ثقافة المقال

الحداثة / أثرها على التربية والتعليم (04)

أ.محرز شلبي

إذا كان التقدم العلمي والتقني وزع الكثير من المشكلات والصعوبات في العالم، فإنه في الوقت نفسه قدم فرصا طيبة، ووفر مجالات واسعة للفكر والإبداع لم تكن متاحة للشباب من قبل، وبذلك ظهرت ظروف ومواقف جديدة يسرت للعلماء والمفكرين والباحثين – ومنهم الشباب – عملية الإنتاج والإسهامات التنموية، حتى إن علماء النفس رأوا أن هذا التقدم العلمي كان سببا في تمكين الفرد بالانتقال السريع من عالم الطفولة إلى عالم الرشد والنضج الفكري والعقلي.
*أثر الوسائل الحديثة
لقد تدفقت الأبحاث المعلوماتية، وشاعت وسائل الاتصال والبرمجيات بشكل منقطع النظير، فاستفاق الفتى على مخترعات متطورة، وآلات متقدمة، وهذا ما ترك أثرا كبيرا عند الوالدين، فازداد وعيهم، واتجهوا إلى ما يفيدهم أولا، ثم ما يعين أولادهم في التنشئة والتربية –إن أحسنوا الاستخدام والتوجيه– وبذلك ازداد اهتمامهم بتربية الأولاد على وسائل وطرائق التربية الحديثة.
أما المراهقون والشباب فقد استفادوا من الثورة المعلوماتية، فكان من تأثير الضغوطات العملية، والإرهاصات الفكرية، انشغالهم الكبير بما وجدوه متيسرا أمامهم من البيئات التربوية (المنزل، المدرسة، الجامعة، وسائل الإعلام)، وهذا ما ساعدهم على تنمية الحس والإبداع من جهة، والاعتماد على ذواتهم في سن مبكرة من جهة أخرى.
*أما من الناحية السلبية:
(فهناك مواقف جديدة قد تكون معرقلة لعملية النمو السوي، كانصراف الأطفال إلى الدراسة فقط، وإعفائهم من العمل المنزلي والحيلولة بينهم وبين الهموم والإزعاجات التي يمكن أن تتعرض لها الأسرة، بالإضافة إلى نضج جنسي مبكر، مقابل نضج اقتصادي، وتأمين عمل متأخر، الأمر الذي أدى، ويؤدي إلى تأخير سن الزواج أو إمكانية حدوث جنوحات واضطرابات لا تحمد عقباها).
إن ما وجده الأطفال والمراهقون والشباب أمامهم من أجهزة إلكترونية حديثة، ووسائل اتصال بارعة، أبعد كثيرا منهم عن التأمل والتفكير، والملاحظة والفرضية والتجريب للوصول إلى التنظير والتقنين، كما هو الحال عند أولاد المجتمعات المتقدمة، واقتصر دورهم على أخذ النتائج مدونة كما أرادها لهم واضعو البرامج من وراء البحار.
*بالنسبة للجانب الاجتماعي..
إن العلاقات الاجتماعية التي كانت متداخلة مترابطة، متزايدة المساحة والعمق، غدت متباعدة متفرقة، منحصرة في حدود ضيقة لا تتجاوزها، فأصاب المجتمع الوهن والتخلف، وفقد كثيرا من القيم السائدة في المجتمع، لدرجة أن عددا من الأفراد ثار على الأعراف والعادات الحسنة الموجودة في المجتمع، فبات الواحد منا فاقدا لهويته منعزلا عن أهله وأصدقائه وجيرانه.
أثر الحداثة في مجتمعنا..*
من المتّفق عليه أنّ لغة الفكر المعاصر تضاربت جزئيّاً مع عوامل التّقدّم الحضاري، وجعلت منها شكلاً نسبيّاً يتساوى مع معدّلات التّدرّج الثّقافي لكلّ فئة.
وعمل هذا التّطوّر على تشويه المعنى الحقيقي لّلغة ومعانيها الأدبيّة والشّعريّة، فجعلنا منها نموذجاً متصنّعاً حديث الصّنع يتناسب مع تطوّرنا الحضاري، وتدرّج ذلك مع ظهور مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة.
التّديّن والحداثة..*
كان للحداثة تأثير مأساوي عقب الثّورات الّتي قامت ضدّ الكنيسة للمطالبة بتحرير عبوديّة الشّعب وعبوديّة أفكاره.
فقد أصبحت الحداثة رمزاً لفكر جديد، ونجد تعريفها في بعض الكتب والمصطلحات الأدبية بأنّها مذهب فكري جديد يحمل جذوره وأصوله من الغرب، بعيداً عن حياة المسلمين، وبعيداً عن حقيقة دينهم ونهج حياتهم.
*الحداثة معول هدم عند الكثير!!
الحداثة إذن من منظور إسلامي عند كثير من الدّعاة تتنافى مع ديننا وأخلاقنا الإسلاميّة، فهي معول هدم جاءت لتقضي على كلّ ما هو إسلامي ديناً ولغة وأدباً وتراثاً، وتروّج لأفكار ومذاهب هدّامة، بل هي أخطر تلك المذاهب الفكريّة، وأشدّها فتكاً بقيم المجتمع العربي الإسلامي ومحاولة القضاء عليه والتّخلّص منه.
رأي أدونيس ..*
كتب علي أحمد سعيد والمعروف باسم (أدونيس) :”
إنّ ظهور الحداثة كان مجابهة للدّين فهي ليس لها مصطلح ثابت، وفي منبر الحداثة كلّ شيء مباح، فقد أتت الحداثة بهدم كلّ ما نؤمن به من تراث ماضينا، وللحقيقة ولتنقلب كثير من الصّور الّتي نؤمن بها تحت مفهوم الحداثة والتّحديث.”
وبهذا المفهوم الّلغوي نرى سطوع شمس الحداثة في عالمنا العربي المعاصر، وتوافقها مع ما نحمله من عقد وأفكار نفسيّة مشتّتة، وقلق ذاتي من كلّ ما هو قديم ونمطي.
ومحاولة الثّورة عليه والتّخلّص منه، والبحث عن كلّ ما هو جديد يتوافق وروح التّطوّر العلمي والمادي، ويواكب الأيدولوجيّات الوافدة على عالمنا العربي.
فحزناً على فكر مُسَّ مع نمط عصري حديث بلا فهم.
وحزناً على تاريخ تلاشت آثاره في ظلّ التّحديث.
ولغة هُدمت مع بلوغ المعاصرة أعلى ذروتها.
فنسينا أنّ من سمات التّطوّر الفكري وصوره الجماليّة ما يكمن في لغتنا، فالّلغة تُخاطبنا قبل أن نتخاطب بها.
*ما بعد الحداثة ومجال التربية:
بالرغم من النقد الكثير الذي وجهته التيارات ما بعد الحداثية للحداثة في مجال التعليم، إلا أنها لم تطرح فلسفة تربوية شاملة إلى الآن. فأثر ما بعد الحداثة على التعليم كبير وإن كان غير واضح المعالم.
فقد انتقدت ما بعد الحداثة مبالغة الحداثة في تقدير العقل وتمجيده، كما انتقدت التركيز على العلم والمواد العلمية والمنهج العلمي. وهذه النظرة إلى الحقيقة انعكست على النظر إلى المعرفة، فالمعرفة في المنظور المابعد حداثي تبنى في سياق ثقافي، ومهمة التدريس النقدي critical pedagogy هي أن تجعل الطلاب يتفحصون القيم والفرضيات والإيديولوجيات والمصالح المنعكسة في المعرفة، ليقوموا بإنتاج المعرفة بدلا من بقائهم مستقبلين غير ناقدين. وهذا يتم فيما يسميه فريري بتربية إثارة الأسئلة، مقابل ما أسماه تربية الإيداع banking education، التي تعتمد على ترحيل المعلومات.
*وللعولمة تأثيرها الحداثي..
تعدّ العولمة اليوم بأبعادها المختلفة والمتداخلة ظاهرة غير مسبوقة أثّرت في مختلف جوانب الحياة، ومنها التعليم. وعلى الرغم من أن عوامل كثيرة ومتداخلة أسهمت في نشوء العولمة إلا أن الانقلاب التصوري paradigm shiftالذي أنتجه تيار ما بعد الحداثة يعدّ عاملاً رئيساً في نشوئها. بحيث يمكن القول بأن العولمة ظاهرة ما بعد حداثية Petrov. 2003″ ، وطفة، 2007″.
*وتساؤلاتنا هنا في انتظار إجابات شافية ؟:
هل مازلنا على تواصل مع لغتنا قناة التواصل كما فعل أدباؤنا؟
هل أطاحت صور الحداثة بمفاهيمنا وقضت على وعينا وتطوّرنا الفكري؟ أم تمت صياغة عقلنا مع صناعة التّكنولوجية والمادّة وأصبح الأدب تجارة عالميّة مدفوعة الثّمن؟
أسئلة وغيرها كثير عسى أن يستيقظ الضمير!؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق