ثقافة المقال

حكايات طفولية: افطر يا صائم

محمد عبد الظاهر المطارقى

بعد صلاة العصر مباشرة كنا نحمل أجسادنا الصغيرة ونتجه نحو بيوتنا التي قمنا بصنعها بأنفسنا.. كانت بيوتا ساذجة ومتواضعة ! بعضها تم صنعه من أفرع الأشجار وقطع القماش الملون والبعض الأخر من الحجارة  وبعض الألواح الخشبية ، لقد استطعنا بالفعل أن نقيم بيوتاً غريبة ومضحكة . لكنها بالنسبة لنا – نحن الصغار – تعد رائعة ومدهشة ، لأنها كانت تطل على النهر الجاري من ناحية، ومن ناحية أخرى يمر بجوارنا شريط القطارات .
وكانت البنات الصغيرات يعتقدن أنهن يقمن بطهي الطعام على مواقد يدوية، ويقمن أيضاً بحياكة الملابس . وكن سعداء بذلك وهن يقلدن أمهاتنا الطيبات.
كنا نخرج من داخل هذه البيوت الصغيرة إلى شاطئ النهر بمحاذاة السكة الحديد، وهناك بين الورود اليانعة والأشجار الضخمة كنا نصطاد الفراشات الملونة واليعسوب ذى الأجنحة الطويلة ، وكانت القطارات السريعة تطلق صفيرها المدوي وهى تمرق من فوق القضبان الحديدية ، فتهتز الأرض من تحت أقدامنا . وكنا نرفع أذرعنا الصغيرة بالتحية لقائد القطار ونضحك ، وقد حاول بعض الأشقياء أن يقذفوا القطار بالحجارة ، غير أن الأطفال الكبار كانوا يمنعونهم من ذلك ويوبخونهم.. لحظات جميلة ممتعة نقضيها بجانب شريط القطار في انتظار مدفع الإفطار . وقبل المغرب بدقيقة أو دقيقتين.. يخيم الصمت علينا جميعا، حتى إذا ما انطلق مدفع الإفطار، وسمعنا ” الله أكبر” حتى نتسابق جميعا مسرعين نحو بيوتنا ونحن نهتف فى صوت واحد” المدفع ضااارب.. المدفع ضااارب…” ونحن نهرول فى فرحة وسعادة وروائح الطعام الشهى تتسلل من البيوت لتصل الى أنوفنا فنسرع فى الجرى أكثر وأكثر ونحن نهتف من أعماق قلوبنا “افطر يا صايم.. يا صايم افطر” وكل منا يحلم باللحظة التى يجلس فيها أمام المائدة ليشارك أسرته تناول الطعام..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق