في موقعين مختلفين، والوصف الداخلي، كما يتجلّى في ارتفاع وانخفاض منسوب الأمل والألم عند الشخصية الرئيسية وشخصيات أخرى، فتنوعت اللغة وتعددت ما بين سردية مباشرة، ورومانسية وشاعرية، ولغة وصفية. وعكست مستويات فكرية لشخصيات متعددة الانتماءات والثقافات. فوجدنا لغة البحر، لغة الغربة، لغة الأبوة والأمومة، لغة جيل الشباب الثائر، لغة التحدي مع الخصم ولغة حنون مع يافا وأهلها. تعددت اللغات وتعددت الأصوات، وفق نظرية ميخائيل باختين الذي يرى أنّ شرط نجاح الرواية هو خلق رواية ديالوجية (حوارية) لا مونولوجية (وحيدة الصوت)، أي خلق رواية مركبة تتصارع فيها الأصوات وتتعدد فيها اللغات.

لماذا يافا ولماذا برلين؟
تتحدث نظريات التلقي عن اللقاء بين النص والقارئ، وعن التأثير والتأثّر بينهما، وعن خلق حالة من الانفعال والتفاعل بينهما. وتعطي للقارئ الحرية في رؤية النص اعتمادا على ثقافته وتجربته (هذا القارئ الذي يسميه المنظر الإيطالي أُمبرتو إيكو: القارئ النموذجي). وبناء عليه، واعتمادا على ما جاء في الرواية لا بد من إثارة سؤالين يكمل أحدهما الآخر: لماذا اختارت الروائية أن تكون البطلة من مدينة يافا بالذات؟ ولماذا نقلت الصراع من جامعة إسرائيلية إلى جامعة ألمانية في برلين تحديدا؟
يافا العريقة بتاريخها، يافا التي ربطت فلسطين بدول العالم، التي ذُكرت في كتب التاريخ، يافا المدينة التي فاقت الكثير من مدن العالم بجمالها، التي نافست الكثير من العواصم العربية. هذه المدينة العريقة الجميلة التي تختصر جمال فلسطين هُجّر معظم أهلها، وبقي جزء بسيط منهم يصارع من أجل البقاء في أحيائهم الفقيرة دون أن يتنازلوا عن بحرهم الذي يربطهم بالعالم الواسع.
من هذا الرحم، بما تمثّله من مكانة ومن رموز ودلالات غنية تخرج ميار. وميار بالعربية جالبة الخير، وبالفارسية ضوء القمر، وبالتركية وردة الجنة. والأهم أنّ “مار البحر” تعني ماج واضطرب، وميار هاجت وماجت وثارت، هاجت الأنثى التي في داخلها.
يافا المدينة التي سحرت الفنانين، يافا وبرتقالها وتاريخها، يافا وتراثها وحضارتها، رمزٌ فلسطيني بامتياز. يافا التي فتحت أبوابها وشرّعتها للجميع يلتقي فيها الشعر والرسم والنحت والغناء.
يافا فضاء رواية “راكب الريح” الرئيسي ليحيى يخلف، ويافا أحد فصول “عائد إلى حيفا”، لغسان كنفاني، ويافا فضاء هام في رواية “عليّ قصة رجل مستقيم” لحسين ياسين، ويافا في أغاني الرحابنة. يافا فلسطين التي يجب أن تعود إلى سحرها لتلبس ثوب عرسها. يافا ند معادل لبرلين العريقة.
في برلين تلتقي شعوب عدة، وطلاب من جنسيات مختلفة، برلين التي فتحت أبوابها لكل الفنانين، كما جاء في الرواية. في برلين الأوروبية يلتقي طلاب من كل الأقطار العربية والأجنبية. وكما يحدث في حواضرَ أوروبيةٍ أخرى يلتفّ الطلاب العرب الغرباء حول بعضهم هنا، غير محاصرين بأنظمتهم وقيودها، ينفتح لهم أفق التحرر، فيحلّق الفكر وتحلّق الروح، ويصبح العربي إنسانا سويّا متحرّرا من أغلال النظام والعادات والتقاليد. هنا يستطيع أن يشعر أنّ السماء مكان للتحليق، فيغدو ندّا للآخر، ندّا واثقا بذاته وبقدراته، متحرّرا من عقد النقص التي ترافق العربي حين يولد في أي قطر عربي.
وبما أنّ كل نص يمكن الولوج إليه من زوايا تأويلية عدة لذا قد يكون الدافع لدى الكاتب الضمني (الأنا الثانية- يقال إن أول من استعمل هذا المصطلح هو الكاتب البريطاني وين بوث) هو تذكير الطرف الآخر ممثلا باليهودية ساره فنكلشتاين، أنّكِ هنا في برلين وفي ألمانيا غُبنتِ، وظلم شعبُك ذات يوم، فمن كان الضحية ذات يوم وجرّب الغبن والضيم عليه ألّا يتحول إلى جان وظالم. هنا جربتِ أنت وشعبك ما معنى النظرة الاستعلائية، والنظرة الفوقية، فكنت الضحية، واليوم تمارسين أنت على غيرك نظرية الاستعلاء.

تيار الوعي وتهشيم الزمن
ما كانت الرواية أيّة رواية لتفتح نصّها أمام القارئ إلا إذا كان نصّا غنيا مؤثّثا بلغة وبتقنيّات فنيّة تجعله قابلا للمحاورة والانفتاح على دلالات عدة. فما قلناه بشأن انعتاق الشاب والشابة العربية في حواضر الغرب ينطبق على النص. فقد تحرّرَ النص من قيود السرد التقليدية وسلمت الروائية نصها وسردها لتقنيات تيار الوعي يتحرك من الداخل نحو الخارج وبالعكس، عبر تقنيات حداثية مثل المونولوج والحلم، والفلاش باك وإطلاق العنان للأفكار كي تتدفق وتكشف مكنونات النفس البشرية. فبرز التداعي عبر التحرك من الحاضر إلى الماضي، وتسليط الضوء على محطات هامة في حياة الشخصية المركزية والشخصيات الثانوية. ساعدت هذه التقنيات على كسر رتابة النص، وتكشّفت الشخصيات أمام القارئ بكل مركباتها النفسية، التي كان لها انعكاسها على صراع الذات والآخر في كل تجلّياتها.
ويتمزّق الزمن ويتخلخل ويتهشّم وينزاح عن خطه التقليدي، دون أن يفقد القارئ خط سيره في الربط بين الماضي والحاضر. لقد كان لتقنيات التداعي دور بارز في خلخلة الزمن من ناحية، وتوسيع رقعة فضاء الرواية، وفتح الحبكة المركزية على حبكات أخرى، والتعرف على شخصيات متعددة لكل منها قصتها وحكايتها، تعاضدت كلها لتجعل الروايةَ أكثرَ اتساعا وأكثر عمقا، مما ساهم في بروز القضية المركزية للرواية.

وأخيرًا
يبقى أن نضيف أنّ الرواية مقودة بأيديولوجيا ثابتة في الصراع مع فكر الآخر وعقيدته التي يسعى إلى نشرها وترسيخها، فكان المحرك هذه المرة فتاة طموحة عنيدة غلّبت العقل على العاطفة، رغم أنّها وحيدة والديها، ورغم أنّها فتاة عربية، ورغم أنّ لها عاشقا تهيم به، كما تهيم بيافا الوطن، ولأنها كذلك فقد ربحت العقل وربحت العاطفة؛ نالت شهادة الدكتوراه، شاركت في مؤتمر دولي متحدية “كابتن طيار”. عادت إلى يافا- الوطن، وإلى الأهل وإلى العاشق بعد خمس عشرة سنةً، تسير معه عند الشاطئ الذي “يتكسر موجه فوق رمل الحكاية القديمة، حاملا معه حكاية جديدة لعينين دمشقيتين احتشدت فيهما كل مآذن الشام وحمائمُ الشام ووردُها البلدي، ولوحةُ جوبلين نسجتها أمها لعاشقين قديمين جمعهما الموج والبحر وشروق الشمس”. (نهاية الرواية، ص200) تحلم بطفلة تسميها “حلا”، وحلا هذه حكاية الحكايات التي مات جسدها ولم تمت حكايتها.
جوبلين بحري رواية يصوغها الألم والأمل منذ الصفحة الأولى وحتى الصفحة الأخيرة.

*نص الكلمة التي ألقيت في مؤسسة سينمانا الناصرة يوم الجمعة بتاريخ 12.3.2021 احتفاء برواية جوبيلين بحري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق