ثقافة المقال

تساؤلات حول الحداثة وموقعنا منها؟ – 05-

أ.محرز شلبي

يتساءل بعضهم، عن معنى “الحداثة” بعد ورود الإشارة إليها في أكثر من موضوع. وأهمية التساؤل تكمن تحديدا في أن الكلام عن الحداثة، مدحا وذما، قلّ أن يبتدئ في الاتفاق على ماهيتها، بل هي غالبا بالنسبة للمتسلح بها وسيلة للطعن بالرجعية المزعومة لدى من يرفضها، فيما هي بالنسبة لناقدها أداة تمييع واستدراج للإطاحة بالأصالة المستهدفة سرا، سواء كانت هذه الأخيرة العروبة أو الإسلام.
*هل للحداثة تعريف موحدا ؟
من خلال ما تقدم ذكره ، بالفعل فإنه لا تعريف موحدا للحداثة، بل جملة مقومات متداخلة مترابطة، يختار أصحاب التوجهات المختلفة عدد منها لصياغة ما يتناسب مع مواقفهم ويدعمها. ورغم ذلك، يمكن فرز الحداثة إلى شكل، ونظم، وثقافة.

*الحداثة من حيث الشكل:
هي واقع الحال الغالب في عالم اليوم، والذي شهد خلال القرنين الماضيين كما من الاكتشافات والاختراعات يفوق بأضعاف مضاعفة ما حققته الإنسانية على مدى ألوف السنين السابقة. هي الكهرباء والهاتف وشبكات التواصل الاجتماعي والطبابة وكافة المنتجات والآليات التي لا مناص منها للعيش. وإزاء هذه الإنجازات، يمكن للصين أن تفاخر أنها كانت أولى الحضارات الحاضنة للابتكار، ويمكن للهند أن تستعرض أسبقيتها في الرياضيات، وللعالم الإسلامي أن يعتز بأنه حمل لواء العلم لعدة قرون قبل زهاء ألف عام، ولكن الحقيقة التي لا مفر من الإقرار بها هي أن الحضارة العامة اليوم، بوجهها المادي، هي غربية بامتياز، ومساهمات المجتمعات الأخرى فيها هي بمقدار استيعابها للنظم الغربية وانسجامها معها.
*الحداثة في المجتمعات الإسلامية :
هي بالفعل في واقعنا اليوم غير مكتملة، ولكنها كذلك غير قابلة للتجاهل…
وللتأكيد، ليس هذا الإقرار من باب الثناء، فالاعتراض قائم مثلا على الجموح الحتمي للاقتصاد الاستهلاكي الملازم للحضارة المعاصرة نحو استنفاد موارد الطبيعة، أو على التطويع القسري لاقتصاد المجتمعات غير المساهمة بما أخرج تراتبية عالمية تتفاوت فيها القدرات والثروات. غير أن هذا الوجه المادي من الحداثة لا مفر منه البتة، فحتى أعتى أعداء الغرب وحداثته يعتمدون على سلاحه وتقنياته ووسائل الاتصال لديه، وإن بقوا على الغالب مستهلكين لماديات الحداثة غير منتجين لها.
*الحداثة تتعدى الماديات..
إن الحداثة لا تقتصر على الأبعاد المادية ولا على النظم، بل هذه نتاج لمقومها الثقافي، بتفاعل جدلي تراكمي. والثقافة الحداثية ليس عقيدة موحدة، بل العقائد المتضادة المتنافرة تتشكل ضمنها. إذ حتى منها التي تشهر رفضها للحداثة ونقضها لها، تدخل في إطار السجال الثقافي التي حددت الحداثة المتدافعة مسائله. فالنقيض الصادق للحداثة ليس الطرح الذي يزعم نقضها، على استحالة الأمر لإحاطتها بالطرح ونقيضه، بل غياب الطرح بشأن مسائلها ابتداء.
*انتقال الأفكار من الثقافة إلى السياسة..
من أسباب هذا الانتقال، لتتحدى الاستبداد والأبوية وتنتج نظم الحكم القائمة على سيادة المواطن وخادمية الحاكم، فيما هي تطورت إلى منظومة فكرية قائمة على الحق بالاختلاف وراعية للتقدم العلمي. ليس من باب الصدفة أن يدرج الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأميركية، كدولة ناشئة، مبادئ الحداثة في صلب نصوصها التأسيسية، من إعلان الاستقلال إلى الدستور وبيان الحقوق، وليس عبثا أن يكون شعار الثورة الفرنسية، وأصدائها على مدى القارة، “حرية، مساواة، أخوّة”. فمع هذه وتلك، تحققت الترجمة العملية للمفاهيم الحداثية.
ما سبب رفض قراءات دينية للحداثة ؟*
إن العديد من القراءات الدينية الإسلامية ترفض الحداثة على أساس عدم استناد مرجعيتها على النص القرآني. لا يكفي بالنسبة لأصحاب هذه القراءات أن الحداثة لا تنفي النص ولا تسقطه، بل الاعتراض هو أنها لا تعتمده وبالفعل فإن الحداثة، والتي تفتقد الصيغة الأحادية، لا تفرض اعتماد النص الديني، ولكنها كذلك ليست بموقع رفض اعتماده.
ولا بد من التنبيه أن هذه القراءات الدينية الرافضة للحداثة لم تستفرد تاريخيا بالتعبير عن الاستيعاب الفكري للدين الإسلامي، بل واجهت على مدى التاريخ الفكري الإسلامي طروحات مناقضة لمنطلقاتها قبل أن يخمد السجال مع أفول الدول الإسلامية وانقلاب موازين الثروة والتجارة والنفوذ لصالح الدول الأوروبية.
بل جاء تلقي الحداثة في الحواضر الإسلامية، في القرن التاسع عشر، إيجابيا رغم الريبة المرتبطة بأنها نتاج خارجي، واستشعر العديدون ومن ضمنهم علماء دين، الانسجام التلقائي بين الحداثة وجوهر الدين الإسلامي. من هنا القول المنسوب إلى رفاعة الطهطاوي أو محمد عبده بعد العودة من الغرب أنه رأى هنالك إسلام دون مسلمين، فيما الحال هنا هو مسلمون دون إسلام. لا سبيل للتأكد من صحة هذا الخبر، ولا ضرورة لذلك، إذ تداوله وحسب يشير كحد أدنى إلى عدم الإجماع على افتراض التعارض. بل كان جليا في معظم الحواضر العثمانية والمصرية والمغاربية أنه ثمة سعي إلى استيعاب للحداثة، شكلا ونظما على الأقل، في اتجاه التدرج للتقدم والرخاء.
*الحداثة ومستوى القيم والثقافة..
لا شك أن “النهضة” كانت إشعارا عربيا بأن ما أفصحت عنه الحداثة الأوروبية هو جزء من الموروث المحلي، وإن لم يكن جليا. والتصورات القومية ثم الاشتراكية، ثم الإسلامية،مهما اختلفت توجهاتها ، صيغت ضمن الإطار الحداثي، وإن كانت في بعض الأحيان ناقضة له (كما سبق أن فعلت الشيوعية والعنصرية).
*ما دور الدولة العربية الحديثة في هذا المجال ؟
تم الاجتهاد بانتقاء ما يناسبها من البنى الحداثية لتعزيز مواقعها، مع المثابرة على تحصين الاستبدادية والأبوية من المساءلة الفكرية التي تتسم بها الحداثة المتكاملة، فإن المؤسسات الدينية الإسلامية انكفأت بدورها إلى ازدواجية مرتبكة. فهي تتفاعل مع مجتمعاتها بحداثية عملية، شكلا وقولا، فيما هي تمتنع عن التطرق إلى الأسئلة الشائكة التي تأتيها من الطروحات الفكرية الحداثية.
السؤال المطروح أمام الفكر الديني؟*
يدور حول إمكانية التوفيق بين الحداثة والدين من خلال التصدي للمسائل الحساسة العالقة، بما في ذلك مطالب المساواة البينة بين المسلم وغير المسلم، والمساواة الصادقة بين الرجل والمرأة، والحق بالارتداد. والتصدي هنا لا يقتضي التسليم بأية من هذه المطالب، بل قد يكون بالتغليب الصريح للقراءة الدينية المعارضة لها، أو قد يكون باعتماد قراءات أخرى تستوعبها مع الإصرار على المرجعية القرآنية.
*هل الحداثة شكل ونظم وثقافة؟
الحداثة هي شكل ونظم وثقافة، الدولة العربية اعتنقتها شكلا ونظما وامتنعت عنها ثقافة، والمؤسسات الدينية الإسلامية جهدت على الغالب لتجاهلها. فلدى هذه وتلك هي حداثة غير مكتملة. أما لدى “العامة”، أي المجتمعات التي تعمل الدولة والمؤسسات الدينية على تطويقها بالأبوية (على أقل تقدير)، فالحداثة حاضرة بمسائلها المفتوحة، مع الغياب الطبيعي للأجوبة الفاصلة لها. أي أن الحداثة لدى “العامة” تبدو أكثر تقدما منها في أوساط السياسة والمؤسسات الدينية.
*الحداثة / وعلاقة العلم بالدين.
منهم من يرى بأن الحداثة، لا يعني أن العلم والدين متناقضان، بل المؤمنون والمتدينون من العلماء في الغرب مثلا كثر. ولكن هؤلاء العلماء لا حرج لديهم ولا امتناع، في مجتمعاتهم التي تقر بالحرية، أن يتعاونوا مع زملائهم من الملحدين، وأن يستفيدوا من أبحاثهم، في حين أن شبهة عدم الانصياع للتصور الديني في معظم المجتمعات الإسلامية تجلب على المشبوه المخاطر.

8

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق