ثقافة المقال

مكتبة في كلّ حيّ للتواصل الحضاري

الدكتور محمد مراح

من لوازم مفهوم التواصل الحضاري سعة مشمولات أركانه: طرفا أو جهتا التواصل ومضمونه، فالأولان قد يكونان طرفان أو أكثر من ذلك أي أطرافًا متعددين، كما قد يكون ركنًا واحدًا من خلال صورة تواصل الفرد مع ذاته، وركن المضمون يسع كل المجالات الفكرية والثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية والفنية؛ أي : فكر وحركة وشعور البشر ومنجزاتهم الحضارية على هذه الأرض.
وهذه اللازمة والخاصية تنسحب أيضًا على وسائل وأدوات التواصل الحضاري؛ فمثلما يمكن تحقيقه بالتواصل الإنساني المباشر على نحو ما عرفت البشرية مذ قدم وجودها على البسيطة، بلوغًا للوسائط التكنولوجية البالغة التطور من خلال الفضاء الكوني الجديد الذي أضافته المبتكرات العلمية لمفهوم العالم والأرض والفضاء عبر التطور المذهل للإعلام الآلي وشبكة الإنترنت والأقمار الصناعية، أي ما صار يطلق عليه العالم الافتراضي.
هذا كله تحتفظ فيه المعرفة بمنزلة الروح من الحياة؛ فحياة التواصل الحضاري وأطرافه ومضمونه وأدواته تستمد حياتها من المعرفة \ روحها. و هذه الروح بدورها تتفعّل وتعمل بفضل تفعيل تغذيتها المستمر بتواصل الإنسان مع المعرفة أخذًا وعطاءً.
وضمن هذا كلّه ينتصب الكِتَاب منارة تاريخية شامخة تلوذ به المعرفة مستودعًا لها، وخزّانًا ثرّيا بطاقة حياة الفكر والروح. وهذا ما يفسر لنا ارتباط الحضارة بالكتاب والمكتبة قوةً وضعفًا، تأثرًا وتأثيرًا؛ فلا تكاد تذكر الحضارة إلا واصطحبت معها في الذهن والحقيقة الكتاب حاوي المعرفة ومثابتها.
كما تتفاوت منزلة الشعوب في سُلّم الحضارة بمدى ارتباطها بالكتاب، وإقبالها عليه، وشغفها به، ومصاحبته على نحو يبدو معه جزءًا من شخصية المرء بمعيار الحضارة.

وهنا تبرز الحاجة للكتاب والمكتبة بوصفهما رافدين أساسين للدفع بالرؤية ومخرجاتها نحو أهدافها. ولعلّ مشروع المكتبة الوطنيةتوسيعا وتفعيلا لدور المكتبة الوطنية على المستوى الوطني والمحلي يصب في هذا المطمح والبرنامج الواعد، قد يكون من المناسب والمفيد أيضًا التخطيط لمشروع مصاحب يتمثل في (مكتبة في كل حيّ). وهو ما من شأنه أن يُقرب الكتاب للمواطن والمقيم أيضا من جنسيات شتى ، وينبهه لأهميته وقيمته، وضرورته في حياته اليومية، والحاجة إليه من لدن كلّ أفراد الأسرة؛ فيجد فيه الأبناء بغيتهم للمطالعة، وإعداد بحوثهم وواجباتهم وتشجيعهم على عادة المطالعة، ويجد فيه الآباء مطمحهم لتجديد معلوماتهم وإثرائها، ومبعث القدوة لأبنائهم وبناتهم، وتجد فيه الأمهات أيضًا متنفسًا جميلًا رفيع العطاء والمستوى، يستعنّ به على متطلبات الرعاية الأسرية والقيام على شؤونها، فتمنحهن المكتبة فرصًا للاطلاع على ما يساعدهن على تلك المهمة النبيلة. كما قد تكون ملاذًا أيضًا للمتقاعدين، وربما تُفتح شهية ذوي الخبرات الوظيفية منهم أن يفكروا في الكتابة عنها؛ كي تصير رصيدًا يستفيد منه المجتمع حاضرًا ومستقبلًا. كما يمكن كذلك أن تجذب تلك المكتبات المقيمين من غير أسرهم إلى التسلية والفائدة فتقل أوقات فراغهم، والسلبيات التي قد تنجر عنها لهم وللمجتمع.
وجديرٌ بنا النصُّ على الصلة بين هذه الفكرة\المشروع والتواصل الحضاري الذي صدّرنا به مقالنا؛ فالمكتبة بمحتوياتها المعرفية أفضل ما يبنى الفرد والجماعة على التواصل الحضاري على أكثر من صعيد: فهي تصلهم بمحتوياتها المعرفية والفنية والأدبية والدينية بشتى العقول فتُنشئ صلة تواصل حضاري فعّال غير مباشر بينهم. وهي تمدهم بالمعارف والأفكار التي تكون عُدتهم في التعرف الواعي الراقي على الآخر من هذه المنصة الرفيعة، تساعدهم كثيرًا على معرفة الآخر وثقافاته وأفكاره ومعتقداته ومنجزاته الحضارية، وشتى أوضاعه. كما تكون تلك المعارف والمعلومات رصيدًا نوعيًا للتواصل والتحاور مع الذات والآخر القريب والبعيد كلما سنحت فرص لذلك.
إذن فالفكرة قد تكون مُلهِمة ومُحفِزة للتفكير فيها والتخطيط لبعثها ضمن مشروعات الثقافة والحضارة المصاحبين لشتى المشروعات الطموحة للبلاد،
والله المستعان على الخيرات والموفق للصالحات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق