قراءات ودراسات

رواية الطاعون لألبير كامو: ـ العزلة والمنفى ـ

بقلم: عبد الغاني بومعزة*

“أحتاج إلى كتابة أشياء تهرب مني جزئيًا ، لكنها بالتحديد دليل على ما هو أقوى مني”
ـ البير كامو ، الدّفاتر ـ

***
كان ألبير كامو أحد فتيان حي بلكور الشّعبي، مات والده”لوسيان أوغست كامو”شابا في الحرب العالميّة الأولى، كان بالنسبة لألبير الصّغير مجرّد صورة معلقة على أحد جدران المنزل”، والدته”كاثرين هيلين سينتس كامو”، من أصل اسباني، أميّة ولديها مشاكل حادة في السّمع والنّطق ممّا عزلها عن الآخرين، كان ألبير الصّغير يراقبها يوميا وهي تتحرّك بصمت داخل الشقّة الصّغيرة التّي كانوا يقيمون فيها مع جدّته لأمّه، كانت هذه الأخيرة امرأة وقحة ومتسلّطة، أجبرهم الفقر على العيش في شقة بلا حمام ولا ماء ولا كهرباء،كانت والدته تستيقظ كلّ يوم قبل شروق الشّمس تجلب الماء على ضوء مصباح الزّيت، تقوم بكلّ الأعمال المنزليّة الشّاقة قبل الخروج للقيام بالأعمال في منازل الأحياء الغنيّة بالمدينة، منذ سنّ مبكّرة وبعيون الطّفل الفضولي تعلّم ألبير أن يرى في الظلّ تحرّكات والدته، كان يرى ما يعتقد انّها لغتها الخاصة، لغة الحب والحنان، لم يكن يحتاج لتقول له تلك الكلمات التّي تقولها أيّ أمّ لصغيرها المحبوب، فهم كلّ هذه المشاعر الأموميّة من خلال نظراتها،انفعالاتها، ملامح وجهها، كان يقين طفل يمكن أن يقرأ في النظرات والكلمات الصامتة لهذه الأم التّي كان يعشقها مثل أي شخص آخر في حياته.
في المدرسة، اكتشف لويس جيرمان في تلميذه الشّاب الموهبة التّي تميّزه عن أقرانه، أخذه بكرم الطيبين واعتنى به وحصل له على منحة دراسيّة مكنته من مواصلة دراسته، بالإضافة الى هذا قدّم له دروس خصوصيّة ساعدت في تشكيل شخصيّة كامو وبعد عقود من الزّمن ردّ ألبير الجميل عندما أهدى خطابه في استكهولم لهذا الأستاذ من حرم جامعي شعبي في احد ضواحي العاصمة، درس كامو بشكل مريح، دون اكراهات، دون عوائق، ومع ذلك، كان يحلم أن يكون لاعب كرة قدم محترف، مثل أي مراهق في ضاحيّة بلكور الفقيرة، كانت سعادته حاضرة دوما في هذه اللعبة الشّعبيّة التّي كان يمارسها مع أقرانه على الرّغم من الصّعوبات و الفوارق الاجتماعيّة،كان كلّ شيء، كلّ لحظة جميلة، سعيدة يختصرها في وجود كرة تحت قدميه، ملامستها، في البقاء بالقرب من رفاقه في الفريق، في الحفاظ على هذه الصّداقات، الاستحمام في البحر، البقاء لأطول فترة تحت شمس البحر لتدفأ جسده النّحيل، لقد عاش في فقر، لكن أيضا بنوع من المتعة، كتب:” شعرت بأنني مسلح بقوى لا حصر لها والتّي كان لا بد من إيجاد نقطة رثاء واحدة، في إفريقيا، البحر والشّمس لا يكلفان شيئًا، كانت العقبة بالأحرى في التحيّز أو الغباء ” [ Albert Camus .Édition folio. 1937 . 1 L’Envers et l’Endroit ]
كان للقدر كلمته الأخيرة في حياة المراهق ألبير كامو، لقد كان يبصق الدمّ، حدث له هذا عندما كان في السّابعة عشر من عمره، والتشخيص لا جدال فيه، كان مصابا بالسل في كلا من رئتيه، بعد قضاء فترة من الوقت في المستشفى، خرج بتوصيات من طبيبه المعالج والتّي يجب إتّباعها، لاسيّما منعه من البقاء لفترة طويلة تحت الشّمس ونصحوه كذلك بان يأكل جدّا، في ذلك الوقت دخل حياته عمّه جوستاف أكولت زوج أخت والدته، جزّار من حيث المهنة وفوضويي في الرّوح، رحّب غوستاف البرجوازي بالصّغير ، حاول تعليمه حرفة الجزارة، لكن ابن أخيه كان يستمع إليه دون أن يأخذ اقتراحه بعين الاعتبار، كان كامو مملوءا بكتب بلزاك التّي وجدها في مكتبة عمّه، هذا الأخير كان عاشقا لفولتير وروائع الأدب الكلاسيكي، قرأ كلّ ما وقعت عليه يديه، كان يقرا ويصغي بذهول إلى كيفيّة ذكر الأشياء اليوميّة المجرّدة، تفاصيل حياة عمّه في محلّ الجزارة الواقع بحي بلكور،كان قلب وعقل كامو معلّقا بالقصص، بتفاصيل الحياة، بحكايات الناس الذّين عرفهم وسمع بهم من خلال عمّه، كلّ هذا من خلال الكلمات التّي لم يسمع بها من قبل، كتب في روايته”الرّجل الأوّل”:
” في منزله كانوا يقولون”المزهريّة التّي على المدفأة”، وعاء، أطباق الحساء والأشياء القليلة التّي لم يكن لها اسم، من ناحيّة أخرى، عند عمّه كانت هناك أطباق مصنوعة من الفخار مصدره منطقة”فوج”، كانت هذه أمور جديدة على كامو وغير معروفة بالنسبة له هي اكتشافات جديدة ستثري حياته الخاصة، مخيّلته و خياله، لقد نشا في الفقر، عاريا كالأموات، بين الأسماء الشّائعة، اكتشف الأسماء أسماء العلم هي الأسماء الأولى .
***

جاء ألبير إلى الأدب بسبب المرض، إنّ علاج السلّ الذّي ليس نهائيا أبدا، ينطوي على الوعي بالتنازل والتخلي، من تلك اللحظة فصاعدا، ستكون كرة القدم ومنصبه كحارس مرمى استعارات شخصيّة وأخلاقيّة ملازمة له، ضمن فريق الحياة الذي تطوّر فيه، سيحافظ كامو الوحيد في وسط الجميع على تضامنه مع المجموعة، لقد كان حارس المرمى وسيحتفظ بمنصبه، إنه الكاتب الذّي سيدافع عن بابه بالكلمات، في روايّة الطاعون(سنة 1947) أوّل من يموت هو البوّاب، حارس العمارة، العجوز ميشيل، موته هو الرّمز الذّي يترك المدينة بدون حمايّة، بدون حارس، هو أوّل من أعرب عن دهشته من غزو الفئران، كان أوّل المشكّكين لفكرة وجود فئران نافقة في أرجاء المدينة، لقد تركت موته الجميع في حالة من الذّهول والاستغراب، غير مصدّقين، غير جاهزين لفكرة عدم وجود حارس يهتم بشؤون العمارة، لقد كان العجوز ميشيل بشكل من الأشكال وهذا ما حاول الكاتب شرحه للقرّاء ذاكرة العمارة،أحد أجزاء الذّاكرة الجماعيّة لمدينة مقبلة على قيامتها الجديدة، لذا ستترك موته فراغا رمزيا لدى الجميع، توصد الأبواب، ربّما لتخبرنا بقصّة وهران ووبائها، يموت الحارس ويذكّرنا هذا بالحارس الذي كان عليه ألبير كامو، حارس المرمى الذّي لم يستطع الاستمرار في الذّود عن مرماه بسبب السلّ، الغريب أن لا اختلاف بين المرضين، السلّ والطّاعون كلاهما وبائين، منذ هذه الوفاة الأولى، ستفسح الأحداث المجال أمام الرّاوي للانفصال والوحدة ممّا يجعل التفكير في الحياة وما نحن عليه في هذه الوجود أمر ملح، استعجالي، سيدفعنا موته لطرح أسئلة بنبرة الخوف،الرّعب، يطرح ذلك السّؤال الذي سيتكرّر كثيرا خلال أحداث الرّوايّة، ماذا يحدث؟،هل الفئران النافقة تقتل الناس؟، لماذا الموت؟، أين كانت فيما مضى؟، من أين قدمت؟، أسئلة الموت أو الحياة هي أسئلة فلسفية تطرح نفسها في مواجهة الخسارة، الصّدمة، الفوضى، الفقدان، الحرمان، النفي والانفصال، سيتمّ اتّخاذ إجراءات لحماية الجميع، وضع ملصقات، توصيات، تحذيرات، رغم ذلك يزداد عدد الموتى، يتضاعف بوتيرة مخيفة، ليس عدد المرضى فقط، بل أيضا عدد الفئران الميّتة، يقوم الدّكتور برنار ريو بزيارة المرضى، يسأل، ماذا يحصل؟، غير قادر على تصديق استنتاجاته ، يقول لزميله كاستيل:”انّه أمر لا يصدّق، لكن يبدو أنّه الطّاعون”[روايّة الطاعون، édition folio ]، وهران المدينة المنكوبة تنغلق حول نفسها مثل حلزون يخشى الخطر، بعيون ضيّقة يمكننا رؤيّة الضّوء الأبيض للشمس عند الظّهيرة، شمس شاحبة و رماديّة بدون طعم، النوافذ شبه مغلقة بسبب الحرارة ولا يزال الغبار يحوم ويغطّي الأسطح بالكامل مثل جلد ثاني .
الانفصال والحرمان أوّل التجارب التّي واجهها سكّان وهران، فتعلم العيش في غياب الأحبّة هو تجربة قاسيّة يتعلّمها النّاس من الحياة في أوقات الأزمات والمآسي، نتعلّمها دون سابق إنذار، كان الحبس(الحجر الصّحي)قاسيا عليهم، تدريجيا، توقفت الرّسائل الواردة عن الوصول إلى المدينة من أولئك الموجودين على الطرف الآخر، خارج الحدود التّي تسبّب فيها المرض، مع تعليق البريد، لم تخفف كلمات الحبّ والشّوق من معاناة العشّاق والأحبّة المنفصلين، مع شيء من الذهول، الكثير منهم التزم الصّمت، في الحقيقة كان الجميع صامتا، تطلب التحدّث في أوقات الطاعون تعاطفاً أكثر من الفهم عند الاستماع.، كيف نفهم غير المفهوم؟، ليس لديك دائمًا الخيال لذلك، كيف ترافق معاناة أولئك الذين يشعرون أنّهم يفقدون داخليًا ميزات وصوت المحبوب؟، بأيّة كلمات تخفف آلام الوعي مع إدراكنا مدى قسوة تلاشي وتبدّد الذكريات؟، تلك الذكريات أعزّ ما لدينا في الأوقات الصّعبة والعصيبة، كيف نعيش مع جوف شخص كان نسمة الحياة؟، كيف نعيش في جوف شخص بعيد؟،كان في وقت ما نسمة الحياة، بصيص الأمل وسبب وجودنا؟، نكتشف للمرّة الأولى أنّ الذاكرة لا تساعدنا دائما على تجاوز المحن، يخبرنا الدكتور برنار ريو في يومياته أنّ بعض السّكان حاولوا إيقاف الوقت وهذا بالتشبث بالماضي قبل لحظة الانفصال، لكنّها محاولة فاشلة، يائسة، محاولة لا تعمل، لقد كان الفراغ وقتا حاضرا، فزّاعة تذكّرنا بهشاشتنا .
تحوّل ألم العاشقين إلى حالة استسلام، يأس وخضوع وبدأ سكّان المدينة يعيشون تحت هيمنة الصّبر، تأتي كلمة ( Patientia ) من الكلمة ( pati) وتجمع بين الصّبر والمعاناة، بحيث يمكن مشاهدة المرض في العيون دون أن نقدر على فعل أيّ شيء، نكتفي بالتحديق في المرضى والتفكير في احتمالات الحياة والموت،تذكّر شظايا ذكريات نجهل مصدرها، كيف خرجت علينا في تلك اللحظة رغم ثقل اللحظات وقتامتها، يكون حينها العقل في حالة تشتت وإرهاق كبيرين، ” حبّنا كان لا يزال موجودا، بلا شك، لكنّه لم يكن قابلا للاستخدام، كان حمله ثقيلا، بالأحرى كان يصعب حمله، خاملا في أعماقنا، عقيما كجريمة أو إدانة ” [ روايّة الطاعون/ édition folio ]، كانت في الحقيقة حالة استسلام بلا أوهام، تستطيع رؤيّة كيف بدا بعض الأشخاص الذّين التزموا بالحجر الصّحي، حالة الإغلاق وملازمة البيت لفترات طويلة دون إمكانيّة خروج إلاّ عند الضّرورة وبشروط، يمكن رؤيّة كيف يتحدّثون ببطء، بالتأكيد يزنون الكلمات التّي جاءت على شفاههم بوتيرة بطيئة، متوتّرة، محكوم عليها بالخوف والخشية، لقد تولّدت لديهم بسبب حالة الحصار، الانفصال، ولّد كلّ هذا فراغا كبيرا، حالة شكّ، يعتقد الكثير أنّ هذا يعكس بداخلنا تفاهة المألوف، لقد فرض المنفى/الانفصال/ الفراق عدم القدرة على التعاطف مع الآخرين صمتا جديدا، صمت موحش و جاف، لقد كان الصّمت هو صوت العديد من حالات الغياب والإعاقات، أيضا هو صوت الشّيء الوحيد الذّي يمكن حمايته : حياتنا الخاصة، كان صمتا يزداد جسديا وإدراكيا يوما بعد يوم، سمحت له قوّته بتعريفه على انّه الوجه الآخر للعدوى، للعجز، بحيث دفع بعض النّاس لتعلم القراءة بالإيماءات، النظرة الثابتة على الآخر وهذا يذكّرنا بكامو عندما كان طفلا صغيرا وهو يحاول التواصل مع أمّه بلغة الصّمت، المداعبة واليدّ الممدودة والعناق المصاحب لها هي إيماءات تحدث دائمًا في الوقت الحاضر، الشّيء نفسه ينطبق على عدم اليقين والترقب، علم ألبير كامو من والدته التعبيرات المختلفة عن الصّمت وتطوّر الجسد، لغته، أخبرته بطريقتها الخاصة أنّ الحنان نظرة، أنّ لغة العيون أقوى من الكلمات، وأنّ صمتها يحمل كلّ معاني الحياة ومن خلاله تكون إيماءة الحب لديها دائمة و أفضل من الطاعون .

***
يرافق القارئ في كلّ أعمال ألبير كامو وخاصة روايتي الغريب والطّاعون أسئلة فلسفيّة، أسئلة عن تفاهة الوجود، العبث، كيف نعيش ونرافق الحاضر المتكرّر وكيفيّة التعامل معه، ولا نعرف كيف ننظر إلى الغد؟، كان دائما هذا الغد، المستقبل مجهولا و غامضا لدى كامو، كيف نتعامل مع الوحدة؟، كيف يمكننا إضفاء الإنسانيّة على العزلة عندما تدمّر اللاّمبالاة شيئًا فشيئًا ويومًا بعد يوم، المشاعر وتزيح الشّعور والرّحمة؟، الطاعون مرض يصيب الجسد والرّوح، يدمّر العلاقات، يفرغها من إنسانيتها، قد نكون محظوظين بشكل من الأشكال لأنّنا قد لا نعيش تجربة سكّان مدينة وهران مع الوباء، بحيث يصعب تخيّل عودة الطاعون في عالم استقوى فيه العلم على الأمراض، لكن يصبح هذا الطاعون استعارة لأوبئة وأزمات جديدة وخطيرة كما هو الحال مع الكوفيد 19، في روايّة الطاعون عادة ما يكون عدد الفئران أكبر،أكثر،يراهم الكثيرون فيبتعدون ويلزمون الصّمت، كانت مشكلة نفوق الجرذان لا تعنيهم، تسجن المدينة نفسها خلف جدار مرتفع يعبّر عن المعاناة والانفصال والوحدة، الجدار دائما ما يكون في هذه الحالة أعلى، هناك الأجانب، المتلصّصون والغرباء والذّين تقطعت بهم السّبل فوجدوا أنفسهم عالقين في وهران، جميعهم يعيش المأساة حتى ولو كانوا غرباء عن المدينة، وجدوا في المكان والزّمن الخطأين، ينمو الخوف من العدوى، الذّعر من الموت هو صمت هذه الموت، العدوى تنتشر بشكل مخيف، الرّئات المريضة تخنق الأصوات : ” إنهم يبحثون عن شخص / يبكي / عجوز في دور رعاية المسنّين / يموت” [روايّة الطاعون/ édition folio]، يموت الناس بدون قبلة وداع، تسمع خلف الأبواب المغلقة صرخة تجمّد الدمّ، الموتى يصرخون في الجنازة، يحتاجون لأسمائهم، هم ليسوا أرقام، لكنّه الطاعون الذّي يفرض منطقه وحكمه وسلطته على حياة الناس .
أنّ الخوف من التلوث، أو الإصابة بالعدوى عاطفة بدائيّة لدرجة أن الفيلسوف جوردان بترسون لا يتردّد في اعتبارها واحدة من أولى مراحل الحضارة، مع العدوى يأتي الشّعور بأنّنا محاصرون بحالة الانفصال والّرفض من قبل الآخرين، الشعور بأنّنا مبعدون عنهم، شعور بخوف من انّنا محاطون بفراغ يحيل إلى التجاهل والنسيان، عقاب يلقي بنا في ظلمات بئر يوسف وهناك نبقى محجوزين للأبد، تعد الحاجة إلى فهم العدوى إحدى طرق البحث عن أسبابها وحلولها، كان لدى اليونان القديمة عتبات محدّدة جيدًا بفضل الخوف من العدوى/ التلوّث، كانت جدران المدينة عبارة عن بوّابات ذات قوّة رمزيّة كبيرة تكشف العلاقة بين الأثينيين، مسافة الاستقبال أو”الشقّ” تقع في هذه المنطقة التّي تربط بين الداخل والخارج، في هذا المكان الوسيط رحّب”الفياسيون”[شعب بحّارة في الإلياذة] بعولس بطل الإلياذة، وفي هذا المكان أيضا، خطا اوديب الخطوة الأولى نحو مصيره الذي أوقع فيه نفسه، الطاعون كاستعارة للطبيعة البشريّة هو مصدر للشر، كانت العدوى مرادفا للعدوى الجماعيّة بعدم الثقة والأكاذيب والقمع والظلم و الفساد، يبدو أنّ الطاعون يؤكّد وجود صراع قمعي بين الفرد والجماعة، بين المجتمع والسّلطة، عندما يتم الاعتراف بوجود الوباء والإعلان عنه فهو تلميح إلى وجود شيء خارج عن المألوف، ويعتبر المصاب شخص فاسد، ما معنى هذا؟، انّها رائحة الطاعون النتنة وعفنها يجلب الموت والخراب والفوضى، يقول ألبير كامو بأنّ الخوف من الإصابة يشجع على التفكير في أولئك الذين يتعرّفون على أنفسهم ويعانون ويبتعدون عن مصدر العدوى، البؤرة، وهذا يدفعنا للتفكير كثيرا في العلاقة بين العدوى والأخلاق، الغريب في كلّ هذا، الطّاعون يزيل الاختلافات، لا فرق بين احد، تنتشر العدوى في لمح البصر فتطمس الخطوط والحدود بحيث يتعذر التعرّف عليها،يصاب الذّين هم أكثر هشاشة فيفقد المجتمع حصانته، قوّته، وتتحوّل قوّة الجماعة إلى مصدر الخطر ، ففرد واحد من هذه الجماعة ينقل العدوى للآخرين، كما يسمّيها البعض بقوى الشرّ، هذه العدوى تحبس الأرواح، تغيّرها، تشوّهها، تخضعها، عندما تكون الآفة هي تاريخ المجتمع، تتألم المصائر الشخصية شيئًا فشيئًا، تتضاءل وتصبح عاجزة عن الكلام، مع ذلك، وضع كامو على لسان الدّكتور ريو بضع كلمات لا يمكن نسيانها بالنظر إلى النزاهة التّي يسعى بها لمواجهة المعاناة الأخلاقيّة التّي تسبّبها العدوى :
“إنّها فكرة يمكن أن تجعلك تضحك، لكن الصّدق وحده هو السّبيل لمحاربة الطاعون” [رواية الطاعون ، édition folio] .

***

ذات مرّة شعر تارو القادم لزيارة المدينة فوجد نفسه عالقا فيها بالحاجة لإخبار صديقه ريو بشيء عن حياته، اعترف بقصّة سقالات الإعدام التّي كان يعدّها والده وكيف كانت صورة الموت تسكن عقله الباطن وذكرياته في سنّ المراهقة وكلّ حياته، في نهاية اعترافه، قال :” كلّ واحد يحمل الطّاعون بداخله، لأنّه لا احد في العالم ليس سالما منه، أعلم أنّه يجب عليك مراقبة نفسك باستمرار كي لا يتم جرّك خلال دقيقة مشتتة للتنفس جوار وجه شخص آخر فتصاب بالعدوى”، يدرك تارو بحكم تجربته وأسفاره الكثيرة أنّ الميكروب جسم طبيعي، يعيش معنا، بيننا، وانّ الرّاحة، الصّحة،النزاهة،الطهارة، كلّ هذا نتيجة الإرادة، الإرادة في الحياة التّي يجب ألا تتوقف أبدًا، لذا نجده رغم حالة النفي والانفصال متمسّكا بالكلمات التّي تمدّه بالقدرة على المقاومة والصّبر، بعد وقت قصير من هذه المحادثة تتكشف إحدى أهم لحظات الرّوايّة، وجود الأصدقاء معا في البحر لأخذ حمّام هو أشبه بعمليّة تطهير للنفس وتنقيتها من العدوى، دون طقوس التطهير يتمّ رفض الوصول إلى المقدّس، الإلهي يتطلب إزالة الشّوائب، الأدران، وبالتالي، عند الانغماس في حمّام علاجي، فمن الضروري إدخال الأصدقاء في مياه الشّفاء، يذكّرنا هذا بيوحنا المعمّدان وهو يقوم بتعميد المسيحيين الأوائل في نهر الأردن، كتب كامو متحدّثا عن تارو وهو يقوم بتطهير نفسه في ماء البحر:”أخذ نفسا طويلا، سمع صوت الماء يتحرّك أكثر وضوحا، واضحا بشكل غريب في صمت ووحدة البحر، اقترب تارو وبدأ يسمع أنفاسه، استدار ريو والتقى بصديقه،سبحا بنفس الوتيرة، كان تارو يتقدّم بقوّة أكبر ممّا كان عليه، وكان عليه أن يسرع في حركته، لبضع دقائق، تقدّما بنفس الوتيرة وبنفس القوّة، وحدهما بعيدا عن العالم، أخيرا متحرّرين من المدينة والطاعون”[رواية الطاعون، édition folio]”، كان الطريق إلى المقدّس مجانيًا بالنسبة لتارو الذّي أخبر صديقه قبل السّباحة ببضع دقائق أنّ ما يثير اهتمامه في ذلك الوقت هو كيف يمكن للمرء أن يصبح قدّيسًا، قدّيس بدون الله، القداسة التّي يتطلع إليها تُمنح من الحياة والحياة نفسها .
في مدينة وهران لا توجد نساء، توجد فقط والدة الدّكتور ريو المسنّة والتّي لا تزال حبيسة شقة ابنها تهتم باحتياجاته بعيون رقيقة، الشخصيات الأخرى، كما لو كانت تمثيلاً لمسرحية، هي الحمّال، الكاهن، الطبيب ومساعده، العازف الغامض والغني، الصّحفي،المحافظ،الموظف في دار البلديّة، الرّجل الذّي حاول الانتحار، لم يتم تعريف أي منهم على أنّه كاتب على الرّغم من حقيقة أنّ أربعة منهم بحاجة للكتابة والتحدّث، أتحدّث عن الطّبيب برنار ريو الذّي يروي أحداث القصّة، لا نعرف كم من الوقت انقضى بين نهاية الطاعون وكتابة يوميات الطبيب ريو، جان تارو الذّي يقوم بتسجيل ملاحظات عن التفاهة وسعى جاهدا ليصبح مؤرّخا لأشياء بلا تاريخ، ما هي الأشياء التافهة التّي كتب عنها تارو أثناء وباء وهران؟، هذه هي المخطوطة التّي كان يود قارئ الطاعون أن يقراها، أشك في إنسانية نظرته، صدق عواطفه، الخطوط التّي كانت ستضفي على نفسه السّكينة والرّضا، لقد كان يعرف بيقين داخلي أنّ الكلمات الخاليّة من الرّوح والصّدق لا تصف شيئا،لا تفي بالغرض المطلوب، هي كلمات بكماء، تخرج ميتة ، فقط العاطفة التّي تتطلبها الكتابة يمكن أن تعبّر عن تاريخ أشياء تافهة، انّه فن اللاّمبالاة، كانت قيمتها ستكون في اللغة التّي من شأنها منحهم الحياة والأهميّة، أليس الأدب غالبًا هو قصّة تافه تُروى بجمال غير عادي؟ :” أحتاج إلى كتابة أشياء تهرب مني جزئيًا، لكنّها بالتحديد دليل على ما هو أقوى منّي” [ Albert Camus. Carnets ]، هنالك كذلك جوزيف غراند وسنعرف من خلال الأحداث انّه كان يكتب رواية، وأخيرا ريمون رامبرت الصّحفي الذي يذهب إلى وهران للقيام بعمل ويبقى محتجزًا في المدينة، الكتابة بالنسبة لهم هي كلمة ذاكرة، كلمة مستهدفة، منسيّة، سلاح يقاوم العزلة والإبعاد والموت، كلمة ضحية المغالطات والصّمت محاولا إغراقها وتحريفها عن مسعاها الحقيقي، وعندما يلتقي الليل والشّعور بالوحدة تقوم الكتابة بوظيفة لم شمل الماضي (الذاكرة) والمستقبل(الأمل والخلاص) .
أثناء سرده للأحداث يحصر الطبيب برنارد ريو نفسه في الوقت الذي كانت فيه حياة الجميع معلقة بين اليأس والعزلة، ليس من الصّعب التفكير في أنّه كان يكتب عن الطاعون للتخلص منه، تسميته بأشكال مختلفة عن التسميّة الساّئدة، قوله، فهمه وإعادة فهمه، تذكر بعض الأفكار، المحادثات التّي كانت الكلمات فيها صوت الكثير من العواطف والشّكوك والفشل، كتب عن وفاة تارو رفيق العزلة والاعترافات، كما كتب عن معاناة وقيامة غراند التّي لا يمكن تفسيرها والذّي طلب على فراش الموت إحضار مخطوطته إليه، في صفحات الرّوايّة يمكن قراءة هوس جملة واستحالة تجاوزها، جملة واحدة بجميع أشكالها الممكنة:” الواقع أنّ ريو إذا كان يستمع إلى صيحات الفرح والجذل التّي كانت تتصاعد من المدينة، كان يتذكّر أنّ هذا الجذل كان دائما مهدّدا، ذلك أنّه كان يعرف ما كان هذا الجمهور الفرح يجهله، وأنّه بإمكان المرء أن يقرأ في الكتب أنّ قصيمة الطّاعون لا تموت ولا تختفي قط، وأنّها تستطيع أن تظلّ عشرات السّنوات نائمة في الأثاث والملابس، وأنّها تترقّب بصبر في الغرف والأقبيّة والمحافظ والمناديل والأوراق التّي لا حاجة لها، وأنّ يوما ما قد يأتي و يوقظ فيه الطّاعون جرذانه، مصيبة للناس وتعليما لهم، يرسلها تموت في مدن سعيدة” [ رواية الطاعون ]، بعد فترة وجيزة، قام الطبيب بناءً على طلب مريضه، بإلقاء الأوراق في النار، لم يقل أحد أي شيء عندما اشتعلت الشّعلة، كانت هذه آخر صورة قدمتها لنّا الرّواية التّي كتبها غراند بتصميم”[رواية الطّاعون، edition folio ] .
***
..
* كاتب جزائري
– رواية الأميرة والغول , سنة 2009 , منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين ..
– كتاب في السينما ” إطلالة على سينما الآخر ” دار التنوير سنة 2012 .
– كتابات في السّينما والصورة الفوتوغرافية والتّرجمة منشورة في الملاحق الثقافية الوطنية والعربية
– كتابة سيناريو فيلم وثائقي وثائقي ” أبو القاسم الشّابي، الرحلة الأخيرة ” بالاشتراك مع القنصلية العامة التونسية , سنة 2009 ..
– رئيس جمعية ثقافية جسور للثقافة والفنون .
ـ رئيس لجنة تنظيم مهرجان الاهراس للأفلام الوثائقية و القصيرة 2015 .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق