ثقافة السرد

التقديس الأعمى والحقيقة المزعومة

هبة الغريبي*

ينخر التعصب نفس صاحبه وغيره حتى لا يبقى منهما سوى الرماد. وليس التعصب فطرة في الإنسان و إنما هو سمة يكتسبها منذ نشأته الأولى فيشحذها الوسط العائلي أولا والعلاقات الاجتماعية ثانيا وليس هذا الفعل المتشدد مقتصرا على المعتقدات الدينية فحسب وإنما يتجاوزها إلى أكثر تفاصيل الحياة سطحية وبداهة . فنجد الإنسان يحتد في النقاش الذي يخوضه و يلجأ في الغالب بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى التقليل من شأن محاوره إما فكريا أو معنويا أو أخلاقيا. يقول ماكسيم دي “La charité privée à Paris كام في مؤلفه -1885”
:”يجب أن نحارب التعصب أيا كانت زاوية إنتاجه “. وإن كان هذا القول يدل على شيء فهو يشير إلى مدى إمكانية تعدد المجالات التي يتسرب إليها التعصب و بالتالي الى ضرورة محاربته الملحة .
لو انطلقنا في تحليل ظاهرة التعصب من زاوية نظر الفلسفة ، لوجدناها تنبثق بالأساس من مبدأ امتلاك “الحقيقة المطلقة ” . اذ يهيأ الى المتكلم أنه بلغ حقيقة الأمر لمجرد تبنيه إياه . فالتعددية التي يسعى العديد اليوم إلى تجذيرها داخل المجتمع لا تتجاوز كونها شعارات تكتب، فتحفظ، فتلقى على الأسماع، فتنسى دون أن نجد لها صدى في الممارسات المتحققة .
إن التعصب هو الوجه السافر للعنف. فالرفض المتعصب لرأي الآخر هو رفض ضمني للاختلاف و منه لكل وجود يخرج عما تصبو الأنا الى تحقيقه وتجذيره . فالأنا المتعصبة هي ذات رافضة لوجود الآخر بالأساس . خاصة وأن الاختلاف لطالما شكل أزمة دفعت بالشعوب الى ارتكاب المجازر.
من جهة أولى، نجد السلطة الاجتماعية و السياسية والدينية تتضافر فيما بينها لبناء قوالب نموذجية تسعى إلى احتوائها الجميع. كما تحرص على عدم التسامح مع أي نوع من الانفلات والزوغ عن “السائد”، بل وتعاقب من يتجرأ على كسر هذه الحواجز اللامرئية أو يحاول تجاوزها .ان الاختلاف يمثل عائقا أمام ما تحاول هذه السلط إرساءه. فهي تسعى الى أن تكون الطرف الوحيد المؤثر في الفرد و ذلك من خلال منعه من التأثر بأي روافد أو أفكار أخرى . ولما كانت “النمذجة ” هي أساس تعامل المؤسسات مع الأفراد فقد انعكس هذا الأسلوب على تعامل الأفراد فيما بينهم .حتى أن الإنسان المعاصر، بالرغم مما بلغه من تطور تقني و معرفي الا أنه لايزال يسعى إلى السيطرة على غيره والهيمنة عليه و إرغامه رغبة أو رهبة على مشاركته في أفكاره و معتقداته . وهي استراتيجية قائمة على مبدإ “الإستحواذ” كما اصطلح عليه “باتريك شارودو .فالذات المتعصبة تسعى إلى الاستحواذ على الآخر المغاير و احتوائه داخل الدائرة الفكرية عينها . كأنما يتحتم بلوغ هذا “الكمال” المنشود بتحويل الجميع إلى نسخ تتشابه مع بعضها حد التماهي. ولقد طال التعصب جل مجالات حياتنا . فنرى تجلياته في الرياضة و في الأديان والأذواق والاختيارات . إن أعداد ضحايا التعصب الكروي بين الجماهير مهولة يخالها المرء أرقام ضحايا حرب لا مباريات رياضية. ففي شهر ماي سنة 1964 سقط 318 قتيلا جراء أعمال عنف في مباراة البيرو مع الأرجنتين. .
بل أن إسم هوليغانس أطلقه مجموعة مشجعين لفريق كرة القدم على أنفسهم في بريطانيا أولا ثم انتشر في العالم . وتعني هذه التسمية ” مثيري الشغب” و يعرف هذا النوع من المشجعين بتعصبهم الشديد و ردود أفعالهم العنيفة أمام خسارة فرقهم . أما التاريخ الديني فهو الأكثر عنفا. فبين سنتي 1915 و 1916 تمت إبادة ما يقارب المليون مسيحي من أصل أرمني في مجزرة جماعية أقامتها الدولة العثمانية ارتبطت بأحداث الحرب العالمية الأولى . ولا نغفل في هذا السياق المحرقة اليهودية المريعة على يد النظام النازي التي ذهب ضحيتها ستة ملايين يهودي . والإبادة الجماعية لسكان أمريكا الأصليين وغيرها الكثير من الأحداث الإنسانية الدامية شديدة البشاعة على مر التاريخ . وليست هذه الأحداث العنيفة المأساوية شاذة تحفظ و لا يقاس عليها و إنما هي صورة عملاقة عن العنف اللفظي والجسدي الذي نعاينه يوميا داخل مجتمعاتنا. فالمتأمل لما حوله يهلع لما يحيط به من شحنة عنف وتسلط تلوح له أينما ولى وجهه .
يبدو أنه من الضروري إعادة “برمجة” المجتمع بدءا من المحيط العائلي ثم المدرسة إلى المجتمع. فالطفل الذي يترعرع بين عبارات انتقاد الآخر والتهجم اللفظي على كل مختلف لن يخرج بالضرورة عما نشأ عليه فمن شب على شيء شاب عليه . لذلك علينا الحرص علام يشب أبناؤنا حتى لا يستحيلوا تتمة لما نحاول اليوم اجتثاثه منا .

تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق