قراءات ودراسات

الردى في الفن المسيحي خلال العصور الوسطى

محمد لكنسات

لقد كان الدين معطى محوريًا في قلب الحياة الفكرية والثقافية والاجتماعية لأوروبا العصور الوسطى، فقد ألقت المعتقدات المسيحية بظلالها على مختلف نواحي حياة الإنسان الأوروبي الوسيط. الفن لم يشكل استثناء لهذه القاعدة إذ يسجل الحضور القوي للمواضيع الدينية وبخاصة المشاهد والأحداث المستقاة من الكتاب المقدس والتي تصور حياة المسيح وحوارييه، وتحظى مشاهد الصلب بأهمية مركزية في هذا الباب على اعتبار أن الاحتضار الأليم على الصليب يمثل أوج رسالة المسيح وذروتها والحدث الأعظم الذي تَوّجها بحسب العقيدة المسيحية. فسواء تعلق الأمر بالإيقونات الدينية أو الجداريات، أو المنمنمات التي تزين صفحات الكتب والمخطوطات، أو النحت أو المعمار، أو مشغولات الخشب أو غيرها من مظاهر التشكيل القروسطي، يلاحظ دومًا الحضور المسيطر للتيمة الدينية وبخاصة مشاهد معاناة المسيح وآلام الصلب كما توطدت في العقيدة المسيحية.

هذه المسحة الأليمة، وربما الكئيبة كما قد تبدو للبعض، تجد تفسيرها وتبريرها في توجه إيديولوجي مدعوم من المؤسسة الكنسية يرى في الفن وسيلة من الوسائل لترسيخ المبادئ الدينية بين عموم الناس، ووسيطًا ديداكتيكيًا هامًا – خاصة في مجتمع تعمه الأمية- للوعظ الديني ونشر قيم الورع والتقوى ومخافة الله واتقاء عقابه الأخروي.


وبالإضافة لهذه المشاهد الدينية الصرفة، يحفل الفن القروسطي بمظاهر أخرى موازية تندرج ضمن نوع تعبيري يصطلح على تسميته عادة بـ«فن الردى» أو «فن الموت» Art Macabre، ويشير هذا الاصطلاح إلى نوع من الأعمال الفنية المنتمية للعصور الوسطى وعصر النهضة والتي تتسم بالطابع النفسي الكئيب والهالة المظلمة وشعور الانقباض الذي يرافق معاينة حدث الموت وأجواء الحزن والرهبة والوجوم المرتبطة به. وتترتب تحت هذا النوع الفني لوحات زيتية، وإيقونات، ومنمنمات، ونحوت صخرية على جدران ومذابح الكنائس، وأعمال الزجاج الملون في نوافذ الكاتدرائيات… وفي جميع هذه المظاهر التشكيلية نكون إزاء تحف فنية تحفل برموز تُحيل على الموت ومشاهد من العالم الآخر (المطهر أو السعير) وفي مقدمتها الهياكل العظمية والجماجم والأكفان والتوابيت والقبور…وغالبًا ما تكون هذه الشخصيات العظمية في حالة تفاعل ديناميكي مع شخوص أحياء، فنراها مثلاً تُلاعب الأحياء وتراقصهم وتشاطرهم مجالسهم وشؤونهم أو تقودهم إلى قبورهم. ويمكن موقعة أغلب مظاهر هذا الجنس الإبداعي زمنيًا خلال مرحلة العصور الوسطى المتأخرة وعصر النهضة (رغم وجود مظاهر أقدم يعود بعضها إلى المرحلة الرومانية)، كما يمكننا إرجاع التأثير الأساس من وراء تبلور هذا التعبير الفني إلى جو الخراب والموت الذي عم أرجاء أوروبا جراء وباء الطاعون وما خلفه من ملايين الموتى أواسط القرن الرابع عشر.
ويمكن اعتبار هذه النزعة التشكيلية المظهر الفني والتعبير البصري عن المقولتين اللاتينيتين المأثورتين :
« تذكر أيه الإنسان أنك لست سوى هباء وأنك إلى الهباء ستعود »
« تذكر أنك ستموت »

ولا شك أننا ونحن بصدد هذه التعبيرات الفنية نكون إزاء أعمال تشكيلية تتأسس على قناعات دينية وفلسفية عميقة تعكس نظرة صوفية تتبرم من المادة وتشرأب لعالم الروح، نظرة مفعمة بقيم الزهد في العالم الدنيوي باعتباره مسرحًا للكون والفساد المستمرين وحيث كل الكائنات تحت رحمة منجل «حاصد الأرواح» الذي يتم تجسيمه دومًا وفق رمزية زحلية symbolique saturnienne (نسبة إلى كوكب زحل) كهيكل عظمي، وقد يرافق بساعة رملية كناية على الزمن. وتنطلق هذه الرمزية الفلكية من معتقدات أسطورية وفلسفية قديمة (تنجيمية وهرمسية وغيرها) تقرن كوكب زحل بمفهوم الزمن، فيصبح الوجود في الزمن بذلك رديفًا مباشرًا للموت والفناء، باعتبار أن الزمن Cronos, Saturne هو الوعاء الذي يحصل ضمنه الكون والفساد، كما أنه كان (منذ أفلاطون وأرسطو وكما سيعرف امتدادًا في الفلسفة المسيحية) المحدد الأساس للوجود المادي للكائنات الفاسدات في العالم السفلي تحت القمري، وهذا على النقيض من العالم الروحي الأزلي والأبدي الذي تمثله الأجرام والكيانات الأثيرية العلوية. فكل الكائنات المادية تولد إذن ضمن الزمن وفيه تفنى، والإله كرونوس يلتهم أبنائه كما تحكي الأسطورة اليونانية القديمة.
لهذا، وبناء على ما تقدم، فسيمكن القول إذن بأن «فن الردى» ينطوي على أبعاد فلسفية وصوفية وأخلاقية واضحة تتجاوز مجرد الإحالات الدينية المباشرة، أبعاد تسطر على زيف وتفاهة عالم سِمته التدفق المستمر كما تُعبر عن ذلك الشذرات الهيراقليطية، وكما تَبسُطه عقيدة الأنيتيا Anitya عند جوتاما سيدارتا. عالم لا شيء مؤكد فيه غير طابعه السرابي. عالم الثابت الوحيد فيه هو اللاثبات، وحيث رقصة الردى danse macabre- بما هي تعبير عن التحول والتغير الدائبين- تُوحد الجميع.


أما من الزاوية الفنية والتقنية الصرفة فلا شك أن مختلف المظاهر الفنية التي تنتظم تحت هذا النوع تشهد على جانب هام من الموهبة الإبداعية لفناني العصور الوسطى وحذقهم التقني وسعة خيالهم ومقدرتهم على تجسيد رؤاهم الفلسفية والأخلاقية والدينية في قوالب جمالية عالية الجمالية والتعبير، حتى لو كانت هذه الإبداعات تلمس فينا وثرًا حساسًا يذكرنا بالطابع المؤقت والسرابي لوجودنا…المادي على الأقل.


المراجع:
– أ. ه. أرمسترونغ . «مدخل إلى الفلسفة القديمة». ترجمة سعيد غانمي. كلمة والمركز الثقافي العربي. الطبعة الأولى 2009.
– Anitya. (2021, janvier 21). Wikipédia, l’encyclopédie libre. Page consultée le 10:09, janvier 21, 2021 à partir de http://fr.wikipedia.org/w/index.php?title=Anitya&oldid=179046174.
– Danse macabre. (2021, janvier 9). Wikipédia, l’encyclopédie libre. Page consultée le 08:20, janvier 9, 2021 à partir de http://fr.wikipedia.org/w/index.php?title=Danse_macabre&oldid=178588862.

– Macabre. (2021, janvier 27). Wikipédia, l’encyclopédie libre. Page consultée le 07:21, janvier 27, 2021 à partir de http://fr.wikipedia.org/w/index.php?title=Macabre&oldid=179259725.

– Memento mori. (2021, janvier 31). Wikipédia, l’encyclopédie libre. Page consultée le 12:38, janvier 31, 2021 à partir de http://fr.wikipedia.org/w/index.php?title=Memento_mori&oldid=179418995.

– Mort (mythologie). (2020, décembre 20). Wikipédia, l’encyclopédie libre. Page consultée le 18:22, décembre 20, 2020 à partir de http://fr.wikipedia.org/w/index.php?title=Mort_(mythologie)&oldid=177853847. 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق