ثقافة المقال

سيوران وقلق الوجود

حمزة فنين
 
في ظل هذه العتمات يُكتب الكثـير من المقالات حول هذا الفيروس ــ كوفيد 19 ــ الذي ظهر وانتشر كالنار في الهشيم، مهلكا معه الكثير من الأرواح، تاركا خلفه الكثير من الاحزان، هؤلاء الناس، وببراعة الطفل الصغير، يبدو لنا انهم ما كانوا ليموتوا وما كانوا ليحزنوا لو أنهم لم يولدوا. هذه الولادة التي اعتبرها سيوران كما اعتبرها البوذا أصل كل الشرور. وبين هذا الشر وشر هذه الجائحة التي انتشرت في كل بقاع العالم، نحن في حاجة الى قراءة كُتاب مثل سيوران. إن الحاجة إلى سيوران هي الحاجة إلى سبر أغوار هذه الحياة وفهمها فهما جديدا من منظور اخر، من منظور أكثر بؤسا وقتامة، لكنه أقرب إلى الحقيقة.
هذا الابن الشرعي لعظمة القرن العشرين ورعبه الذي عاش فترة ما بين الحربين وفترة الحرب العالمية الثانية، ووارث الكتابة الشذرية التي امتاز بها الفيلسوف نيتشه الذي أراد أن يقول في عشر جمل ما يقوله اخر في كتاب وما لا يقوله أي واحد اخر في كتاب، والتي أقل ما يمكن وصفها به هو قول النفري ” كلما اتسع المعنى ضاقت العبارة”، عاش داخل جو أسري يطبعه روح المفارقة، حيث كان أبوه قسا أرثوذكسيا وكانت أمه لا تخفي سوء ظنها بكل ما بتعلق بالدبن واللاهوت.
تعتبر قراءة سيوران شبيهة بتلك التجارب أو المصادفات التي عاشها البـوذا في بداياته والتي غيرت حياته كليا، أقصد هنا معرفته بوجود الشيخوخة والمرض والموت والزهد، فبوذا قبل هذه المصادفات ليس هو نفسه بعدها، لقد أصبح بعدها أكثر شعورا باللامعنى. فالذي يقرأ سيوران لا بد أن يتغير شيء ما بداخله، وهذا ما يميز الكتاب الحقيقيين.

” الثالثة صباحا، أنتبه إلى هذه الثانية ثم الثانية الأخرى. أقيم حصاد كل دقيقة.
لماذا كل هذا؟ ـ لأني ولدت.
إن نمطا خاصا من اليقظة هو الذي يؤدي إلى وضع الولادة موضع سؤال “.
هكذا يهيئ سيوران مفتَتَح كتابه “مثالب الولادة”، هذا الكتاب الذي يعتبر الأقرب إلى قلب سيوران، والذي ألهمته والدته لكتابته، حيث عاد ذات مرة إلى البيت وارتمى على الأريكة وهو يصرخ: “لم أعد قادرا على تحمل هذه الحياة” فردت والدته: “لو كنت علمتُ ذلك لأجهضتك”. يقول سيوران معلقا على هذا الرد: ” لقد أصابتني هذه الكلمات بهلع ميتافيزيقي وبإهانة وجودية وألهمتني بتأليف كتاب مثالب الولادة”.
حينها أدرك سيوران أنه ما كان ليعاني كل هذه المعاناة الرهيبة لو أنه لم يولد، فشن جام غضبه وسخطه على الولادة الي اعتبرها الشر الأكبر الذي يوجد خلفنا، فأن يولد المرء هو بحد ذاته مأساة تدعو إلى إقامة العزاء وليس الفرح بها، فالإنسان الذي ينجب طفلا يكون قد ارتكب جريمة. يقول: “اقترفت كل الجرائم باستثناء ان أكون أبا”. هذه الشذرة القصيرة تحمل في طياتها كل ذلك السخط الذي يشعر به سيوران تجاه الولادة وتجاه هذا الوجود اللعين، الذي ليس في نهاية الأمر سوى تراكمات من اللامعنى والقلق واللاجدوى. إنه ببساطة جحيم لا يطاق، أما الفردوس فهو مكان الكائنات التي تعيش بلا ذاكرة.
وقد واجه سيوران هذا الوجود بكثير من السخرية والازدراء واللامبالاة أيضا، حيث يقول: ” أنا لا أفعل شيئا، هذا متفق عليه. لكني أنظر إلى الساعات تعبر وهذا أفضل من أن أسعى إلى تأثيثها”، وهو يَعتبر أن أفضل ما قد يفعله الإنسان، إذا أراد أن يفعل شيئا، هو أن يقول كلمات لا يمكن الهمس بها إلا في أذن سكير أو محتضر. هذه اللامبالاة تشغل حيزا كبيرا من الفكر السيوراني إن صح التعبير، فقد كان لامباليا أكثر من كونه متشائما. وقد يسأل سائل، في ظل كل هذه السوداوية واللامبالاة والسخط على الحياة، ألا يكون الانتحار ونهاء هذه المهزلة حلا؟
في الواقع لم يكن هناك سبب واحد يمنع سيوران من الانتحار بل كانت عدة أسباب، أولها الانتحار نفسه! حيث يقول:” لا أحيا إلا لأن في وسعي الموت متى شئت، لولا فكرة الانتحار لقتلت نفسي منذ البداية”. فسيوران ــ رغم سخطه على هذا الوجود الذي وجد نفسه فيه أشبه بشخص يوجد في مكان لا إرادة له فيه ــ لايزال يمتلك قراران في هذا الوجود هو حر فيهما، الأول هو الإنجاب الذي رفضه رفضا باتا كما فعل المعري الذي قال: ” هذا ما جناه أبي علي ولم أجنه على أحد”، أما الثاني فهو قرار الانتحار، حيث كان سيوران على يقين بأن بوسعه الانتحار متى شاء وأن هذا رهن إرادته.
كذلك فقد استطاع رسول العدمية أن يجد لنفسه مهمة في هذا الوجود، ويالها من مهمة يهتز لها الوعي الإنساني، يقول: “مهمتي أن أتعذب عوضا عن كل الذين يتعذبون دون أن يعلموا بذلك، علي أن ادفع الثمن بدلا عنهم، أن أكفر عن لا وعيهم، عن كونهم محظوظين بجهلهم إلى أي حد هم تعساء”. يخبرنا سيوران هنا أيضا عن نعمتي اللاوعي والجهل اللتان يتحول معهما الوجود إلى سخطٍ ضد الوجود، لدرجة أن سيوران تمنى لو كان مجرد نبتة، حتى لو اقتضى ذلك أن يحرس كتلة براز. هذا السخط على الحياة لم يفارق سيوران منذ أول كتاب له كتاب له إلى اخر كتاب.
كان يعتري سيوران فضولا كبيرا لمعرفة الجواب عن سؤال ظل يطارده طول حياته حيث نغّـص يومه وأرّق ليله، ” كيف سأعيش إلى الغد؟ “، يقول: “عشت دائما على وعي باستحالة الحياة، ولولا الفضول إلى معرفة كيف سيتسنى لي أن أعبر من دقيقة إلى دقيقة أخرى، من يوم إلى يوم اخر، من سنة على سنة أخرى، لما تمكنت من تحمل الوجود”. غير هذا الفضول، كان لسيوران فضول معرفي كبير، رغم سخطه على كل الفلاسفة والكتاب الذين حاولوا ويحاولون إقامة معنى للحياة حيث لا يوجد معنى، والذين لا يرون المياه كلها بلون الغرق، حيث استغل أغلب ليالي حياته، منذ أن داهمه الأرق، في زيادة معرفته بعد أن كان، في بدايات مرضه، يجوب شوارع لا يوجد فيها سوى بنات الليل الوحيدات كما يخبرنا هو في كتابه ” على ذرى اليأس”. ومن وحي هذه الليالي كتب: ” الأرق وعي مدوخ قادر على تحويل الفردوس غرفة تعذيب”.
يخبرنا سيوران أيضا عن الدور الكبير الذي لعبه كل من الضحك والموسيقى والشعر، حيث استطاع بفضلهم ان يتحمل وجوده أكثر، بل وان ينسى في بعض اللحظات أنه موجود. فقد اعتبر الضحك بمثابة المبرر الكبير للحياة، وقد كان في أعمق لحظات اليأس قادرا على الضحك. كلما استطعنا ان نحافظ على قدرتنا على الضحك أكثر وأكثر كلما غَدت الحياة أكثر احتمالاً. درس رائع في ” العيش الحكيم ” يقدمه رسول العدمية، فاتبعوه لعلكم تفلحون. أما الموسيقى، وكما يخبرنا في كتابه ” المياه كلها بلون الغرق”، فقد راهن عليها كثيرا حيث يقول: “لعلي قد راهنت أكثر مما يجب على الموسيقى، لعلي لم أحتط بما يكفي من بهلوانيات الرائع، من دجل الجميل”. كما اعتبرها ملجأ للأرواح التي جرحتها السعادة، فحتى السعادة تجرح كثيرا إذ أننا ما نفتأ نتذكر لحظات سعيدة من الماضي ثم نعرف أنها لم تعد موجودة في الحاضر حتى نشعر بالحزن، إذ يصبح تذكر السعادة بحد ذاته شقاء. وهذا الحزن هو ما يعتبره سيوران نقطة انطلاق الموسيقى إذ يقول: “الموسيقى منظومة وداع، توحي بفيزياء ليست نقطة انطلاقها من الذرات بل من الدموع”. هذه هي الموسيقى الحقيقية التي تجعلنا نجُسُّ الزمن. والشعر كذلك مثله مثل الموسيقى يُمكِّـنـنا من مغالبة الخواء الداخلي واستبعاد الزمن، “الموسيقى والشعر غيبوبتان متساميتان”.
لقد تمكن سيوران من البقاء حيا بفضل الكثير من الأسباب كالضحك والموسيقى والشعر والكتابة وغيرها. هنا أتساءل: هل هذه الأسباب هي وحدها التي تجعل عامة الناس يحتملون وجودهم ام هناك أساب أخرى أكثر قوة؟
يقول سيوران: “إنه الإيمان، لا يعدو أن يكون حيلة من حيل غريزة حب البقاء. إنها البيولوجيا تحكم كل شيء”. بهذه الشذرة الصاعقة، يغوص بنا سيوران في أعماق الإيمان ليكشف عن أحد مصادره الخفية، إنها غريزة حب البقاء. فالإيمان بإله ما أو التدين بدين ما ليس في نهاية المطاف سوى طريقة لإنقاذ العالم من مجرد الفناء بلا معنى، فأمام اللامعنى واللاجدوى اللذان يميزان هذا الوجود، حسب تصور سيوران، وأمام العجز عن تحمله يغدو الإيمان حلا مناسبا لتحمل الحياة. هذا الإيمان الذي يتحلى به أغلب الناس كي لا يضطروا يوما تلو اخر لاختراع أسباب جديدة يستطيعون معها الاستمرار في الحياة، كما كان يفعل سيوران. ذلك الإيمان الذي يستمد قوته من خلال الكثير من الأوهام الكبيرة التي ليست سوى تأكيد لأهميتنا في هذا العالم، وهذا ما يسميه سيوران بـ “الغريزة النبوية”. يقول: “إن النبي في كل واحد منا، إنما هو بذرة الجنون التي تجعلنا نزدهر في الفراغ”. فالنبي في نهاية المطاف ليس سوى رجل يجعلنا نستمر في الحياة من خلال خلق معنى، من خلال خلق وهم كبير. إن فكرة “العالم الاخر” التي توجد في جميع الأديان ليست سوى نداء لمعنى ما يجعلنا نستمر في الحياة.
لم يُعرف عن سيوران اعتناقه لدين ما، فهو يرى أن اعتناق دين معين ليس سوى كذب على الذات، و “ليس أسهل من تأسيس دين، لولا يقظة السخرية”. أما عن كتاباته عن الله فيشوبها الكثير من الغموض لدرجة يمكننا القول إنه لم يكن لا مؤمنا ولا ملحدا، بل كان ساخطا أيضا على الله، إذ لطالما توجه له بالعـتاب في العديد من كتاباته. يقول: “ما من شيء إلا وهو موسيقى، باستثناء المادة. الله نفسه ليس سوى هلوسة صوتية”، ” إلا أن الله الذي كان شيئا غير قابل للنفاذ لم يعد اليوم، أمام يأس المتصوفين والملحدين الشديد، سوى مسألة من المسائل”، كما اعتبر الله في شذرات أخرى مجرد جثة وأطلق عليه لقب “فاشل الفوق”. هذا الفاشل إذا تكلم ذات مرة مخاطبا البشر فسيقول جملة واحدة لا غير:” أخطأتم حين راهنتم علي!”.
على أية حال، فقد نتفق مع سيوران ونختلف معه في العديد من القضايا والمواضيع، إلا أنه يبقى واحدا من الذين تتوفر كتاباتهم على “مفهوم الحقيقة”، فقد غاص في أعماق الذات الإنسانية وغرائزها متأثرا بدوستويفسكي وشوبنهاور ونيتشه وغيرهم، متمردا على الوجود ساخطا عليه، إنه ببساطة يمثل ” قلبا لكل القيم”. أما القارئ فلا يمتلك، بعد قراءة سيوران، إلا خيارين اثنين، إما أن يقابل العالم بسخرية وينهال بالضحك، أو يتأمل وجوده وذاته من الداخل والخارج ويسقط في البكاء حتى تنتهي الحياة.

جامعة القاضي عياض

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق