ثقافة المقال

من القصص القرآني (1)

بقلم: مجدي جعفر

(1)

فنجان من القهوة

لا أدري لماذا جنح بي الخيال بعيدا، وحلق عاليا، وتصورت مخرجا شابا، متمردا على الدراما العربية، وعلى هوليود ذاتها، التي مجدت الرجل الأبيض، وغسلت الأدمغة، وغيرت القيم وهدمت الثوابت.
مخرجا شابا لم يجد ضالته في كل ما قرأ من قصص وروايات بكل لغات العالم، التي تضخ بها المطابع يوميا، وحتى الفائزة منها بأرفع الجوائز ومنها ” نوبل “، تفوح منها رائحة العنصرية البغيضة!.
مخرجا شابا يبحث عن شخصيات إيجابية، وفاعلة، ومقاومة، تشق في هذا الظلام طريقا، وترد للإنسان كرامته وحريته، وتنشد الحق والعدل والخير والجمال، شخصيات ترد الإنسان وتعيده إلى فطرته الأولى السوية التي انحرفت انحرافا حادا وخطيرا، وتعيد للكون براءته وبهاه وضياه وللعالم توازنه واتزانه وجمالياته، شخصيات تعيد الصلة الحميمة بين السماء والأرض.
و بعد أن فشل هذا المخرج الشاب في العثور على هذه الشخصيات في قصص وروايات الكُتّاب والأدباء، راح يبحث عنها في الكتب القديمة، وعكف على قراءة كل الشخصيات في كل كتب الديانات الأرضية والديانات السماوية، وتوقف مبهورا أمام شخصية محمد بن عبدالله، وكأنه يتعرف عليها أول مرة، ووجد ضالته وضالة العالم كله في شخصية نبي الإسلام، ولام نفسه كثيرا على غفلته، وتأخره في التعرف على شخصية خاتم الرسل، وتذكر مقولة أحد المستشرقين، الذي قرأ وأبصر هموم ومشكلات العالم، وقال، وكان صادقا في قوله : لو عاد محمد بن عبدالله إلى هذا العالم اليوم لحل مشاكله وأزماته وهو يحتسي فنجان قهوته!!، وقرر المخرج الشاب أن يستعين بكاتب سيناريو، وبشيخ شاب، درس في الأزهر، وعلى وعي بصير بهموم ومشاكل المسلمين، والعالم كله، وصحفي آمن بالفكرة، ووعده بأن يدعمها بقلمه ويجعلها قضية رأي عام.

( 2 )

أحسن القصص :

احتلت القصة مساحة واسعة من القرآن الكريم، وأخذت نصيب وافر منه، وعني القرآن الكريم عناية بالغة بالقصة كفن أدبي، قادر على الوفاء بالأغراض الدينية والدنيوية، وقادر على إيصال الرسالة السماوية إلى أهل الأرض.
والمولى عز وجل تحدى الإنس والجن بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، وكان العرب في ذلك الوقت أهل الشعر والبلاغة والفصاحة، ولكن هيهات بأن يأتوا بسورة من مثله أو يأتوا حتى بآية.
وبعد أكثر من أربعة عشر قرنا يأتي التحدي هذه المرة في فن آخر وهو فن القصة، فالمولى عز وجل كان يعلم بأنه في القرن الواحد والعشرين، سيتألق فن جديد اسمه القصة، وسيحتل مكانة مرموقة بين الفنون، وسيكون أكثر الفنون ذيوعا وانتشارا، والتحدي ليس للكُتّاب والأدباء العرب فحسب، بل لكل كتاب وأدباء القرن ( 21 ) ولكل كُتاب وأدباء القرون المقبلة حتى قيام الساعة من شتى بقاع الأرض.
وعلى الرغم من بلوغ القصة البشرية اليوم من التألق والنضوج الفني حد الاكتمال، فلم يجرؤ أو يتجاسر كاتب ويعلن بأنه يأتي بالقصص الحق، أو أنه يكتب أحسن القصص!!.المولى عز وجل هو من أعلن هذا منذ أكثر من أربعة عشر قرنا،
يقول المولى عز وجل عن القصص التي يسردها على حبيبه ومُصطفاه وخاتم رسله:
( إن هذا لهو القصص الحق ) .. ” آل عمران : 62 “.
ويقول المولى عز وجل :
( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) .. ” يوسف : 3 “.
وراح المخرج الشاب يقرأ أحسن القصص، ومتعجبا من عدم أخذ القصة العربية من هذا النبع، ومستنكرا تقليدها للقصة الغربية، والأخذ منها، والسير على هداها!.

( 3 )

من أغراض القصة القرآنية :

قد يكون من نافلة القول بأن الاشتقاق اللغوي للقصة مأخوذ من القص، والقص هو تتبع الأثر ، والقصة تسرد أخبار الغابرين ويروي فيها القاص الأحداث الماضية.
يقول الشيخ :
1 – المولى عز وجل يسرد على حبيبه ومصطفاه من أنباء الغابرين والأمم السابقة :
( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ) .. ” طه : 99 “
2 – المولى عز وجل يسرد على حبيبه ومصطفاه القصص ليتسلي به وليثبت فؤاده :
( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) .. ” هود : 120 “.

3 – المولى عز وجل يسرد على حبيبه ومصطفاه من أنباء القرى :
( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك ) .. ” هود : 100 “.
4 – المولى عز وجل يسرد على حبيبه ومصطفاه القصص من أجل الأمثولة أو العظة والعبرة :
( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) .. ” يوسف : 111 “.
يقول الشيخ :
لم يقرأ الرسول في الكتب ولا دون بالقلم، فكان أميا، ولم يعرف هو ولا قومه من أنباء الغابرين والأمم السابقة ولا من أنباء الرسل والقرى إلا من المولى عز و جل :
( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) .. ” هود : 49 “.
وقد جاءت القصص أيضا لتنقية الوقائع والأحداث والشخصيات من الشوائب التي لحقت بها عبر تراكم الأزمان، فتم تشويهها، وتحريفها، وفعلت ” الإسرائيليات ” ما فعلته من تشويه وتحريف!!

( 4 )

تقنية الفلاش باك :

يقول كاتب السيناريو :

استخدم القرآن الكريم في قصصه تقنية ” الفلاش باك ” منذ أكثر من أربعة عشر قرنا وهي تقنية سينمائية بالأساس وأفاد منها القاص المعاصر، فالمولى عز وجل يسرد على الرسول الكريم الذي يعاني من صد قومه لدعوته لهم بنبذ عبادة الأصنام، وعبادة الله الواحد الأحد، يسرد عليه بعض قصص الأنبياء والرسل السابقين، ويبرز معاناتهم مع أقوامهم، وجهادهم في سبيل إيصال الدعوة والعنت الذي لاقوه من أقوامهم، ليتصبر الرسول بما حدث لهم، وليعلم أن النصر سيكون في النهاية حليفا له، وأن الله لن يتخلى عنه أبدا، وهو ليس بدعا من الأنبياء والرسل الذين قصهم عليه المولى عز وجل وعددهم ( 25 ) نبيا ورسولا.

يقول الشيخ :

بالفعل المولى عز وجل لم يقص على حبيبه ومصطفاه غير عدد قليل جدا من الرسل والأنبياء ويبلغ عددهم ( 25 ) نبيا ورسولا، فلم تخلو أمة من نبي أو رسول :
( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) .. ” فاطر : 34 “.
وفي سؤال لأبي ذر لرسول الله عن عدد الرسل ” قلت يا رسول الله كم المرسلون؟
قال : ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا.
وفي رواية أخرى، وفي سؤال له عن عدد الأنبياء، أجابه النبي : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا.
يقول المولى عز وجل :
( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ) .. ” غافر : 78 “.
يقول كاتب السيناريو :

بأي الأنبياء أو الرسل نبدأ من أل ( 25 ) نبيا ورسولا الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم؟.

يقول المخرج :

سنبدأ بأصحاب الديانات الكبرى، والمعجزات الخالدة، والرسالات الباقية، الذين غيروا العالم.

يقول الشيخ :

أصحاب الشرائع والرسالات الكبرى هم ( وفقا للترتيب الزمني ) : نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد.

يقول المخرج :

سنبدأ بنوح.

يقول كاتب السيناريو :

من الليلة سأشرع في كتابة قصة وسيناريو ( نوح ) عليه السلام، والأسبوع المقبل سأعرض عليكم أهم المحطات في حياته و ” المناظر “التي التقطتها من حياته.

يقول الشيخ :

حذار من الإسرائيليات!!.

يقول كاتب السيناريو :
من أهدافنا تنقية القصص من ” الإسرائيليات ” التي حرفت وشوهت الشخصيات والوقائع والأحداث، أضافوا وحذفوا، وقصوا ولصقوا، واتبعوا الهوى في كل ما يفعلون، فضلوا وأضلوا.
…..

يتبع

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق