ثقافة السرد

الفتاة المكسيكية

بقلم: جاك كيرواك ترجمة: علي القاسمي

تقديم:

ينتمي الروائي الشاعر الرسّام الأمريكي جاك كيرواك Jack Kerouak (1922ـ 1969) إلى ” الجيل المُتعَب” من أدباء أمريكا، بل هو أحد مؤسّسيه وقادته ويلقَّب بـ ” ملك المُتعَبين”، وهو الذي أطلق هذا الاسم على مجموعة من أصدقائه الشبان الموهوبين الذي كانوا يلتقون معه في جامعة كولومبيا في نيويورك حيث كان يدرس، بعد الحرب العالمية الثانية. وعُرِف عن هذه المجموعة رفضهم للثقافة المادية الأمريكية وقيمها السائدة، وانجذابهم للنزعات الروحية الآسيوية، وشذوذهم الجنسي، وولعهم بتناول المخدرات والمسكرات، حتى إنه توفي في سن السابعة والأربعين بسبب إفراطه في ذلك.
​نُشِرت قصة ” الفتاة المكسيكية” في دورية (إيشيو Issue ) شتاء سنة 1955، واختيرت ضمن كتاب ” أحسن القصص الأمريكية لعام 1956″. وتشكّل هذه القصة جزءاً من رواية جاك كيرواك ” على الطريق ” التي نُشِرت سنة 1957، والتي تعدّ من أهم الأعمال الأدبية للجيل المُتعَب. بيدَ أن جون أبدايك لم يضمّنها في كتابه “ أحسن القصص الأمريكية في القرن العشرين”، لأنها كانت مقتطعة من رواية، ولم تُكتَب في الأصل قصة قصيرة.
​أتعبتني ترجمة هذه القصة بقدر ما أمتعتني، ذلك لأنَّ كيرواك كتبها بأسلوبٍ أطلق عليه اسم ” النثر التلقائي”، فهو يدوِّن ما يعنُّ له، ويتنقّل بين لغةٍ شعريةٍ راقية ولهجة عامية دارجة، مع إحالاتٍ خاطفةٍ كثيرة على شخصيات وأعمال أدبية وفنية وموسيقية وغنائية وسينمائية ورياضية، كانت معروفة في زمانه، إضافة إلى استعمال ألفاظ وتعبيرات وتراكيب لهجية بعضها لم يعُد مستعملاً اليوم ولا تجده في معاجم اللهجة الأمريكية، كما يقوم أحياناً باشتقاق ونحت كلماتٍ جديدة قد لا يُكتَب لها الشيوع. ولهذا فقد استعنتُ أثناء الترجمة بثلاث أديبات من الناطقات باللغة الإنجليزية: أستاذة الأدب الأمريكي الدكتورة لوسي مِلبورن Dr. Lucy Milborne ، وأستاذة المجتمع الأمريكي وآدابه الشاعرة مورين كريسِك Maureen M. Crisick ، والأديبة الصحفية البريطانية مارغريت أوبانك Margaret Obank محررة مجلة ” بانيبال ” الإنكليزية زوجة الصديق الأديب صموئيل شمعون. وقد استعصت بعض تعبيرات كيرواك العاميّة على بعضهن، بسبب ظرفية اللهجة العامية المكانية والزمانية وعدم تمتعها بثبات نسبي. وأغتنم هذه الفرصة لأعبّر لهن عن شكري وتقديري.

القصة:

الفتاة المكسيكية

كنتُ قد اشتريتُ تذكرتي، وأخذتُ أنتظر الحافلة المتوجّهة إلى مدينة لوس أنجلس، عندما رأيتُ، فجأةً، أملحَ فتاةٍ مكسيكيةٍ صغيرةٍ بملابس خفيفة، تعبُر أمام ناظري. كانت جالسةً في إحدى الحافلات التي توقّفتْ لتوّها مع آهة كبيرة أطلقتها الفرامل الهوائية، وراحتْ تُفرغ ركّابها خلال توقُّف للاستراحة. كان نهداها بارزيْن منتصبيْن، وبدا ردفاها الصغيران لذيذين، وشعرها طويلاً أسودَ فاحماً لامعاً، وعيناها نافذتيْن زرقاويْن واسعتيْن مع ظلالٍ من الخجل في غوريْهما. تمنيتُ لو كنتُ في حافلتها. وطعن قلبي ألمٌ ممضٌ، كما يحصل لي كلَّ مرّةٍ رأيتُ فيها فتاةً أحببتُها بيدَ أنها ذاهبةٌ في الاتجاه المعاكس في هذا العالَم الكبير جداً.
أعلن مسؤول الاستعلامات في محطة الحافلات: ” إن الحافلة المتجهة إلى لوس أنجلس تحمّل ركّابها الآن في الباب رقم 2.” فصعدتُ إلى الحافلة. رأيتها جالسةً وحدها. جلستُ قبالتها بالضبط إلى جانب النافذة الأخرى، وشرعتُ في التخطيط حالاً. كنتُ أشعر بالوحدة جداً، وحزيناً جداً، ومتعباً جداً، ومرتبكاً جداً، ومفلساً جداً، ومنهكاً جداً، لدرجة أنني استجمعتُ شجاعتي، الشجاعة الضرورية للاقتراب من فتاة غريبة، وأقدمتُ على الفعل. ومع ذلك، كان عليَّ أن أُمضي خمس دقائق، وأنا أربتُ بيدي على فخذي في الظلام فيما الحافلة منطلقة في الطريق. ” يجب، يجب، وإلا ستموت. أيها الأحمق اللعين، تحدَّث إليها. ما خطبكَ؟ ألستَ متعباً من نفسك بما فيه الكفاية الآن؟” وقبل أن أعرف ما كنتُ أفعل، ملتُ على الممر في اتجاهها (كانت تحاول النوم على مقعدها): ” آنسة، هل تودين أن تستعملي معطفي وسادةً؟” فنظرتْ إليّ بابتسامةٍ وقالت: ” لا، شكراً جزيلا ً لكَ”. عدتُ مستوياً في مقعدي وأنا أرتجف، وأشعلتُ عقب سيجارة.
انتظرتُ حتى التفتتْ إليّ بنظرة جانبية سريعة حزينة، فاعتدلتُ وملتُ نحوها: ” هل لي أن أجلس معك، يا آنسة؟”
ـ ” إذا ترغب.”
وهذا ما فعلتُه. ” إلى أين ذاهبة؟”
ـ ” لوس أنجلس.”
أحببتُ الطريقة التي ينطق بها كلُّ واحد في الساحل الغربي اسم لوس أنجلس. فهي مدينتهم الذهبية الوحيدة، بعد أن يُقال كلُّ شيء وبعد أن يُفعَل كلُّ شيء.
صرختُ: ” وهذه وجهتي كذلك. وأنا سعيد جداً، لأنك سمحتِ لي بالجلوس معك. فأنا أشعر بالوحدة حقاً، وأنا مسافر منذ وقتٍ طويل جداً.”
ورحنا نسرد قصَّتيْنا. قصتها كما يلي: كان لها زوج وطفل. وكان الزوج يضربها، فتركته خلفها هناك في بلدة سابنال جنوب مدينة فرزنو، وهي الآن ذاهبة إلى لوس أنجلس لتعيش مع أختها مدة من الزمن، وقد تركتْ ابنها الصغير مع عائلتها التي تعمل في قطف العنب وتسكن في كوخ في حقول العنب. لم يكن لديها ما تفعله سوى الجلوس والاكتئاب والجنون. وأحسستُ برغبةٍ في وضع ذراعي حولها في الحال. وتحدّثنا وتحدّثنا. قالت إنها تحب أن تتكلَّم معي. وسرعان ما قالت إنَّها تتمنى لو تستطيع الذهاب إلى نيويورك كذلك. ضحكتُ قائلاً : ” ربما نستطيع”.
​تسلّقت الحافلةُ، بأنينٍ مسموع، ممرَّ النبيذ، ثم صرنا نهبط في منفسحٍ واسعٍ من الضوء. ومن دون التوصُّل إلى اتفاقٍ معيّن، أخذنا نمسك بيدَي بعضنا. وبنفس الطريقة، تقرَّر بصورة صامتة وجميلة ونظيفة، أنّه عندما أحصل على غرفتي في أحد فنادق لوس أنجلس، ستكون بجانبي. كان جسمي كلُّه يتوق إليها. وغمرتُ وجهي بشعرها الجميل، وجعلني كتافاها الصغيران أُجنّ، فضممتها وضممتها إليّ، وأعجبها ذلك.
​قالت وهي تغمض عينيها: ” إنني أُحبّ مطارحة الغرام.”، فوعدتها بغرام جميل. ورحتُ أتأملها بإعجاب ونشوة. لقد سُرِدت قصتينا، وخلدنا إلى الصمت، وإلى التأملات والتوقعات الحلوة. هكذا بكلِّ بساطة. وأنتَ تستطيع أن تحظى بجميع الفتيات في هذا العالَم، أمّا هذه فهي فتاتي، وهي نوع الفتاة التي تتمناها روحي. وقد أخبرتها بذلك. فاعترفتْ لي بأنَّها رأتني وأنا أراقبها من مسطبة محطة الحافلات ” حسبتُ أنَّك فتىً لطيفٌ في إحدى الكلِّيات.”
​أكّدت لها قائلاً: ” آه، إنني طالب في الكلِّيَّة.”. وصلت الحافلة إلى هوليوود، في الفجر القذر الرمادي، تماماً مثل ذلك الفجر الذي التقى فيه جويل ماكري بفتاته فيرونكا ليك وهو في مطعم القطار في فيلم ” رحلات سوليفان”. ونامت في حضني. تطلعتُ بنهم إلى خارج النافذة. بيوت مطلية بالجص، وأشجار نخيل، ودور سينما مكشوفة، وجميع تلك الأشياء المجنونة، أرض الميعاد المهترئة، النهاية الخلابة لأمريكا.
​نزلنا من الحافلة في الشارع الرئيس الذي لا يختلف عن أيِّ شارعٍ تتوقَّف فيه الحافلة في مدينة كنساس أو شيكاغو أو بوسطن. فهو مبنيٌّ بالآجر الأحمر، وقذر، ويتجوَّل فيه الناس، والعربات ذات القضبان الحديدية، في فجرٍ بلا أمل، ورائحة المدينة الكبيرة القذرة.
​وهنا اختلّ عقلي. لا أدري لماذا. راحت تراودني رؤىً مرعبةٌ مفادها أن تيريزا، أو تيري، اسمها، هي مجرد محترفة عاديّة تعمل على الحافلات لحساب مجرم، بحيث ترتِّب هي مواعيد مثل موعدنا في لوس أنجلس، فتجلب الضحية المغفَّل أوَّلاً إلى مكانٍ يتناولان فيه الفطور، وهناك ينتظرها صاحبها، ثمَّ إلى فندقٍ يستطيع هذا دخوله وهو يحمل مسدسه أو ما أشبه. لم أصارحها بهذه الرؤى. تناولنا فطورنا، وظلَّ قوادٌ يراقبنا. تخيّلتُ تيري وهي تبعث إليه بإشارات سرّيّة بعينيْها. كنتُ متعباً وشعرتُ غريباً وضائعاً في مكانٍ مُقرِفٍ بعيد. وسيطر رعبٌ أبله على أفكاري، وجعلني أتصرَّف بطريقةٍ رخيصةٍ تدعو إلى الرثاء. فقلتُ:
ـ ” هل تعرفين ذلك الرجل؟”
ـ ” أيُّ رجل تعني، يا عزيزي؟”
تخلّيتُ عن سؤالي.
كانت بطيئة، وتتمهل في كلّ شيء تفعله، فاستغرق منها الأكل وقتاً طويلاً، فقد كانت تمضغ ببطء، وهي تحدّق في الفراغ؛ وتدخِّن سيجارتها ببطء، وهي تواصل الحديث. وكنتُ أنا مثل شبحٍ منهكٍ يشكُّ في كلِّ حركةٍ تقوم بها، ظنّاً منه بأنّها تتباطأ كسباً للوقت. كانت تلك نوبةً من نوبات المرض، وكنتُ أتصبب عرقاً، فيما كنا نسير في الشارع ويدي في يدها. وظلَّ الناس يلتفتون وينظرون إلينا. وجدنا غرفةً فارغةً في أول فندق ولجناه، وقبل أن أدري، وجدتني أغلق الباب خلفي وهي جالسة على السرير، تخلع حذاءها. قبَّلتُها، وأنا خائف. ومن الأفضل أن لا تعرف حالتي. ولكي نريح أعصابنا، أدركتُ أنَّنا في حاجة إلى قنينة ويسكي، خصوصاً أنا. أسرعتُ خارجاً وبحثتُ بسرعة عبر اثني عشر شارعاً حتى وجدتُ قنينة ويسكي للبيع في كشكٍ لبيع الصحف. وجريتُ عائداً بنشاط. كانت تيري في الحمام تزيِّن وجهها. صببتُ شراباً في كأس زجاجي كبير، وتناولنا جرعات منه. آه، لقد كان شراباً حلواً ولذيذاً، ويساوي حياتي، جميع حياتي، ورحلتي الحزينة. وقفتُ خلفها أمام المرآة ورقصنا في الحمّام بتلك الوضعية. وطفقتُ أتحدّثُ عن أصدقائي في الساحل الشرقي. قلتُ: ” ينبغي أن تقابلي فتاةً رائعةً أعرفها، اسمها دوري، طولها ستة أقدام وشعرها أحمر. إذا أتيتِ إلى نيويورك، فإنَّها ستُريكِ أين تحصلين على عمل.”
​سألتْ بشيءٍ من الريبة:
ـ ” مَن هي هذه الفتاة ذات الشعر الأحمر التي يبلغ طولها ستة أقدام؟ لماذا تتحدّث إليّ عنها؟”
في فهمها البسيط، لم تستطِع أن تتصوَّر أن كلامي كان نتيجة حالتي العصبية المبتهجة. لم أتابع الحديث. وأخذتْ تنتشي وهي في الحمّام. ورحتُ أردِّد: ” تعالي إلى الفراش.”
ـ ” فتاة ذات شعر أحمر وطولها ستة أقدام، أليس كذلك؟ وكنتُ أحسب أنكَ طالب كليّة لطيف. رأيتكَ مرتدياً كنزتك الجميلة، وقلتُ في نفسي: أليس هو لطيفاً؟ لا، لا، ثمَّ لا. لا بُدَّ أنكَ قوّاد لعين مثلهم جميعاً.”
ـ ” ماذا تقولين بحق الجحيم؟”
ـ ” لا تقف هناك وتخبرني أنَّ تلك الفتاة ذات الشعر الأحمر والتي يبلغ طولها ستة أقدام ليست عاهرة، لأنَّني أعرف العاهرة عندما أسمع عنها، وأنتَ مجرَّد قوّاد مثل بقية الآخرين الذين ألتقي بهم. كلُّ واحدٍ قوّاد.”
ـ ” اسمعي، يا تيري. أنا لستُ قوّاداً. أقسم لك بالكتاب المقدَّس، أنا لستُ قوّاداً. لماذا أكون قوّاداً. أنا مهتمٌّ بكِ فقط.”
ـ ” طوال الوقت، كنتُ أحسب أنني التقيتُ بفتى لطيف. كنتُ مسرورة جداً. هنّأتُ نفسي وقلتُ: آه إنه فتى لطيف حقاً، بدلاً من قواد لعين.”
​توسّلتُ إليها بكلِّ جوارحي، قائلاً:
ـ ” تيري، استمعي إليَّ رجاءً وافهميني. أنا لستُ قوّاداً. أنا مجرّد فتى برئ. انظري إلى محفظتي.”
وقبل ساعةٍ، حسبتها محترفة. ما أحزن ذلك. اختلف عقلانا بما كانا يخزنانه من جنون. أيتها الحياة الفظيعة، كم أننتُ، وشكوتُ، وغضبتُ، ثم أدركتُ أنني أشكو إلى فتاة مكسيكية صغيرة غبيّة، وقد أخبرتها بذلك. وقبل أن أعرف ما أفعل، أخذتُ فردتي حذائها الأحمر ورميتهما على باب الحمّام، وأمرتها بالخروج فوراً: ” اخرجي. اذهبي”. أما أنا فسأنام وأنسى، لي حياتي الخاصة، حياتي المهترئة الخاصة الحزينة إلى الأبد. ران هناك صمت ثقيل في الحمّام. وخلعتُ ملابسي وأويتُ إلى الفراش. خرجتْ تيري من الحمّام ودموع الندم في عينيها، فقد رسخت في فكرها الصغير البسيط والمضحك حقيقةٌ مفادها أنَّ القواد لا يرمي باب الحمّام بحذاء المرأة، ولا يطلب منها الخروج من غرفته. وبصمتٍ وقورٍ وحلوٍ، خلعتْ ملابسها ودسّت جسمها الصغير في المُلاء معي. كان جسدها أسمر كالعنب، ووركاها ضيقيْن جداً، بحيث إنها لا يمكن أن تحمل بجنين دون أن تنشرخ، ولهذا لاحت ندبة عمليّة قيصرية على بطنها المسكين. وكانت ساقاها مثل عُصيَّتيْن صغيرتيْن. وكان طولها أربعة أقدام وعشرة بوصات. طارحتها الغرام في حلاوة الصباح المرهَق. ثم حلّق ملاكان صغيران من نوع ما في موضع من مواضع مدينة لوس أنجلس، بعد أن عثرا على ألذِّ شيء في الحياة معاً، فقدغشانا النعاس وبقينا نائميْن حتى الظهر.
​وفي الخمسة عشر يوماً التالية، كنا معاً في السراء والضراء. قررنا أن نسافر إلى مدينة نيويورك بطريقة الـ ” أوتو ستوب”، وستكون صديقتي في المدينة. وتصوّرتُ تعقيدات غريبة، وتصورت فصلاً، فترة جديدة. أولاً، ينبغي علينا أن نعمل، ونكسب مالاً كافياً للرحلة. وكانت تيري مستعدة للبدء حالاً بدولاراتي العشرين. لم أحبّذ الفكرة. ومثل أحمق ملعون، فكَّرتُ في المشكلة مدة يوميْن وأنا أقرأ الإعلانات عن عروض العمل في صحف مدينة لوس أنجلس الجديدة التي لم أرها في حياتي من قبل، في المطاعم وفي الحانات، حتى تضاءلت دولاراتي العشرين إلى اثني عشر دولاراً، وازداد الوضع سوءاً. كنا فرحيْن كطفليْن بغرفتنا الصغيرة في الفندق. في منتصف الليل نهضتُ، لأنّني لم استطع النوم، وسحبتُ الغطاء على كتفَي الحبيبة السمراوين، وأخذتُ أتفحّص لوس أنجلس في الليل. ما أوحش هذه الليالي الحارة الشبحية. عبر الشارع، ثمة مشكلة. هناك نُزلٌ قديم متهالك صار مسرحاً لفاجعة من نوع ما؛ فقد توقَّفت سيّارة الشرطة تحتنا، وأخذ رجال الشرطة يستجوبون شيخاً ذا شعر أشيب. وراح صوت النحيب يصلنا من داخل النُّزل مع طنين مصابيح النيون. كان في وسعي أن أسمع كل شيء مع طنين مصابيح النيون في فندقي. لم أشعر بالحزن في حياتي أبداً كما شعرتُ به آنذاك. فلوس أنجلس هي أكثر المدن الأمريكية وحشة وقسوة. تصبح نيويورك باردة جداً في الشتاء، ولكن يخامرك شعور بأنَّ ثمَّة رفقة حميمة في مكان ما في شارع ما، أما لوس أنجلس فهي الغاب.
​في الشارع الرئيس الجنوبي، حيث كنا أنا وتيري نتمشى فيما نتناول السجق، كان هنالك مهرجان من الأضواء والهياج؛ فقد كان رجال الشرطة الذين يلبسون أحذيتهم الطويلة العنق، يلاحقون مجموعة من الشباب المرحين في كل زاوية تقريباً. وعلى قارعات الشوارع، تتمشى جماعات من أفظع الأشخاص المسحوقين. كلُّ ذلك يجري تحت نجوم جنوب كالفورنيا الناعمة الضائعة في الهالة الداكنة للمخيّم الصحراوي. في وسعك أن تشمّ رائحة الشاي، ورائحة الأعشاب، أعني رائحة الميراوانا وهي طافية في الهواء ومختلطة بروائح اللوبيا بصلصة الفلفل الأحمر والبيرة. وتصلك أصوات موسيقى الجاز الصاخبة من صناديق الموسيقى في حانات البيرة، لمغنين مثل ديزي وبيرد وباغز ومايلز في أغانيه الأولى، وتختلط هذه الأغاني بكل نوعٍ من أغاني رعاة البقر والأنغام النشاز في الليل الأمريكي. كلُّ واحدٍ من المارّة يبدو مثل هونكي. وجاء زنوج طوال ذوو لحى، وهم يعتمرون خوذاً صغيرة ومرّوا وهم يضحكون. وقدِمَ شبان طوال الشعر مفلسون من الطريق رقم 66 من نيويورك، ثمٌّ وصل رعاعٌ وهم يحملون أكياساً ويتجهون إلى مسطبة في الحديقة الكائنة في الميدان. ثم ظهر قسسٌ من الكنيسة المثوديستية بأكمامهم المطرّزة، وبرز قديس بلحيته ونعله. كنتُ أودّ أن أقابلهم جميعاً وأتحدّث مع كلِّ واحد منهم، ولكن تيري أسرعت إليّ، فقد كنا مشغولين في محاولة الحصول على عمل لنا معاً، مثل كلِّ فرد آخر.
​ذهبنا إلى هوليوود في محاولة للعمل في صيدلية تقع عند ملتقى شارع الغروب وشارع الكروم. كانت الأسئلة التي وُجِّهت إلينا، في المكاتب الكائنة في الطابق الأعلى، للتأكد من صلاحيتنا للعمل في نضد المشروبات اللزج القذر، خبيثة لدرجة أنها أضحكتني. إنها قلبت معدتي. زاوية شارعي الغروب والكروم ـ أية زاوية! الآن هناك زاوية! الآن وصلت عائلات كبيرة من المناطق الخلفية وترجلت من سياراتها القديمة ووقفت على قارعة الطريق تتحيّن الفرصة لإلقاء نظرة على نجم سينمائي، والنجم السينمائي لم يظهر أبداً. وعندما تمرُّ سيارةٌ فارهةٌ، يتسابق الواقفون بلهفة إلى حافة الطريق لينظروا إلى مَن فيها. وهناك في السيارة تجلس شخصيّةٌ ترتدي نظارة سوداء بصحبة شقراء مرصٌّعة بالجواهر. ” إنه الممثل ألدون أميش، إنه ألدون أميش.” ، ” لا، إنه الممثل جورج ميرفي، جورح ميرفي.” ويستديرون بلا نظام وينظر أحدهم إلى الآخر. وتسرع فتيات صغيرات جميلات وهن يحملن صينيات الأطعمة. فقد جاءت تلك الفتيات بالآلاف إلى هوليوود ليصبحن ممثلات في السينما، ولكنهن بدلاً من ذلك اشتغلن في مزابل الآخرين، بما فيه مطاعم داريل زانوك. ووصل فتيان وسيمون شاذون، كانوا قد جاءوا إلى هوليوود ليصبحوا رعاة بقر في الأفلام، وصلوا يتنزهون وقد صبغوا حواجبهم بأصباغ الأظافر. أولئك الفتيات الصغيرات الجميلات يسرن وهن يرتدين الملابس الخفيفة في موكب طويل لا يُصدَّق، حتى تظنَّ أنك في الجنة، ولكنك في حاجز التطهير فقط، وكل فرد على وشك أن يُغفَر له. جاءت أولئك الفتيات ليكن ممثلات، وانتهى بهن الحال ليكن نادلات في دور السينما المكشوفة، العبوس على وجوههن، وندبات على سيقانهن العارية.
​حاولنا أنا وتيري أن نجد عملاً في المطاعم أو دور السينما المكشوفة. لم يكن هناك عمل في أي مكان. الحمد لله. كان شارع هوليوود مزدحما بالسيارات العظيمة ذات الصخب المجنون. كانت هناك حوادثُ سيرٍ طفيفةٌ مرةً كلَّ دقيقة على الأقل. كلُّ واحد منطلق إلى آخر نخلة…وفيما وراء ذلك لا توجد سوى الصحراء والخلاء. هكذا حسبوا. وأنتَ لا تتوقع أن يعرف كل واحد بأنك تستطيع أن تجد الماء في الصبّار ولا حلوى التوفي في نبات المسكيت الشائك. ووقف فتيان هوليوود أمام المطاعم الراقية، وهم يتجادلون بصوتٍ عالٍ مفعم بالخيلاء تماماً بنفس الطريقة التي كان فتيان برودواي يتجادلون فيها على أرصفة الشوارع في ” جاكوب بيتش” في نيويورك، مع فارق واحد هو أنهم هنا يرتدون بدلات خفيفة وكلامهم أكثر تفاهة ومملاً بصورة لا توصف. ومرّ بنا كهنة طوال نحاف الأجسام. وهناك مجموعة من سيدات في السبعينيات من عمرهن، ينتمين إلى جمعية الرزكروشي الدينية القديمة، وهن يعتمرن عصابات في شعرهن، وقفن تحت أشجار النخيل بصورة لا تدلُّ على شيء. وجرت نساء غليظات وهن يصرخن وعبرن الشارع ليقفن في طابور المشاركين في العروض الاختبارية. ورأيتُ الممثل جيري كولونا وهو يشتري سيارة في محلِّ سيارات ” بيوك”، كان وراء النافذة الزجاجية الكبيرة وهو يفتل شاربيه. أمرٌ لا يُصدَّق ولكنَّه حقيقي، تماماً مثل رؤية الممثلين البدلاء الثلاثة المضحكين ذوي الوجوه المطلية باللون الأبيض، وقد غطّوا وجوهم بالرماد في غرفة حقيقية. أكلنا أنا وتيري في كافتيريا في وسط المدينة، وكانت مزخرفة بطريقة تجعلها تبدو مثل كهف، مع عصافير معدنية منتشرة في جميع أنحاء المكان، مع تماثيل صخرية تمثل حوريات البحر ونبتون الزلق. وكان الناس يتناولون وجبات تعيسة حول الشلالات، ووجوههم كئيبة يطبعها حزن البحارة. وجميع رجال الشرطة في لوس أنجلس يبدون مثل رجال بغاء وسيمين؛ من الواضح أنهم قدِموا إلى لوس إنجلس ليكونوا ممثلين. كلُّ شخص كان قد جاء إلى لوس أنجلس ليعمل في السينما، حتى أنا. وأخيراً اضطررتُ أنا وتيري إلى تخفيض توقعاتنا إلى محاولة الحصول على عمل في الشارع الرئيس الجنوبي، مع عمال المطاعم المتعبين وفتيات غسل الصحون الذين لا يخفون الإنهاك الذي يصيبهم؛ وحتى هناك لم نحصل على عمل. ما زال لدينا اثنا عشر دولاراً.
​قالت تيري:
ـ ” سآخد ملابسي من أختي، وسنسافر إلى نيويورك بطريقة الـ ” أوتو ستوب”. هيّا يا رجل لنفعلها. إذا لم يكن في وسعك التصرف، فأنا أعرف ، وسأريك كيف.” والجزء الأخير من كلامها عبارة عن أغنية من أغانيها التي تنشدها دوماً، محاكيةً إسطوانة مشهورة. أسرعنا إلى منزل أُختها في الأكواخ المكسيكية المنتشرة فيما وراء شارع الميدا. انتظرتُ في زقاقٍ مظلمٍ خلف المطابخ المكسيكية، لأنه ليس من المفروض أن تراني أُختها، فذلك لا يروق لها. كانت الكلاب تجري بالقرب مني. وثمة مصابيح صغيرة تضيئ أزقة الفقراء الضيقة. وقفتُ هنالك وأنا أرتشف جرعات كبيرة من قنينة نبيذ، وأرقب النجوم، وأستمع إلى الأصوات الصادرة من الجوار. وكان في وسعي أن أسمع تيري وأختها تتجادلان في تلك الليلة الدافئة الهادئة. وكنتُ مستعداً لأي شيء. خرجتْ تيري وسحبتني من يدي إلى الشارع المركزي الذي هو الممشى الرئيس الملوَّن في لوس أنجلس. وأي مكان غريب هو، فقد كان يضم أكواخاً صغيرة لا تتسع بالكاد إلا إلى صناديق الموسيقى التي كانت تطلق لاشيء سوى الأغاني الخفيفة والشعبية والراقصة. وارتقينا سلم بناية قذرة ووصلنا إلى غرفة صديقة تيري، واسمها مرغرينا، وهي فتاة ملوّنة يبدو أنَّ أمها الحنون أسمتها بذلك الاسم بعد أن تهجّت الاسم مكتوباً على علبة زبدة اصطناعية. وكانت مرغرينا، وهي خلاسية لطيفة، قد استلفتْ من تيري فستاناً وحذاء، وكان زوجها زنجياً أسود كالمسك ولطيفاً. خرج في الحال واشترى قنينة ويسكي للقيام بواجب الضيافة نحوي بطريقة لائقة. حاولتُ أن أدفع له بعض ثمنها ولكنَّه رفض. ولهما طفلان صغيران كانا يتقافزان على السرير الذي كان ساحة لعبهما. وضعا أذرعهما حولي وأخذا ينظران إليّ بعجب. وكان ضجيج الليل الغريب الصادر من الشارع المركزي يعوي ويدوي في الخارج، مثل موسيقى ” رقصة الشارع المركزي” التي وضعها الموسيقار هامبتون. كانوا يغنون في القاعات، ويغنّون عبر نوافذهم، وما عليك إلا أن تنظر إلى الخارج. أخذت تيري ملابسها وقالت وداعاً. ذهبنا إلى أحد المطاعم في الأكواخ الصغيرة ورحنا نستمع إلى الأغاني التي نضع اسطواناتها في صندوق الموسيقى. قرّرنا ما سنفعله ونحن نتناول البيرة: لقد قررنا أن نسافر، بما تبقى لنا من نقود، إلى نيويورك بطريقة الـ ” أوتو ستوب”. كان لديها خمسة دولارات من أختها. أسرعنا عائدين إلى الأكواخ. وهكذا وقبل أن يحل موعد تسديد أجرة الغرفة ليوم جديد، حزمنا أمتعتنا وسافرنا في سيارة حمراء متجهة إلى أركاديا، كاليفورنيا، حيث يوجد ميدان سباق الخيل “سانتا أنيتا” تحت جبال مكللة بالثلوج، كما كنتُ أعرف ذلك أيام فتوتي من ملصقات صور سباق الخيل في دفاتري القديمة الحزينة، التي يظهر فيها أزوكار وهو يربح الجائزة الكبرى التي قيمتها مائة ألف دولار سنة 1935، وفي إمكانك أن ترى الثلوج الباهتة مكومة على ظهور الجبال المنحنية. كنا في الطريق رقم 66، والوقت ليل. وكنا متجهين إلى الفضاء الشاسع الذي هو القارة الأمريكية. ومشينا، ويدينا متلازمتان، عدة أميال في الطريق المظلم، لنخرج من المنطقة المأهولة بالسكان. كانت ليلة السبت. وقفنا في الطريق تحت أحد المصابيح ونحن نشير بإبهامينا عندما مرّت بنا فجأة سيارات محملة بالصبيان وهم يرفعون الرايات ويصرخون: ” ياه، ياه، نحن انتصرنا، نحن انتصرنا.” ثم رفعوا أصواتهم في اتجاهنا، وقد أصابتهم نشوة كبيرة لرؤية فتى وفتاة يسيران في الطريق. عشرات منهم مرّوا علينا في موجات متعاقبة، “وجوه غضة وأصوات فتية مبحوحة”، كما يُقال. لقد كرهتُ كلَّ واحدٍ منهم. مَن يظنّون أنفسهم ليصرخوا في وجه شخصٍ ماشٍ في الطريق. ألأنهم صبيان مدرسة ثانوية، وآباءهم من الأغنياء الذين يهيئون المشويات عند الظهر أيام الآحاد؟ لم نحصل على أحد يأخذنا معه بسيارته إلى نيويورك. فتوجّب علينا أن نعود مشياً إلى المدينة، والأسوأ من ذلك كله أننا كنا بحاجة لفنجان فهوة، ومن سوء حظنا أننا رجعنا إلى نفس المكان المبهرج الموشى بالأخشاب الذي يضم نضد البيرة في مقدِّمته. ونفس الصبيان كانوا هناك، ولكننا لم نعِرهم بالاً. وارتشفنا أنا وتيري قهوتنا والكاكاو. لدينا حقائب بالية والعالم كله أمامنا… وجميع تلك الأرض هناك، تلك الصحراء المتربة، والضوضاء. كنا نبدو مثل زوجين متجهميْن من الهنود الحمر أمام طاولة المشروبات الغازية في ينابيع النافاهو ورأساهما منحنيان على الطاولة. والآن لاحظ تلاميذ المدرسة أن تيري مكسيكية، قطة باشوكو برّيّة، وأن رفيقها أسوء من ذلك. سارت تيري بين التلاميذ وأنفها الجميل مرتفع في الهواء، ونحن نخرج من هناك. وتجولنا معاً في الظلام على طول قنوات صرف الطريق السيار. كنتُ أحمل الحقائب وأردتُ أن أحمل أكثر من ذلك. سلكنا الطريق وواصلنا السير وكنا نتنفس الضباب في هواء الليل البارد. لم أرِد أن أستمر دقيقة أخرى دون أن أستمتع براحة ليلة دافئة في فراش دافئ معاً. اللعنة على الصباح، ولنختفي عن أعين العالم ليلة أُخرى. أردتُ أن أضمّها بين أطرافي كلها، لا تحت ضوء المصابيح بل تحت ضوء النجوم المطلة علينا من النافذة. ذهبنا إلى نُزل في الطريق، وسألنا ما إذا كان لديهم غرفة. نعم. حجزنا غرفة صغيرة مريحة لقاء أربعة دولارات. كنتُ سأنفق نقودي على أية حال. ثمة حمّام، ومناشف، وراديو على الجدار، وكلُّ شيء، مجرَّد لليلةٍ واحدةٍ أُخرى. تعانقنا بقوَّة. وتبادلنا حديثاً جديّاً طويلاً، واستحممنا، وناقشنا أموراً على الوسادة وتحت أضواء المصابيح. وتمّ الاتفاق على شيءٍ ما، فقد أقنعتها بأمرٍ قبلتْه، وختمنا اتفاقنا في الظلام، بلا أنفاس. ثم رضينا مثل حمليْن وديعيْن.
​في الصباح، انطلقنا بجرأة لتنفيذ خطتنا الجديدة. ارتدت تيري نظارتها الشمسية الغامقة، فأعطتها هيبة ووقاراً، وهي على وجهها الحاد الصغير الجميل، ذي الأنف النبيل، الذي يشبه أنفاً هندياً صقري الشكل، ولكن مع خدين أسيلين لطيفين لاستكمال تورّد حياء وجهها البيضاوي، مع شفتين ممتلئتين ياقوتيتين، وأسنان منظومة مثل حاشية فستان العمّة جميما، وليس هنالك من لون طيني عليها، ولكنْ لونٌ مثل خضاب على بشرتها المغولية. كنا ذاهبيْن لنستقل حافلة متوجهة إلى بيكرسفيلد لقاء آخر ثمانية دولارات لدينا ونعمل هناك في قطف العنب. ” فبدلاً من الذهاب إلى نيويورك الآن، استقر رأينا على أن أعمل لفترة ونحصل على ما نحتاج، ثم نذهب إلى نيويورك بالحافلة دون أن نضطر إلى السفر بطريقة الـ ” أوتو ستوب”، فقد رأينا أن هذه الطريقة لم تفلح..”
​وصلنا بيكرسفيلد مساءً، مع خطتنا لمقابلة كلِّ بائع فواكه بالجملة في المدينة. قالت تيري إننا نستطيع أن نسكن في خيام أثناء العمل. وقد راقت لي فكرة النوم في خيمة، وقطف العنب في صباحات كالفورنيا الباردة، بعد تمضية الليالي على موسيقى الغيتار واحتساء النبيذ مع العنب المغموس. ” لا تقلق لأي شيء”.
​ولكن لم يكن هناك عمل يمكن الحصول عليه، وإنما كثير من الارتباك حيث أعطانا كلُّ واحد قابلناه معلومات مشوشة وكثيراً من النصائح.(” اذهبا إلى الطريق الزراعي وستجدان ساكانو”)، ولم تتبلور فرصة العمل. وهكذا ذهبنا إلى مطعم صيني وتناولنا ما قيمته دولار من أكلة (تشو ميان) مع عائلات مساء السبت الحزين، نراقبهم، ثم ننطلق بجسم مقوّى. ذهبنا، عبر طرق المحيط الجنوبية، إلى الحي المكسيكي. ورطنت تيري مع أبناء جلدتها طالبة عمل ما. حلّ الليل الآن وليس لدينا سوى بضعة دولارات. وكان الشارع في تلك البلدة المكسيكية مرصوفاً بالمصابيح الكهربائية المتوهجة، وسرادق الأفلام، وبسطات الفواكه، وأروقة الدكاكين، ، وخمسة وعشرة ومائة من الشاحنات المهترئة والسيارات المغطاة بالوحل الواقفة في كلِّ مكان. وكانت عائلات مكسيكية بأكملها تعمل في قطف الفواكه تتجول في المكان وأفرادها يأكلون حبوب الذرة المشوية. وتحدّثتْ تيري مع كلِّ واحد منهم. وأخذ اليأس ينتابني. ما كنتُ في حاجة إليه وما كانت تيري في حاجة إليه كذلك، هو مشروب. ولهذا اشترينا قنينة من نبيذ كاليفورنيا بمبلغ 35 سنتاً وذهبنا إلى ساحة تجمع القطارات لشربها. وجدنا مكاناً حيث جلس العمال المتجولون على صناديق بالقرب من النار. جلسنا هناك وشربنا النبيذ. ثمة سيارات شحن إلى يسارنا، وقد بدت حزينة وحمراء قاتمة تحت ضوء القمر؛ ولاحت أمامنا مباشرة أضواء مطار باكرسفيل؛ وعلى يميننا مخزن ضخم للألمنيوم. تذكّرت ذلك فيما بعد عند المرور عليه. آه، كانت ليلة لطيفة، ليلة دافئة، ليلة شرب النبيذ، ليلة مقمرة، ليلة تصلح لعناق حبيبتك والتحدُّث إليها وـتضرم النار وتحلم بالنعيم؛ وهذا ما فعلناه. كانت حمقاء صغيرة مولعة بالشراب، وسايرتني وتفوّقت عليَّ، وواصلت الكلام حتى منتصف الليل، ولم نتحرك أبداً من ذلك الصندوق الذي كنا نجلس عليه. وبين الحين والآخر كانت تمر بعض الحسناوات، وتمر أمهات مكسيكيات مع أطفالهن، وتقترب سيارة الشرطة منا ويخرج منها الشرطة ليسيروا قليلا، ولكن معظم الوقت كنا وحدنا وتمتزج روحانا أكثر فأكثر حتى أصبح من الصعب جداً أن نفترق. وفي منتصف الليل نهضنا وسرنا في اتجاه الطريق السيّار.
​وخطرت فكرةٌ جديدةٌ لتيري. سنسافر، بطريقة الـ “أوتو ستوب”، إلى سابينال، بلدتها في أعالي وادي سان جوكان، ونسكن في مرأب أخيها. أيّ شيء كان يناسبني، خصوصاً مرأب لطيف. وفي الطريق، جعلتُ تيري تجلس على حقيبتي لتبدو مثل امرأة في محنة، وسرعان ما توقَّفت سيارة شحن، فجرينا نحوها ونحن نتضاحك. كان السائق رجلاً لطيفاً وسيارته بائسة، وزمجرت وزحفت صاعدة إلى أعلى الوادي. ولم نصل سابينال إلا في ساعات الصبح الباكر، بعد أن قاد ذلك العاشق النعسان المتعب عربته المجلجلة القديمة من ليون سبرنغز في أسفل الوادي إلى إلى حقول العنب والليمون مدة أربع ساعات، لينزلنا من سيارته مع وداع بهيج قائلاً ” إلى اللقاء، يا رفيقي الرحلة”، وها نحن مع قنينة النبيذ الفارغة ( أنا، فيما كانت هي نائمة في سيارة الشحن). الآن أنا ثمل. السماء رمادية في الشرق. ” أفق، فالصبح في صحن الليل…”. كانت هناك ساحة مورقة هادئة، مشينا فيها ومررنا على محلات بيع المشروبات الغازية، وصالونات الحلاقين، كلّها ما زالت نائمة، ونحن نبحث عن مرأب. ولم يكن هناك مرأب. بيوت بيضاء شبحية. بلدة صغيرة من أيام الباحثين عن الذهب، لا يتوقّف فيها القطار إلا ليطلق صفارته. لم تستطع أن تعثر تيري على مرأب أخيها. ولكننا الآن سنذهب للعثور على أخيها نفسه الذي يعرف مكان مرأبه. لم يكن هناك أحد في المنزل. كل ذلك جرى في الأزقة الكسيحة لبلدة سابينال المكسيكية الصغيرة، الواقعة على الجانب الخطأ من الطريق. وعندما أخذ الفجر ينبلج، تمددتُ على ظهري في عشب ساحة البلدة. وكنتُ قد فعلتُ ذلك من قبل، عندما حسبوا أنني غرقتُ في منتجعٍ في الساحل الشرقي، وأخذتُ أردد مرة تلو الأخرى: ” أنتَ لن تخبر أحداً بما فعله في (ويد)، أليس كذلك؟ ما الذي كان سيفعله في ويد؟ أنتَ لن تخبر أحدا ما الذي كان سيفعله في (ويد)؟” وهذا مقتبس من فيلم ” فئران ورجال” حينما كان (برغس ميريديث) يتكلَّم مع رئيس العمال في المزرعة؛ كنتً أظنّ أننا اقتربنا من (ويد). ضحكت تيري. أي شيء اقعله كان حسنا بالنسبة إليها. كان في وسعي أن أنطرح هناك وأردد: ” ما الدي كان سيفعله في ويد؟” حتى تخرج السيدات من بيوتهن إلى الكنيسة، وتيري لا تعبأ بذلك.
​ولأن أخيها في تلك الأنحاء، حسبتُ أن أمرنا جمعياً سيسوى عمّا قريب، ولهذا أخذتها إلى فندق قديم قرب الطريق وأوينا إلى الفراش بارتياح. بقي لدي خمسة دولارات. كانت رائحة الصباغة الجديدة تفوح في الفندق، حيث المرايا المؤطَّرة بخشب المهاغوني، والصرير الصادر من السرير. استيقظتْ تيري مبكّرة في الصباح المشمس الساطع، وذهبتْ تبحث عن أخيها. نمتُ حتى الظهر، وعندما ألقيتُ نظرةً عبر الشبّالك، رأيتُ قطار شحن بطئ يمرُّ بالقرب منا وهو محمّل بمئات العمال المشرَّدين المتكئين على العربات المسطحة وهم يهتزّون بسعادة مستخدمين صررهم بمثابة وسائد، ووضعوا أوراق جرائد على أنوفهم، وبعضهم يمضغ عنب كالفورنيا الجيد الذي التقطوه بالقرب من خزان الماء. فصرختُ: ” اللعنة، إنها فعلاً الأرض الموعودة”. جميعهم جاءوا من بلدة فريسكو، وخلال أسبوع، سيعودون كلهم بنفس الطريقة الفخمة.
​وصلتْ تيري مع أخيها، وصديقه، وابنها. أخوها شاب مكسيكي رائع وفيه عطش للسُّكر. فتى طيّب عظيم. وصديقه مكسيكي ضخم ومترهل، يتكلَّم الإنجليزية بقليل من اللكنة الأجنبية، وكان تواقاً ليرضي الآخرين، ومهتمّاً بالبرهنة على شيءٍ ما. كان في وسعي أن ألاحظ أنَّ عينيْه دائماً على تيري. ابنها الصغير ريموند، وعمره سبع سنوات، له عينان سوداوان ولطيف. حسناً، نحن هنا، وبدأ يوم غريب آخر.
​كان اسم أخيها فريدي، وعنده سيارة شحن من نوع شيفي 1938. انحشرنا في تلك السيارة واتجهنا إلى مناطق غير معروفة. فسألتُ: ” إلى أين نحن ذاهبون؟” تولى الإجابةَ صديقه، بونزو، كما يدعوه الجميع، وكانت رائحته كريهة، وعرفتُ سبب ذلك، فهو يبيع السماد للفلاحين، ولديه سيارة شحن، ونحن ذاهبون لذلك. ويمتلك فريدي دائماً ثلاثة أو أربعة دولارات في جيبه، وهو يؤمن بالحظِّ، ويردّد دائماً : ” هذا صحيح، يا رجل، ها أنتَ سائر، داه، أنتَ سائر، داه أنتَ سائر.” وهكذا سار، فقد كان يقود تلك السيارة القديمة بسرعة 70 ميلاً في الساعة [ السرعة القصوى المسموح بها في كاليفورنيا]. وذهبنا إلى بلدة (مديرة) ما وراء (فرنزو)، وعجلات السيارة ترمي بالغبار وراءنا، وقابلنا الفلاحين بشأن السماد. وتناهت إلينا أصواتهم المتباطئة في الفضاء المشمس الحار. وكان لدى فريدي قنينة خمر.” اليوم خمرٌ، وغداً عملٌ. داه أنتَ سائر، يا رجل، ـــ خذ جرعة”. وكانت تيري جالسة مع طفلها في مؤخَّر السيارة. أدرتُ وجهي إلى الخلف ونظرتُ إليها، فرأيتُ على وجهها وهجَ سعادة العودة إلى الأهل. فقد كانت تسافر هكذا لسنوات. وانتشرت حولنا الحقول الخضراء الجميلة في كاليفورنيا في شهر أكتوبر. وشعرتُ بالفرح والاستعداد للانطلاق.
ـ ” إلى أين نحن ذاهبون الآن، يا رجل؟”
ـ ” نذهب للعثور على فلاحٍ عنده سماد مرمي هناك، وغداً سنعود إليه لتحميله بالشاحنة. سنحصل على كثير من المال يا رجل. لا تقلق بشأن أي شيء.”
زعق بونزو الذي لا يحصل على السماد بنفسه قائلاً :
ـ ” نحن جميعا في هذا معاً.”
وقد رأيتُ هذا أينما ذهبت ـــ فكلُّ واحدٍ في كلِّ شيءٍ معاً. وتسابقنا في الشوارع المجنونة في بلدة فرنزو، وواصلنا السير إلى الوادي لمقابلة الفلاحين في الطرق الفرعية. وكان بونزو يخرج من السيارة ويجري محادثات مع المكسيكيين الكبار في السن، وطبعاً لا شيء يتمخَّض عن ذلك.
​صاح فريدي قائلاً: ” ما نحتاج إليه هو الشراب”.
فذهبنا إلى حانةٍ عند تقاطع الطرق. فالأمريكيون يشربون دائماً في الحانات الواقعة على تقاطع الطرق مساء يوم الأحد، ويصطحبون أطفالهم، فهناك أكوام من السماد خارج الباب ذي الستارة، ويحصل لغط وخصام حول كؤوس الشراب، وتجري المساومة، وتسمع ضحكات خشنة، ترتفع من الرعاع فوق صوت الأغاني، لا أحد يستمتع حقاً، ولكن الوجوه تمسي أكثر احمراراً، ويتطاير الوقت بصورة أسرع. كلُّ شيء على ما يرام. وعندما يحلُّ الليل يحلّ البكاء لدى الأطفال، ويغدو الآباء سكارى. ومن حول جهاز الموسيقى، يعودون مترنحين إلى المنزل. وحيثما ذهبتُ في أمريكا، كنتُ أشرب في الحانات الواقعة على تقاطع الطرق مع عائلات بأكملها. الأطفال يأكلون الذرة المشوية، والبطاطس المقلية، ويلعبون في الساحة الخلفية أو يشربون البيرة خِفيةً. جلسنا أنا وفريدي وبونزو وتيري هناك نشرب البيرة ونرفع أصواتنا. كائنات صاخبة. صارت الشمس حمراء ولم ننجز شيئاً. ما الذي هناك لننجزه؟ قال فريدي:
ـ ” منيانا/غداً. غداً يا رجل، سنفعل ذلك. تناولْ قنينة بيرة أُخرى، ــ داه أنت سائر، ـــ داه أنت سائر.”
وترنّحنا إلى السيارة، وانطلقنا إلى حانة على الطريق السيار. وهذه الحانة لها مصابيح نيون زرقاء وأضواء قرمزية. وكان بونزو شخصاً صاخباً كبيراً، يعرف كلَّ فرد في وادي سان جوكان، وهذا ظاهر من تصرُّفه كلما وصلنا إلى ملتقى طرق، فهو يطلق صوته العالي بـ ” هو ــ يو/ مرحبا”. الآن بقي لي قليل من الدولارات، رحتُ أعدّها بحزن. ونُسِجتْ في عقلي أفكارَ العودة إلى أهلي في نيويورك في الحال مع هذه الحفنة من النقود، بالسفر على طريقة الـ ” أوتو ستوب” كما فعلتُ في بلدة بيكرسفيلد تلك الليلة، وترْك تيري مع أخيها العظيم وأكوام السماد المكسيكي المجنون، وصرخات منيانا/غداً الناتجة من البيرة الحمقاء. ولكني واجهتُ وقتاً عصيباً. ومن حانة الطريق السيّار، ذهبتُ وحدي مع بونزو في السيارة للعثور على فلاحٍ بعينه. ولكن، بدلاً من ذلك، انتهينا إلى الحي المكسيكي في بلدة مديرة، نتصيّد الفتيات للالتقاط بعضهن لرفقة بونزو وفريدي؛ ثم بعد أن هبط الغسق الأرجواني على بلاد العنب، ألفيتُ نفسي جالساً بغباء في السيارة، فيما راح بونزو يتجادل مع فلاح عجوز عند باب المطبخ حول ثمن بطيخة زرعها ذلك الرجل المسنّ في ساحة منزله الخلفية. وحصلنا على البطيخة وأكلناها في الحال ورمينا بقشورها على الممشى الترابي لمنزل ذلك المكسيكي. كان هنالك جميع أنواع الفتيات الصغيرات الجميلات سائرات في الشارع المظلم. فقلتُ: ” اللعنة، أين نحنُ؟
قال بونزو الكبير : ” لا تقلق، يا رجل، غداً سنجني مالاً وفيراً. أمّا الليلة فلا نقلق.”
رجعنا واصطحبنا تيري والآخرين واتجهنا إلى فرزنو في أضواء الطريق السيار الليلية، وكنا جائعين. تخطينا السكة الحديد ووصلنا شوارع الحي المكسيكي. وكان بعض الصينيين الغرباء يطلّون من النوافذ متفحصين شوارع ليلة الأحد، ومجموعات من الفتيان المكسيكيين يمشون باختيال وهم يرتدون الملابس الخفيفة، وموسيقى المامبو تصدح من أجهزة الموسيقى، والأضواء منتشرة في المكان مثل عيد ” الحلوين”. دخلنا مطعماً وتناولنا أكلة ” التاكو” والفاصوليا المطحونة ملفوفة بالكعك. كانت وجبة لذيذة. أخرجتُ دولارات أربعة لامعة والصرف، أي ما يقف بيني وبين الساحل الأطلسي، ودفعتُ عن الجميع. والآن لم يبقَ لديّ سوى ثلاثة دولارات. ونظرنا أنا وتيري أحدنا إلى الآخر: ” أين سننام الليلة، يا عزيزتي؟”
ـ ” لا أدري.”
فريدي كان سكرانَ، وكل ما يستطيع قوله الآن بصوت رقيق ومُتعَب، هو: ” ـــ داه أنت سائر، يا رجل. ــ داه أنتَ سائر، يا رجل.” كان يوماً طويلاً. ولم يكن أحدٌ يعرف ما يجري أو ما قدّره لنا الربُّ الرحيم. ونام الصغير المسكين ريموند على ذراعي. عدنا بالسيارة إلى بلد سابينال. أوقفنا السيارة بسرعة مفاجئة أمام حانة على الطريق السيّار رقم 99، لأن فريدي يريد قنينة بيرة أخرى. وخلف ذلك الدكان كانت هناك بيوت متنقلة وخيام وقليل من الغرف المتهالكة على شكل نُزل. سألتُ عن الثمن، فكان دولارين للغرفة. سألتُ تيري ما رأيها في ذلك، فقالت: عظيم، لأنَّ الطفل على يدينا الآن، وعلينا أن نريحه. وهكذا وبعد بضعة كؤوس من البيرة في تلك الحانة التي يترنّح فيها سكارى متجهّمون من أهالي أوكلوهوما على أنغام موسيقى رعاة البقر، وصخب بعضهم الآخر المتجمِّع على طاولات وسخة وهم يكرعون البيرة منذ الساعة الواحدة بعد الظهر والآن تشرف الساعة على الثانية عشر ليلاً، وقد اختفت جميع النجوم وخلدت إلى النوم منذ وقت طويل. ذهبتُ أنا وتيري إلى الغرفة وتهيئنا للنوم. وبقي بونزو يدور حولنا ويكلّمنا عبر الباب المرصَّع بالنجوم، فلم يكن له مكان ينام فيه، أما فريدي فقد نام لدى والده في كوخ مزرعة العنب. سألتُه: ” أين تسكن، يا بونزو؟”
ـ ” لا مكان، يا رجل. من المفروض أن أسكن مع صديقتي روزي الكبيرة، ولكنّها طردتني الليلة الماضة. سآخذ شاحنتي وأنام فيها الليلة.”
ودندن غيتار. ونظرنا أنا وتيري إلى النجوم معاً من نافذة الحمام الصغيرة، واغتسلنا بمرشّةٍ، ونشّفَ أحدنا الآخر. قالت:
ـ ” منيانا/ غداً كلّ شيء سيصبح على مايرام، غداً، فلا تفكّر في شيء، يا حبيبي.”
ـ ” طبعاً، يا حبيبتي، منيانا/ غداً”.
كان هناك غدٌ دائماً. وكلّ ما سمعته خلال الأسبوع التالي هو ” منيانا/غداً”، كلمة محبوبة، ربما تعني الجنَّة. وكان الصغير ريموند قد قفز إلى الفراش بجميع ملابسه وبكل شيء ليخلد إلى النوم، وتساقط رمل ماديرة من حذائه. وكان عليّ وتيري أن ننهض في منتصف الليل لمسح ذلك الرمل من مُلاء الفراش. وفي الصباح نهضتُ، واغتسلتُ، وقمتُ بجولة حول المكان. وجعلني الطل الحلو أستنشق الضباب الإنساني. كنا على بعُد خمسة أميال من سابينال في حقول القطن ومزارع العنب على طوال الطريق السيار رقم 99. سألتُ السيدة السمينة الضخمة مالكة المخيم ما إذا كانت هناك خيام فارغة. وكانت أرخص خيمة فارغة بدولارٍ لليوم الواحد. أخرجتُ ذلك الدولار الأخير وانتقلنا إلى الخيمة. ثمة فراش، وموقد، ومرآة مكسورة معلقة على عمود. كانت الخيمة سارّة، وكان عليَّ أن أنحني لأدخل فيها، وعندما فعلتُ، كانت هناك حبيبتي وولد حبيبتي. انتظرنا وصول فريدي وبونزو بسيارة الشحن. وصلا مع البيرة وطفقا يشربان في الخيمة. ” خيمة عظيمة”.
ـ ” وماذا عن السماد؟”
ـ ” الوقت متأخِّر جداً اليوم ــــ غداً يا رجل، سنحصل على مال وفير، أما اليوم فستناول بضعة كؤوس من البير. ماذا تقول: بيرة؟”
لم أكن بحاجة إلى تشجيع. وصاح فريدي: ” داه، ها أنت سائر ـ داه، ها أنتَ سائر.”
وراح يتضح لي أن خططنا للحصول على مالٍ بسيارة شحن السماد لن تتبلور. كانت سيارة شحن السماد متوقّفة خارج الخيمة. وكانت لها رائحة مثل رائحة بونزو. في تلك الليلة، خلدنا أنا وتيري إلى النوم في نسيم الليل العليل وتطارحنا الغرام الحلو القديم، فقد كنتُ على وشك النوم عندما قالت لي: ” هل تريد أن تطارحني الغرام الآن؟” قلتُ: ” وماذا عن ريموند”.
ـ ” لا يكترث، إنَّه نائم”
ولكنَّ ريموند لم يكن نائماً، ولم يقُل شيئاً.
جاء الشابان في اليوم التالي بسيارة السماد وذهبنا للحصول على ويسكي، ورجعنا وأمضينا وقتاً طيباً في الخيمة. وتحدّثا عن الزمن الماضي الجميل عندما كانا طفلين هنا، وعندما كانا طفلين في كاليكسو، وعن أعمامهما الحمقى المسنين من المكسيك القديم، وعن الشخصيات الرائعة في الماضي الذي فاتني. وصرخ فردي وعيناه الواسعتان يغطيهما شعر رأسه: ” أتظن أنني مجنون!” في تلك الليلة، قال بونزو إنَّ الجو بارد للغاية ونام على أرضية خيمتنا وهو ملفوف بقماش مشمّع واسع له رائحة سرجين البقر. كانت تيري تكرهه وتقول عنه إنَّه يحوم حول أخيها لمجرّد أن يكون قريباً منها. من المحتمل أنه يحبّها، وأنا لا ألومه على ذلك.
​لن يحصل شيءٌ ما عدا الجوع الذي سيصيبني ويصيب تيري، فلم يبق لديّ سوى عشرة سنتات. ولهذا فقد ذهبتُ في الصباح أسير في الحقول سائلاً عن عمل قطف القطن. وأشار علىَّ كلّ واحد بالذهاب إلى مزرعةٍ عبر الطريق السيار من المخيم. ذهبتُ إلى هناك وكان صاحب المزرعة في المطبخ مع زوجته. خرج، واستمع لقصتي، وحذّرني بأنه سيدفع مقداراً معيناً عن كل مائة رطل من القطن المقطوف. وتصوّرت أنَّني أستطيع أن أجمع ثلاث مائة رطل على الأقل في اليوم، فقبلتُ العمل. وأخرج أكياساً جنفاصية طويلة قديمة من مخزن الغلال، وأخبرني أن قطف القطن يبدأ في الفجر. وأسرعتُ عائداً إلى تيري وكلي مرح. وفي الطريق كانت سيارة شحن محمَّلة بالعنب قد عبرت طسّة وأسقطت كمية كبيرة من عناقيد العنب على الإسفلت الساخن. فقمتُ بالتقاطه وأخذته إلى المنزل.
​كانت تيري سعيدة بي: ” أنا وريموند سنأتي ونساعدك في عملك.”
قلتُ : ” بشـ . لا شيء من ذلك.”
ـ ” سترى، سترى، إنَّ قطف القطن عملٌ شاق جداً. وإذا لا تستطيع تدبير الأمر، فأنا أعرف وسأريك كيف تفعل ذلك.”
أكلنا العنب، وفي المساء ظهر فريدي ومعه رغيف من الخبر ورطل من الهامبرجر، وقمنا بنزهة. في الخيمة الكبيرة المجاورة لخيمتنا، تعيش عائلة من أكلوهوما تعمل في قطف القطن. ويمضي الجدّ نهاره بأكمله وهو جالس على كرسي، فقد كان مسناً جداً بحيث لا يستطيع العمل. أما الابن والبنت وأطفالهما، فإنهم يخرجون عند الفجر كلَّ يوم ويعبرون الطريق السيار إلى المزرعة نفسها حيث يعملون. وعند الفجر في اليوم التالي، ذهبتُ معهم. قالوا إن القطن يكون أثقل في الفجر بسبب الندى، وهكذا تستطيع أن تحصل على مال أكثر مما لو اشتغلت بعد الظهر. كان الجدُّ قد قَدِم من ولاية نبراسكا إبان الكارثة الاقتصادية في الثلاثينيات، نفس الزوبعة الترابية المتكررة، فجاء مع جميع أفراد عائلته بسيارة شحن قديمة. واستقروا في كاليفورنيا منذ ذلك الحين. وكانوا يحبون العمل. وخلال السنوات العشر الماضية، رفع ابن الرجل المسنّ عدد أطفاله إلى أربعة، وكبر بعضهم الآن بما يكفي ليذهبوا لقطف القطن. وفي ذلك الوقت، تقدّموا من فقر مدقع في مزارع (سيمون لغري) إلى نوع من العيش المحترم في خيام أفضل، وهذا كلّ ما هنالك. وهم فخورون جداً بخيمتهم.
ـ ” هل ستعودون إلى نبراسكا؟”
ـ ” بشو، لا شيء هناك. ما الذي نريد أن نفعله هو شراء مسكن متنقِّل.:
وانحنينا إلى الأسفل، وشرعنا بقطف القطن. شيء جميل. وكانت الخيام عبر الحقل، وخلفها كانت حقول قطن داكنة ذابلة تمتد إلى مدى البصر، وبعدها وفوقها تلال داكنة ذات غدران، ثم، كما في الحلم، سلسلة من الجبال المغطاة قممها بالثلوج، في نسيم الصباح الأزرق. وهذا العمل أفضل بكثير من غسل الأطباق في الشارع الرئيسي الجنوبي في المدينة، ولكني لم أكن أعرف شيئاً عن قطف القطن، فأمضي وقتاً طويلاً في تخليص الكرة القطنية البيضاء من قوقعتها الهشّة، والآخرون يفعلون ذلك بضربة سريعة واحدة؛ وفوق ذلك، راح الدم ينزف من أطراف أصابعي. كنتُ بحاجة إلى قفازيْن، أو إلى خبرة أكثر. وكان هناك معنا في الحقل زنجي وزوجته، وكانا يقطفان القطن بنفس الصبر المبارك الذي كان يمتلكه أجدادهما في ولاية ألباما قبل الحرب. كانا ينطلقان منحنييْن بلونهما الأزرق طوال الصف المخصص لهما، ويكبر كيساهما. وأخذ ظهري يؤلمني. وكان من المريح الركوع والاختباء في تلك الأرض، فعندما كنتُ أشعرُ بالحاجة إلى الراحة، كنتُ أضطجع، ووجهي على وسادة من الأرض الرطبة السمراء، برفقة الطيور المغردة. ظننتُ أنني وجدتُ العمل الصالح لحياتي. ووصلت تيري وريموند، وهما يلوّحان لي عبر الحقل، في الظهيرة الهادئة الحارة، وشاركاني في العمل. اللعنة عليَّ إن لم يكُن ريموند أسرع مني ـ وهو مجرد طفل! وطبعاً، كانت تيري أسرع منه مرَّتيْن. كانا يسبقانني في العمل ويخلفان لي أكواماً من القطن النظيف لأضيفه إلى كيسي.، كيسي الكابوس الكئيب الطويل، الذي ينسحب ورائي مثل أفعي أو تنين ملطخ بالوحل في أحد أحلام كافكا أو أسوء. يتهدَّل فمي هولاً بمجرَّد التفكير في ذلك الكيس العميق. كانت تيري تترك لي أكوماً شبيهة بتلك التي يقطفها الرجال، وريموند أكواماً طفولية. وكنتُ أضع تلك الأكوام في كيسي بندم. أيُّ نوع من الرجل البالغ أنا إن لم أستطِع أن أعيل نفسي، ناهيك بإعالتهما. أمضيا العصر كلَّه معي؛ الأرض شيء هندي. وعندما أمست الشمس حمراء؛ قفلنا راجعين متعبين معاً. وفي آخر الحقل، أنزلتُ حملي على الميزان، ولشد دهشتي، لم يزن سوى رطل ونصف الرطل فقط، وحصلتُ على دولار ونصف الدولار. ثمَّ استعرتُ دراجةً من أولاد الأوكلوهومي، وذهبت إلى دكان بقالة على تقاطع الطرق في الطريق السيار رقم 99 حيث اشتريتُ معلبات من معكرونة السباغيتي وكريات اللحم المفروم، وخبزاً، وزبد، وقهوة، وكعكاً ثمنه خمس سنتات، وعدتُ بالسلّة معلَّقة على مقود الدراجة. وكان أزيز السيارات المتجهة إلى لوس أنجلس بالقرب مني، وأزيز السيارات المتجهة إلى فرنزو يضايقني من الخلف. ولعنتُ، ولعنتُ. ونظرتُ إلى الأعلى لأرى السماء المظلمة، ودعوت الله أن يمنحني وقتاً مريحاً أفضل في الحياة، ونصيباً أحسن لأفعل شيئاً ما لأجل الصغار الذين أحبهم. لم يعرني أحدٌ هناك في الأعالي أي اهتمام. كان عليَّ أن أعرف أفضل. تيري هي التي رفعت معنوياتي، فعلى موقد الخيمة، سخّنت الطعام، وكان من أشهى الوجبات في حياتي، إذ كنتُ جائعاً ومرهقاً. وتأوهتُ مثل قاطف قطن زنجي عجوز، وأنا أضطجع على الفراش وأدخن سيجارة. وكانت الكلاب تعوي في الليل البارد. وانقطع فريدي وبونزو عن المجيء في الأمسيات، وكنتً راضياً بذلك. وجلست تيري القرفصاء بجانبي، وجلس ريموند على صدري، ورسما صور الحيوانات في دفتر مذكراتي. وكانت فتيلة مصباح خيمتنا تحترق في السهوب المريعة. وصدحت موسيقى رعاة البقر في النُّزل على الطريق السيار، فحملتِ الحزن العميم عبر الحقول المجاورة. وكنتٌ راضياً بذلك، وقبّلتُ حبيبتي وأطفأنا الأنوار.
​في الصباح، جعل الندى خيمتَنا ترتخي، نهضتُ وأخذتُ منشفتي وفرشاة أسناني وذهبتُ إلى المرحاض العام في النُّزل لأغتسل؛ ثمَّ رجعتُ وارتديتُ سروالي الذي كان ممزقاً بسبب الركوع في الأرض وقد خيَّطته تيري في المساء، واعتمرتُ قبعتي المهترئة المصنوعة من الخوص، والتي كانت في الأصل لعبة ريموند، وعبرتُ الطريق السيار حاملاً كيس القطن المصنوع من الجنفاص. وكان القطن رطباً وثقيلاً، والشمس حمراء على الأرض الندية.
​كنتُ أكسب دولاراً ونصف الدولار تقريباً كلَّ يوم. ويكفي ذلك لشراء البقالة في المساء بالدراجة. ومرَّت الأيام ونسيتُ كلَّ شيء عن الساحل الشرقي وهذيان الطريق الملعون. كنتُ ألعب مع ريموند طوال الوقت، وكان يحبّ أن أرميه إلى الأعلى في الهواء ثم أحطُّه على الفراش. وكانت تيري تجلس ترقّع الثياب. كنتُ رجلاً عادياً تماماً، كما كنتُ أحلم أن أكون في نيويورك. ووصلنا كلام مفاده أن زوج تيري عاد إلى سابينال وأنه يبحث عني، وكنتُ مستعداً له. وذات ليلة جُنَّ جنون الأكلوهوميين في النزل فربطوا رجلاً إلى شجرة وانهالوا عليه ضرباً بعصاً خشبية سمكها أربعة سنتمترات في سنتمترَين. كنتُ نائماً آنذاك وسمعتُ عن ذلك فقط. ومنذ ذلك الحين أخذتُ أحتفظ بعصا غليظة في الخيمة، في حالة ما راودتهم فكرة أننا ـ نحن المكسيكيين ـ نفسد مخيّمهم، فقد كانوا يظنّون أنَّني مكسيكي، طبعاً، وأنا كذلك.
​ولكن حلَّ الآن شهر أكتوبر/ تشرين أول، وصار الجو أبرد بكثير في الليل. كانت عائلة أوكي تمتلك موقداً يشتعل بالحطب، وهم ينوون البقاء أثناء الشتاء. ونحن لا نمتلك موقداً، إضافة إلى أن وقت أداء كراء الخيمة قد حان. ولهذا قررتُ أنا وتيري بمرارة أن نغادر المكان ونحاول شيئاً آخر. قلتُ وأنا أُصرُّ بأسناني: ” عودي إلى عائلتك، بالله عليك، لا يمكنك أن تتشردي في الخيام مع طفل مثل ريموند، فهذا الطفل الصغير المسكين يعاني البرد.” وبكتْ تيري، لأنَّني كنتُ أنتقد عاطفة الأمومة لديها، ولم أكن أقصد شيئاً من ذلك. وعندما جاء بونزو بسيارة الشحن ذات عصر مغبر، قررنا أن تعرض وضعها على عائلتها. ولكن ينبغي أن لا يروني، بل أختفي في حقول العنب.
ـ ” أخبري أُمّكِ أنكِ ستحصلين على عمل وستساعدين في شراء البقالة. أيُّ شيءٍ خيرٌ من وضعك هذا.”
ـ ” ولكنكَ سترحل. أستطيع أن أسمع ذلك في كلامك.”
ـ ” حسناً، لا بُدَّ أن أذهب في وقتٍ ما ـــ “
ـ ” ما الذي تعنيه بقولك في وقتٍ ماــــ. لقد قلتَ إننا سنبقى معاً وسنذهب إلى نيويورك معاً. فريدي يريد أن يذهب إلى نيويورك كذلك! الآن سنذهب كلُّنا إلى نيويورك.”
ـ ” لا أدري، تيري، اللعنة، لا أدري ـــ”
​صعدنا إلى سيارة الشحن، وانطلق بونزو إلى سابينال. وتعطّلت السيارة في طريقٍ فرعي، وفي الوقت نفسه تهاطلت أمطارٌ غزيرة. جلسنا في السيارة القديمة ونحن نلعن. خرج بونزو وراح يصلح السيارة في المطر بقميصه الأبيض الممزق. وبعد كلِّ شيء، فهو ولد طيّب. ووعد أحدنا الآخر أن نمضي وقتاً رائعاً آخر. وذهبنا إلى حانة متهرئة في الحي المكسيكي في بلدة سابينال، وأمضينا ساعة ونحن نكرع البيرة فيما كان المطر يتسرَّب إلى الحانة من الباب، وجهاز الموسيقى يصدح، لعشاق الموسيقى ذوي القلوب الكسيرة القادمين من المكسيك القديمة، بموسيقى حزينة، حزينة مثل غيوم تمرّ فوق الأفق، مثل كلاب الصيد تنقضّ على سيقان الغزالة، وكان المغني يكسِّر صوته، يا، يا، حنّة، مثل صوت بكاء جرو ذئب صغير، نصفه ضاحك ونصفه باكٍ. لقد انتهيت من عملي الرتيب في مزرعة القطن؛ وكان في مقدوري أن أحسَّ بذلك فيما راحت البيرة تجري في جسدي مثل نار مستعرة. وكنا نجري محادثاتنا اللامعقولة بصياح وانشراح. سنفعل ذلك. سنفعل كلَّ شيء. كان في وسعي أن أشعر بأنَّ مسيرة حياتي كلها تدعوني إلى العودة. كنتُ في حاجة إلى دولار ونصف الدولار للعودة إلى نيويورك. وفيما كانت تيري وبونزو يواصلان الشراب، أسرعتُ في المطر إلى دائرة البريد، وكتبتُ بسرعة على بطاقة بريدية ثمنها سنت واحد، طلباً بتزويدي بـ 50 دولاراً، وأرسلتها إلى عمتي؛ ستستجيب لذلك. وشعرتُ بالراحة كما لو أنني أُنقِذتُ، الأضحوكة الكسول أُنقِذ مرَّةً أخرى. وأبقيتُ ما فعلتُه سراً كتمته عن تيري.
​توقَّف المطر وقدنا السيارة إلى كوخ عائلة تيري. وكان الكوخ يقع على طريق قديم يمتدّ بين حقول العنب. وكان الظلام قد حلّ عندما وصلنا إلى هناك أخيراً. أنزلوني قبل ربع ميل في الطريق، وقادوا السيارة إلى الباب. وكان الضوء يتسرب من الباب؛ وإخوة تيري الستة الآخرون يعزفون على آلات الغيتار، ويغنون سوية مثل تسجيل مهني جميل: ” آه لو كان قلبك…” وكان الأب المسنّ يحتسي النبيذ. وسمعتُ صراخاً ونقاشاً يعلو على الغناء. ونعتوها بالمومس، لأنَّها هجرت زوجها الذي لا نفع فيه وذهبت إلى لوس أنجلس وتركت ريموند معهم. وبين الفنية والأخرى، كان إخوتها يتوقفون عن الغناء لتنسيق غنائهم الجماعي. وكان الأب المسنّ يولول. ولكن الأم السمراء الغليظة الحزينة هي التي انتصرت، كما تنتصر الأمّ دوماً في شعوب الفلاحين في جميع أنحاء العالم، وتمّ السماح لتيري بالعودة إلى البيت. وأخذ الإخوة ينشدون أغانٍ مرحة سريعة. وكنتُ رابضاً في الريح الممطرة الباردة أراقب كلَّ شيء عبر حقول العنب الحزينة لشهر أكتوبر في ذلك الوادي. وكان تتردد في ذهني تلك الأغنية الرائعة ” الرجل العاشق” كما يغنيها (بيلي هولداي)، فأنا كذلك كانت لديّ فرقتي الموسيقية تحت الشجيرات التي كنتُ اختبئ فيها، ” في يومٍ ما سنلتقي، وستمسح جميع دموعي بمنديلك، وستهمس في أُذني أحلى كلماتك، وأنتَ تقبّلني وتضمني إلى ضلوعك. آه، كم فاتنا أنا وأنت، أيها الرجل العاشق، أين يمكن أن تكون…”. والرائع في هذه الأغنية ليس كلماتها فحسب، وإنما كذلك لحنها الهارموني الجميل، وطريقة أداء بيلي لها، مثل امرأة تمسّد شعر فتاها في ضوء مصباح خافت. وعوتِ الريح، وشعرتُ بالبرد. وعادت تيري وبونزو، وذهبنا بالسيارة القديمة لملاقاة فريدي الذي يسكن الآن مع امرأة بونزو روزي الضخمة؛ وأطلقنا بوق السيارة له في الممشى ذي السياج الخشبي. كانت روزي الضخمة ترمي به خارج المنزل، وسمعنا زعيقها، ورأينا فريدي يهرب وهو يحني رأسه لتفادي ما ترميه عليه. كل شيء كان ينهار، وكنا جميعاً مستغرقين في الضحك. في تلك الليلة، ضمّتني تيري إليها بشدّة، طبعاً، وطلبت مني ألّا أرحل. وقالت إنّها ستعمل في قطف العنب، وتحصل على مالٍ يكفينا كلينا؛ وفي تلك الأثناء أستطيع أن أسكن في مخزن الغلال العائد لصاحب المزرعة (هفلنفنغر) الكائن في آخر الطريق حيث أهلها. لن أفعل شيئاً سوى الجلوس على العشب وأكْل العنب. ” أنتَ تحبّ ذلك.”
​حككتُ حنكي. في الصباح، جاء أبناء عمها إلى الخيمة ليأخذوها بسيارة الشحن. وهؤلاء كذلك مغنون. وفجأة أدركتُ أن هنالك آلاف المكسيكيين في جميع أنحاء الريف يعرفون عن علاقة تيري بي، ولا بدّ أن ذلك شكّل لهم حكاية رومانسية شهية. كان أبناء عمها لطاف، بل في الحقيقة ساحرون. ووقفتُ على منصة الشاحنة معهم فيما كنا نقطع الطريق المتعثِّر إلى المدينة، وأنا أتمسك بالعارضة وأبتسم للنكات، ونحن نتكلم عن أين كنا خلال الحرب وما غرضها. كان هنالك خمسة من أبناء عمومتها، وكل واحد منهم لطيفاً. يبدو أنهم ينتمون إلى ذلك الفرع من عائلة تيري الذي لا يتصرف مثل أخيها فريدي. ولكنني أحببتُ ذلك المتوحّش فريدي. وقد أقسم بأنه سيأتي إلى نيويورك ليلتحق بي. تخيّلته في نيويورك وهو يؤجِّل كل شيء إلى منيانا/ الغد. لا بُدَّ أنه ثمل في حقلٍ ما في مكانٍ ما هذا اليوم. نزلتُ من الشاحنة عند تقاطع الطرق، وقاد أبناء العم الشاحنة حاملةً تيري وريموند إلى البيت. ثمَّ لوّحوا لي بأيديهم عند مدخل المنزل بالإشارة الإيجابية أن أدخل. لم يكن الوالد ولا الوالدة في البيت. ولهذا كان قياد البيت بيدي خلال المساء، وأعجبني ذلك، فهناك أخوات تيري الثلاث السمينات الضاحكات، والأطفال الحمقى جالسين في منتصف الدرب وفي أيديهم شيئاً من كعكة الذرة. إنّه كوخ يتألَّف من أربع غرف. ولم أستطِع أن أتصوَّر كيف أنَّ العائلة كلّها تدبّر إقامتها هناك، وتجد فيه متسعاً. وكان الذباب يتطاير حول المغسلة. ولم تكن هناك أية ستائر، تماماً كما في الأغنية: ” شباكها مكسور، والمطر يتسرّب منه…” . وما إن أصبحت تيري الآن في البيت، حتى أخذت تعبث بالقدور. وكانت أخواتها تتضاحكن، وهنَّ تقلّبن أعداد مجلة ” الحب الحقيقي” باللغة الإسبانية ذات الأغلفة الرمادية والمزينة بصورة ملونة لعشاق منفعلين عاطفياً، ولهم شوارب طويلة، وعيون لامعة مثقلة بالأسرار. وراح الأطفال الصغار يتصايحون في الدرب، وانبرت الديكة تجري في المكان. وعندما أطلت الشمس حمراء من بين الغيوم خلال ذلك العصر الأخير في الوادي، أخذتني تيري إلى مخزن الغلال العائد إلى صاحب المزرعة (همفيلفنغر). ويمتلك (همغيلغنغر) مزرعةً مزدهرةً في أعلى الطريق. وضعنا أنا وتيري الصناديق الخشبية بعضها بجانب بعض، وجلبتْ بطانيات من البيت، وتمَّ ترتيب كلِّ شيء لنومي، ما عدا عنكبوتة ذئبية كبيرة غزيرة الشعر مختبئة في جُحرٍ صغيرٍ في سقف مخزن الغلال. وقالت تيري إنّها لن تسبب لي ضرراً إذا لم أزعجها. اضطجعتُ على ظهري وحدّقت فيها. خرجتُ إلى المقبرة وتسلّقتُ شجرة. ومن على الشجرة، أخذتُ أنشد أغنية ” السماوات الزرقاء”. وجلست تيري وريموند على العشب؛ وتناولنا العنب. في كاليفورنيا، تمضغ العنب وتمتص عصيره وتتفل القشور. فعصير العنب هو النبيذ دائماً. وحلّ الليل. فذهبت تيري إلى البيت لتناول العشاء، وعادت إلى مخزن الغلال في الساعة التاسعة مع عشائي السرّي المؤلَّف من كعكة الذرة اللذيذة واللوبيا المطحونة. أشعلتُ ناراً من الأخشاب على أرضية مخزن الغلال السمنتية لأجل الإضاءة. وتطارحنا الغرام على الصناديق الخشبية. نهضت تيري وسارت عائدة إلى الكوخ. وراح والدها يصرخ بها، وكان في وسعي أن أسمعه من مخزن الغلال: ” أين كنتِ؟ ماذا تفعلين بالتجوال في الحقول في هذا الليل؟” وكلمات من هذا القبيل. وكانت قد تركت لي سلهاماً طويلاً لأتدفأ به، وهو عبارة عن كساء إسباني قديم. فوضعته على كتفيّ وتسللتُ أتمشى في مزرعة العنب في ضوء القمر، لأرى ما يجري هناك؛ زحفتُ إلى نهاية الممر وركعتُ في التراب الدافئ، لأنظر. كان إخوتها الخمسة يُغنُّون أغانٍ شجية بالإسبانية، وانحنت النجوم على السقف الصغير؛ وتصاعد الدخان من مدخنة الموقد. وتناهت إليّ رائحة اللوبيا المطحونة وصلصة الفلقل الأحمر. وراح الرجل المسنّ يدمدم. وواصل الإخوة غناءهم، فيما ظلّت الأُمّ صامتة. أما ريموند والأطفال، فكانوا يتضاحكون وهم على فراش واسع في غرفة النوم. بيت في كاليفورنيا. ومن مخبئي في حقل العنب، استمتعتُ بكل شيء. وشعرت بنشوة كما لو كنتُ أملك مليون دولار، فقد كنتُ أغامر في الليل الأمريكي المجنون. خرجت تيري وهي تصفق الباب بشدّة. دنوت منها في الطريق المظلم: ” ما الخطب؟”
ـ ” إنَّنا نتشاجر طوال الوقت. يريدني أن أذهب إلى العمل غداً. يقول إنّه لا يريدني أن أعبث مع الفتيان. يا حبيبي، أريد أن أذهب معك إلى نيويورك.”
ـ ” ولكن كيف؟”
ـ ” لا أدري، يا حبيبي. سأفتقدك، وأنا أحبّك.”
ـ ” ولكني لا أستطيع أن أبقى هنا.”
ـ ” قل ما تشاء، فأنا أعرف ما تعني، نعم، نعم. لنتطارح الغرام مرّة أُخرى، ثمَّ ارحل.”
ورجعنا إلى مخزن الغلال. وتطارحنا الغرام تحت العنكبوتة الذئبية. ما الذي كانت تفعله تلك العنكبوتة؟ ونمنا وهلةً على الصناديق الخشبية فيما راحت النار تخفت شيئاً فشيئاً. ورجعت تيري في منتصف الليل، وكان والدها سكران؛ وفي وسعي أن أسمعه وهو يصرخ، ثمَّ ساد الصمت عندما غشاه النوم. وأطلت النجوم على الريف النائم.
​وفي الصباح أطلَّ صاحب المزرعة (هفيلفنغر) برأسه من باب الحصان، وقال:
ـ ” كيف حالك، أيها الفتى؟”
ـ ” طيب. آمل أنك لا تمانع في بقائي هنا”
ـ ” بالتأكيد. هل أنتَ في صحبة تلك العاهرة المكسيكية الصغيرة؟”
ـ ” إنّها فتاةٌ طيبة جداً”
ـ ” وجميلة كذلك. ولها عينان زرقاوان. أظنُّ أنَّ الثور عبر الحاجز هناك…”
وتحدّثنا عن مزرعته.
​جلبت تيري فطوري. وكنتُ قد حزمتُ حقيبتي اليدوية استعداداً للعودة إلى الساحل الشرقي، حالما أستلم نقودي في بلدة سابينال. أعرف أنّها هناك في انتظاري. أخبرتُ تيري بأنَّني راحل؛ وكانت تفكِّر بذلك طوال الليل واستسلمتْ للأمر. قبّلتني بلا عاطفة في حقل العنب، وسارت في الممر. وبعد بضع خطوات التفتنا، فقد كان الحب مبارزة، ونظر أحدنا إلى الآخر للمرة الأخيرة.
قلتُ : ” إلى اللقاء في نيويورك، يا تيري.”. وكان من المفروض أن تسافر بالسيارة مع أخيها إلى نيويورك خلا ل شهر. ولكن كلانا يدرك أنها لن توفَّق لأمرٍ ما. وبعد مسافة مائة قدم، التفتُ أنا لأنظر إليها. ولكنّها كانت تواصل سيرها عائدة إلى الكوخ وهي تحمل صينية فطوري بإحدى يديها. طأطأتُ رأسي وأنا أراقبها. وبوهن ظاهر، كنتُ على الطريق مرة أخرى. سرتُ في الطريق السيار إلى بلدة سابينال وأنا آكل الجوز الذي التقطته من شجرة الجوز، ثمّ مشيتُ على خط السكة الحديد وأنا أتأرجح على السكة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• من كتاب ” مشاعل على الطريق: أبدع وأروع القصص الأمريكية الحديثة” ترجمة الدكتور علي القاسمي ( بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2018)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق