ثقافة المقال

عقوبة الازدراء والتجديف في الديانات

الدكتور صالح الطائي

ازدراء الأديان هو تعمد الإساءة أو الاستخفاف بالعقائد الدينية من قبل فرد أو جماعة أو هيئة هدفه إظهار عدم التقدير أو الاحترام تجاه دين محدد أو تجاه كل الأديان ومعتقداتها وشخصياتها المقدسة لدى أتباعها ورموزها الدينية وعاداتها وشعائرها وطقوسها.
أما التجديف فهو التحدث عن الله بازدراء، سواء كان الحديث مكتوبا أم منطوقا أم إشارة. ومنه الكفر بالنعم أو استقلال عطاء الله وتوجيه الإهانة أو التعيير الى الله تعالى.
الازدراء والتجديف كلاهما صارا اليوم مثار جدل على مختلف المستويات، وانقسم الناس بشأنهما بين مؤيد يرى أن ذلك حق مكفول يتعلق بحرية الرأي والتعبير لا يحق لأحد مصادرته، بل يجب حمايته بكل السبل المتاحة، ويطالب هؤلاء بوجوب توفير كافة سبل الحماية لمن يقوم به، وتوفير ملاذ آمن له. ولب وزبدة هذا الاعتقاد تتلخص في الجملة الأخيرة وتحديدا في كلمتي (ملاذ آمن) التي تبدو كوعد بمنح المجدف مقر إقامة في أي دولة يختارها، وهو حلم جميع شعوب الدول الفقيرة والنامية، وهذا تحريض علني على الازدراء.
قبالة أولئك يرى الذين هم أكثر عقلانية وتسامحا إن الازدراء والتجديف عمل قبيح وعدواني لأنه يعزز الكراهية الدينية بين البشر، وبالتالي لا يطالبون بمنعه فحسب، وإنما يطالبون بمحاسبة فاعليه.
وفي السياق التاريخي والديني كانت مواقف الأديان من التجديف والازدراء متباينة في دلالاتها حيث شددت الديانة اليهودية بحق عقوبة المجدفين والمزدرين، وحكمت بموتهم، جاء في التوراة عن “النفس التي تعمل بيد رفيعة (أي عن قصد وتعمد) فهي تزدري بالرب، فتقطع تلك النفس من شعبها (عدد 15: 30).
أما المسيحية فبدت أكثر تسامحا حينما قسمت التجديف على قسمين، جاء في الكتاب المقدس: “لذلك أقول لكم: كل خطية وتجديف يغفر للناس، واما التجديف على الروح فلن يغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له. وأما من قال على الروح القـــدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي” (مت 12: 31 و32، ينظر أيضاً مرقس 3: 28 و29 لو 12: 10).
ومثل اليهودية حكمت المسيحية على مرتكب هذا النوع بالذات من التجديف بالقتل: فكما كانت عقوبة من ” يعمل بيد رفيعة ” (عدد 15: 30) أو يجدف على اسم الله (لا 24: 11 و16) القتل رجما (ينظر: موقع كنيسة الرب يسوع المسيح)
الغريب أن الإسلام الذي يتهم دائما بأنه الأكثر تشددا، والذي يتعرض اليوم إلى أكبر حملة ازدراء وتجديف، كان أكثر تساهلا من الديانتين اليهودية والمسيحية، لكن التطبيق العملي خرج على هذه القاعدة وأساء إليها.
إذ الملاحظ أن موقف الإسلام كان في منتهى التساهل، وللتوضيح أقول: يعرف التجديف في الإسلام على أنه السخرية من كلام الله وآياته، والاستهزاء برسله، أو إنكار نبوة أحد الأنبياء وإهانة الملائكة. ومع ذلك لا تجد في القرآن الكريم ذكرا لعقوبة التجديف ولا للمجدف، سوى المقاطعة بالحسنى، وهذا موقف نبيل جدا وعصري جدا، يختلف عن موقف الأديان السابقة. هذا الموقف يتضح من قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} (النساء: 140). وقوله الآخر: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأنعام: 68.)
بل إن في القرآن أوامر صارمة ألا يكون المسلم مجدفا بحق الآخرين، قال تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 108.)
لكن مع ذلك تجد هناك روايات تذكر أن النبي (صلى الله عليه وآله) عاقب المجدفين بالقتل، فعل ذلك مع كعب بن الأشرف بعد غزوة بدر، حيث كان كعب قد حرض قريش ضد الرسول والمسلمين، وكان يدفعهم ويشجعهم على الانتقام من المسلمين. وكذلك سلام بن أبي الحقيق (أبو رافع)، وكان هذا من كبار ممولي ومحزبي وداعمي قوات الأحزاب بالأموال والدعم اللوجستي ضد المسلمين في غزوة الأحزاب. غير ذلك هناك روايات أخرى تذكر أن النبي أباح للمسلمين قتل المجدفين يوم فتح مكة من النساء والرجال، وأباحه في مناسبات أخرى، مثل دعوته لقتل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وحالات أخرى منها ما يتضح من حديث عبد الله بن عباس: أن أعمى كانت له أم ولد أي جارية تشتم النبي وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي وتشتمه، فأخذ المغول (المغول: سيف قصير) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها، فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله، فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطى رقاب الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي، فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول، فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي: “ألا اشهدوا أن دمها هدر”.
إن افنسان المتزن العاقل الحصيف هو من يحترم عقائد الآخرين ولا يطعن بها ولا يزدريها، وبدل أن يشغل نفسه في البحث عن هنات الآخرين لينفذ من خلالها ليصول تجديفا على تلك العقيدة عليه أن يعمل على تشذيب عقيدته مما لحق بها بسبب الجمود على الموروث غثه وسمينه والتمسك بآراء من نصبوا أنفسهم قيمين على دين الله، فأحدثوا فيه ما ليس منه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق