ثقافة المقال

رمضان والدراما التلفزيونية العربية!

إضاءات

بقلم: منير مزليني

استيقظت هذا الصابح وفي راسي جملة فلسفية استفهامية تقول: هل نحن نفكر فيما نفعل، أم أننا نفعل ما نفكر؟ ورأيت أنه بإمكاننا اسقاط هذه الاشكالية على طرحنا الحالي، لنقول: هل تفكر تلفزتنا العربية في الدراما والبرامج التي تعرضها على شاشتها، أم أنها تطرح كل ما يجول بخاطرها وتجود به قريحتها؟ وإذ نطرح هذا السؤال لأنه لا مجال للعفوية في مثل كذا طرح، لاسيما وأنها تتوجه بها للرأي العام. وهذه مسؤولية كبيرة ومن الأهمية والخطورة بمكان لما يترتب عنها من آثار نفسية واجتماعية وثقافية وسياسية قد تؤول سلبا أو إيجابا على المجتمع. لكون الاعلام وبخاصة التلفزيون يعد من أكثر وسائله أهمية وفعالية وتأثيرا في الفرد وبالتالي في المجتمع. كما يعد من أخطر الأسلحة فتكا وأشدها تدميرا وأكبرها اتساعا إذا ما وقع في يد مخربة وتحت تأثير عقل مدمر. ويكون عكس ذلك تماما إذا كان في ايدي أمينة وعقل مدبر ومخلص لمجتمعه ووفي لثقافته وهويته.
ولذلك نرى المجتمعات المتقدمة والمتحضرة تولي أهمية بالغة لما يبث من برامج في تلفزاتها وتضع على رأسها الكفاءات الخبيرة والمناسبة حتى تصل مبتغاها وتحقق ما حددته من أهداف سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، إذ هي مؤسسات قائمة بذاتها، لها ابعادها الاستراتيجية المنبثة في جميع المجالات الحيوية للمجتمع. أما في المجتمعات المتخلفة فهي كبقية المؤسسات تسند المهام فيها بالموالاة لا بالكفاءات مما يجعل مخرجاتها ضعيفة وهزيلة، مما يجعلها عرضة للانتهاك والاختراق، فتصبح وسيلة في يد المستغلين والمتربصين ممن يسعون لبقاء هذا المجتمع في دائرة التخلف وطابور المستهلكين وقائمة المستهدفين في هويتهم وثقافتهم وثرواتهم.
ورغم أننا لسنا خبراء في الدراما أو في البرمجة أو العمل التلفزيوني بشكل عام، ولكن هناك قواعد عقلية عامه مشتركة بين جميع المجالات لا يخرج عنها إلا جاهل أو قاصد متعمد.
ومن بين هذه القواعد العامة المشتركة، قاعدة التناسب أو كما يقال في الأمثال الجارية ” لكل مقام مقال”. فالبرامج التي تقدم للأطفال مثلا، لابد أن تتناسب مع سنهم وطبيعتهم وتتماشى مع قدراتهم النفسية والعقلية وتتفق مع ثقافتهم ومعتقداتهم الاجتماعية والحضارية. والأهم من ذلك كله أن تكون هادفة ترمي إلى تحقيق ما يهدف إليه كل مجتمع يتطلع إلى الرقي والتقدم، هذا الهدف الكامن في ذلك السؤال الجوهري القائل: أي جيل نريد أن نخرجه للمجتمع من خلال البرامج لأجل مستقبل هذه الأمة؟ هذا السؤال الذي يغيب عن أذهان المسؤولين في الدول المتخلفة جهلا أو عمدا. بينما يكون أصيلا وأساسيا في الدول المتقدمة والمجتمعات الراقية، لأنها تدرك أهميته وخطورته في بناء الحضارات وتكوين الأجيال المغذية لمجتمعاتها. وحرصها عليه لا يقل أهمية من حرصا على ما تقدمه من مناهج وبرامج في ميدان التربية والتعليم.
لكن للأسف الشديد هذا ما نراه مهملا في مجتمعاتنا العربية التي جعلت من أفراد مجتمعها أطفالا كانوا أو كبارا عرضة للسلب الحضاري والنهب الاجتماعي والاحتلال الثقافي. من خلال ما تقدمه وتعرضه من برامج وتستورده من مسلسلات وأفلام متنوعة، دون دراسة أو تمحيص أو أهداف أو مخطط مسبق. حيث باتت هذه المؤسسات التلفزيونية في أغلبها أسواق استهلاكية أكثر منها مؤسسات إنتاجية، وما ينتج فيها فهو في الغالب الأعم نسخة مقلدة عما تستورده، بالتالي وفي كلتا الحالتين هي تخدم من حيث تدري أو لا تدري سياسة وثقافة المورد والذي من أهدافه أن تبقى عقولنا مجمدة غافلة وسوقا استهلاكية مربحة.
وإذ أستهل مقالي هذا بهذه المقدمة شبه المطولة لضرورة المقصد وتمهيدا لمستقبل القول الذي أراه لن يأتي بجديد نجهله بقدر ما ينفض غبار الغفلة عما نعرفه. وقد نستغل مناسبة هذا الشهر الفضيل لنجعله نموذجا أو مثالا عما يعرض فيه من برامج تلفزية، ونرى ما إن كانت هذه البرامج التلفزية والدرامية منها على الخصوص تحقق شرط التناسب والمقام. وما إن كانت تتقصد فلسفة أو سياسية معينة في برامجها أم أنها في غير مجال أو خارج مجال التغطية كما يقال بلغة الهاتف النقال؟
الدراما التلفزيونية العربية بين الأمس واليوم
سؤال كبير يجر وراءه كلاما طويلا ولكننا لن نعرضه من زاوية تاريخية نحصي جراها البرامج المتتالية، ولكننا سوف ننظر إليها من زاوية طرحنا المنهجي الخاص والذي حددناه في مستهل هذا المقال بالسؤال القائل: هل تفكر التلفزة العربية فيما تنتجه من دراما، أما أنها تنتج ما تفكر فيه؟ وبمفهوم أكثر وضوحا وتبسيطا، هل هناك سياسة درامية عربية مدروسة فيما تنتجه، أم هي العفوية السبهللة؟!
لو طرحنا هذا السؤال قبل عقد أو عقدين لقلنا بأن الدراما العربية كانت تأخذ بقاعدة التناسب وتأخذ بمبدأ لكل مقام مقال، إذ كانت برامجها تحاكي الشهر الفضيل وتتناسب مع أحكامه ورؤيته، حيث كانت تعزز تلك المفاهيم وتواكب ما يرمي إليها من حكم ومقاصد شرعية واجتماعية و ثقافية، فكانت الشاشات التلفزية تتسابق نحو انتاج المسلسلات التاريخية المرتبطة بديننا الحنيف ابتداء من قصص الأنبياء، مرورا بتمجيد خلفائه الكرام وأعلامه الأبرار من فقهاء ودعاة وأبطال فاتحين، وصولا إلى عصرنا الحالي أين تقدم برامج ومسلسلات درامية تصور أحوال العائلة العربية المسلمة في الشهر الفضيل في إطار تاريخي معين تؤرخ به لحقبة عربية معينة. وقد تنافست في ذلك مدرستان عربيتان كبيرتان، الدراما المصرية والدراما السورية. كل من وجهة نظره وفلسفته وزاوية تأثيره وتأثره.
ومن منا لا يذكر مسلسل ” محمد رسول الله ” بأجزائه الخمسة المقتبس من سلسلة “محمد رسول الله والذين معه” للكاتب الكبير ” جودة السحار” والذي كتب له السيناريو والحوار الكاتب والشاعر الغنائي ” عبد الفتاح مصطفى ” وأخرج أجزاءه الثلاثة الأولى المخرج الكبير ” أحمد طنطاوي” ثم أخرج الجزء الرابع منه المخرج ” أحمد توفيق ” أما الجزء الخامس فكان من نصيب المخرج الكبير” نورالدمرداش” ، حيث يروي هذا المسلسل قصص الأنبياء ابتداء من النبي إبراهيم (عليه السلاك) مرورا بعدد من الأنبياء الذين بشروا بقدوم خاتم الرسل والأنبياء، وصولا إلى النبي محمد (عليه الصلاة والسلام). إذ كانت كل تلك الأجزاء تمهد وتبشر بقدوم الني الكريم وتوضح رسالته الشريفة والزكية وفقا لما جاءت به الكتب السماوية المنزلة، ابتداء من ارهاصات وبشائر مقدمه إلى غاية مولده ونشأته ثم نزول الوحي عليه مرورا بتبليغه الدعوة وصبره، وصولا إلى انتصاره لدين الحق وإعلاء كلمة الواحد الأحد.
و من جهة الدراما السورية، المسلسل التاريخي ” خالد ابن الوليد ” بطولة “باسم ياخوري”، اخراج “محمد عزيزية” وتأليف “عبد الكريم ناصيف” والذي عرض لأول مرة في رمضان 2006.
وغيرهما كثير، حيث تنوزعت تلك المسلسلات بين القصص من مثل: (تحت ظلال السيوف، رايات الحق، ربيع قرطبة، سقوط الخلافة، صدق وعده، عصر الأئمة، ملوك الطوائف، والعد الحق وغيرهم..).
أو مسلسلات السيرة الذاتية من مثل: (ابن تيمية، أبو جعفر المنصور، أبو حنيفة، أبو ذر الغفاري، إمام الدعاة، الإمام ابن حزم، الإمام الترمذي، الإمام الشافعي، الإمام الغزالي، الحجاج، صقر قريش، صلاح الدين الأيوبي، عمر بن عبد العزيز، هارون الرشيد، يوسف الصديق…وغيرهم ..)
كما كانت تعرص مسلسلات درامية اجتماعية ولكنها كانت تتآلف مع طبيعة الشهر الفضيل ولا تخرج عن الإطار والجو العام له وما يتطلبه من رؤية وعبرة، فكانت إما مسلسلات درامية تؤرخ لحقبة زمنية معينة من تاريخ البلاد العربية، أو أنها تطرح مشاغل وتطلعات عربية هادفة، تنفذها بروح عربية واضحة وأصيلة مثل: المسلسل “ليالي الحلمية” من الدراما المصرية، تأليف الكاتب الكبير ” أسامة أنور عكاشة” وإخراج إسماعيل عبد الحفيظ، أدى أدوار البطولة فيه كل من يحي الفخراني وصلاح السعدي وصفية العمري إلى جانب 300 ممثل من النجوم المصرية. والذي يصور حقبة تاريخية من تاريخ مصر الحديث والتي تمتد من عصر “ملك فاروق” إلى غاية منتصف التسعينات (1995) في أجزائه الخمس، لثم أضيف إليه الجزء السادس سنة 2016 يؤرخ للحقبة الزمنية ما بين 2005إلى 2011.
كذلك المسلسل السوري الشهير ” باب الحارة ” وهو من الدراما الشامية تجري أحداثه في عشرينيات القرن العشرين في عدة أجراء بلغ 11 جزءا، أنتجت ابتداء من سنة 2006 إلى غاية 2017. من تأليف “مروان قاووق” وإخراج ” بسام الملا” و “محمد زهير رجب”. وقد قام بأدوار البطولة فيه جملة من نجوم الدراما السورية نذكر منهم: سامر المصري عباس النوري وصباح الجزائري وغيرهما …
هذه المسلسلات وغيرها كانت تندرج ضمن التوجه الأصالي في الرؤية والطرح، وتعمل على ترسيخ الذاكرة التراثية وتثبيت الهوية العربية والإسلامية، الأمر الذي كان يحقق شرط التناسب مع فلسفة الشهر الفضيل وما يرمز إليه من رؤية وتوجه فكري وحضاري.
إلا أنه بعد أحداث 11 سبتمبر 2011 بدأت هذه الرؤية تتبدد بشكل واضح وصريح وكأن تعليمات صارمة فرضت على المخرجين والمنتجين بعدما كانت لها ارهاصات في السابق، أين تغيرت الرؤية والتوجه وأصبحت تميل إلى التيار التغريبي المقلد تحت اسم الحداثة، أين بدأت الشاشات التلفزية العربية تعرض مسلسلات من نوع (الأكشن) الذي يصور العنف والصراع بين فئات المافيا الطبقية برؤية غربية لا تمت بصلة للواقع العربي، لا من بعيد ولا من قريب، لا شكلا ولا مضمونا، فهي تقلد الأفلام والمسلسلات الغربية تقليدا أعمى حذو النعل بالنعل كما يقال. وهي بذلك تشوه المجتمع العربي وتحاول أن تقدم صورة غير التي هي عليه، أو أنها تحاول عبثا أن ترسخ فيه تقاليد وعادات غريبة عليه وليست من تقاليده أو عاداته أو ثقافته. وهي بذلك تعاكس بل تتضاد مع القيم الرمضانية، وبدل تحقيق الشرط التناسب فهي تعمل على فرض منطق التضاد وتعمل على نشر كل ما هو مخالف ومعارض للشهر الكريم وما يطرحه من قيم انسانية نبيلة وتوجهات روحية سامية. وإن هذه الدراما المستحدث جعلت من الشهر الفضيل مناسبة أو منصة أو سوقا استهلاكيا تعرض فيه بضاعتها الغريبة والشاذة عن طبيعة ورؤية هذا الشهر الفضيل، فكأني بها كمن يبيع الخمر في شهر رمضان. وإن حاولت هذه الدراما المستحدث في بعض الأحيان أن تعطي موضوعاتها طابعا استشكالي واقعي إلا أنه كان يطرحها برؤية غربية، مثل: محاربة التطرف، أو خلق بطولات مزيفة هشة تسيئ أكثر مما تشرف.
وعلنا لو ألقينا نظرة سريعة ووجيزة على الدراما المصرية خصوصا وما تعرضه من انتاجات درامية منذ سنوات لوجدناها تجسد هذه الرؤية المستحدثة والدخيلة بامتياز. فنأخذ مثلا مسلسل ” فرقة ناجي العلي” بطولة الممثل الكوميدي ” عادل إمام ” اخراج رامي إمام، تأليف يوسف معاطي، وقد عرض أول مرة في رمضان 2012 والذي يصور بطولة زائفة وهزيلة ساخرة ومستغبية للمشاهد العربي. وهي بذلك تسيء للدراما والروح العربية أكثر منها تحاول عبثا أن تناصره. ولو حاولنا أن نقارنه بالمسلسلة ” رأفت الهجان ” مثلا لكان الفرق شاسعا، أبعد من السماء على الأرض. ورغم جرعة الأكسجين الزائدة التي حاول المسلسل تقديمها بخلفية الحماسة القومية إلا أنه كان ذا رؤية تخدم المصلحة العربية وتعطيه دفعة حماسية مناسبة وضرورية، لاسيما ونحن نعيش عصر النكسة والتبعية.
ومن جهة أخرى تهطل عليها مسلسلات جديدة من نوع (الأكشن) والتي تحاول أن تطرح واقعا غير واقعنا وترسخ مظاهر في مجتمع هو غريب عنها، وبصورة ورؤية تغريبيه محضة، فضلا عن كونها لا تتماشى مع قيم ومبادئ هذا الشهر الفضيل، شهر الرحمة والصيام وضبط النفس والكف عن الشهوات ونشر القيم النبيلة والمبادئ السمحة والنيرة. ويمكن للمشاهد أن يتأكد من ذلك، ويراه بأم عينه فيما يعرض هذه الأيام من مسلسلات أكشن ومغامرات على الشاشات العربية المختلفة وفي هذا الشهر الكريم، من خلال مسلسل:
” موسى “ أو ” القاهرة.. كابول” أو ” نسل الأغراب ” الذي سوف يعرض قريبا، وغيرهم..
نحن لسنا ضدّ التطور والتقدم أو الحداثة كما يتصور البعض ولكننا نريدها أن تكون حداثتنا وأصالتنا التي تخدم الأمة وتزرع في نفوس وعقول مشاهديها وأبنائها القيم الإنسانية النبيلة والمفيدة لا الأفكار الهدامة والمدمرة المحبطة للعزيمة والمكرسة للتغريب والتبعية للاستدمار والاستحمار العالمي الحديث.

الخميس في : 22/04/2021

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق