ثقافة المقال

الإتقان وليد “الشغف”

أحمد بابكر حمدان

“إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”. حديث شريف

في دراستنا “نحو مفهوم جديد للهوايات”، قدمنا تصورا واسعا للهوايات، لتشمل في طياتها جميع الأنشطة المفضلة للشخص، ومن بينها بالطبع، الأنشطة (الجادة) إلى جانب أنشطة الرياضة والترفيه.. وفي مقدمة الأنشطة الجادة (التعلم) و(العمل). إن حب العمل لا ينفصل عن «حب المعرفة»؛ بالنظر إلى أن «العمل» نفسه من ضروب «التعلم» ودرجة من درجات المعرفة. ولنا أن ننظر إلى العمل بوصفه تطبيقًا للمعرفة، ومنتجًا لها في نفس الوقت. أما إتقان العمل فهو درجة أرفع من مجرد أدائه، ولا تخفى صلة ما بين الإتقان وحب العمل. إن المتقن لعمله المتفاني فيه هو ذلك المتعلق بمهنته ومجاله، الشغوف بهما، لا ذلك المؤدي لمهامه بدافع الواجب في أحسن الأحوال، إن لم يكن مجبرًا عليها ومضطرًا.

وفي استخدامنا للمفهوم الجديد، عبر تطبيق (نموذج آسك)، استمر تأكيدنا على صلة ما بين المعرفة والعمل من ترابط وتعاضد، وعادة ما تظهر علاقات أكبر بينها مع تقدم مستوى المستخدم. عند استخدامنا للنموذج في المرحلة الثانوية، يتجه اهتمام الطلاب ما يتوفر من علاقات بين تفضيلاتهم المعرفية واختياراتهم المهنية مستقبلا، لكن النموذج يوفر لهم منطقة وسطى بالغة الأهمية، وتتمثل في الأنشطة العملية الجارية للطلاب، وما إذا كانت متصلة بأنشطتهم المعرفية الجارية أم لا. إن اهتمامنا بترسيخ «حب المعرفة» والشغف بها في نفوس الطلاب مبكرًا وهم في أطوار التشكل والنضوج، يتسق مع رغبتنا في التعامل معهم، فيما بعد- كمهنيين ومختصين أكثر حبًا وشغفًا لأعمالهم بمختلف ضروبها، بغض النظر عما تصنعه معاجم المجتمع ولغة الواقع من تصنيف وتمييز بين الأعمال والمهن. إن من ينشأ في حبٍّ للعلم والاكتشاف، سيكون محبًا لممارسة ما تعلمه وتطبيقه عمليا، كخطوة جديدة في مشوار التعلم، تزين صدره، وتنير ذهنه، وينفع بها الناس.

منذ مطلع رمضان الحالي (2021) يعمل الطالب الجامعي السوداني “مجاهد احمد علي”، متدربا في إحدى الصيدليات بمدينة الصغيرة، بعد عودته إليها في عطلة رمضان، وكان قد أكمل برنامجا مهنيا قصيرا في الصيدلة، إلى جانب دراسته الجارية في الطب البشري. يقول مجاهد عن تجربته الأخيرة: “أرى أن الفترة التدريبية جزء من التعلم، بل إن العمل نفسه، عبارة عن تعلم جديد عن طريق تطبيق المعرفة”. وحسب مجاهد، فإن صفة (متعلم) ينبغي أن تكون ملازمة للشخص في مختلف مراحل العمل، سواء كان متدربا أو ممارسا محترفا.

إلى جانب أنشطة العمل والإنتاج، أولى المفهوم الجديد للهوايات، عناية خاصة بالعمل التطوعي، وأفرد له (نموذج آسك) عنوانا مستقلا، وإن كان نوعا من العمل. وتبدو فرص الإتقان في الأعمال التطوعية أكبر، من حيث ارتباط التطوع بالرغبة والشغف عادة، بخلاف الأعمال العادية، وإن كان الشغف مهما في كليهما. ويمثل إدراج التطوع في مصفوفة هوايات الطلاب، إلى جانب كل من المعرفة والرياضة والعمل، حزمة متكاملة توظف مختلف القدرات (ذهنية وبدنية ونفسية) في تآزر وتناغم بديع يؤكد أن تجديد مفهوم «الهوايات» لا تقف إيجابياته عند مرحلة «المعرفة» فقط، لكنه يمتد إلى صويحباتها الأخريات في سلة هوايات الطالب. يقول أحد مستخدمي «ASC»: «لا يقف النموذج عند مساعدتنا في اكتشاف هواياتنا المعرفية والمهنية، بل يطلب منا معرفة ما بينهما من علاقات أيضًا». ويعمل النموذج على اكتشاف ما بين هوايات الطالب المعرفية والمهنية من صلات وروابط، من شأنها نقل شغفه بالمعرفة إلى شغف مماثل بالعمل، سواء كان بأجر محدد أو تطوعا.
——————————
* معلم سوداني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق