ثقافة النثر والقصيد

النيل

تسيجاي جابري – ميدهين
أثيوبيا ( 1936/ 2006)

ترجمة: حسن حجازي

أنا الأم الأولى على تلك الأرضِ ,
أنا الواهبة .. المانحة
لكل النَماء والخصوبة
أنا المنبع , أنا الأصل , أنا النيل ,
أنا الأفريقي , أنا البداية
أيتها الصحراء العربية ! كيفَ تتناسينَ
أن أنفاسك لم تزل مُعلقة بالمياه المتدفقة
من ينابيعي وآباري ؟ كيفَ تتناسينَ ؟ يا مصر !
أيتها الأبنة الغنية المُسرفة المولودة من حُبي الأول
أنا مليكتكِ ذات النبع الذي لا ينتهي
من المياه العذبة , أنا الملكة التي أراحت رأسها
على ذراعي الملك ( مينا نامر )
عندما اتحدنا معاً , الشمال والجنوب ,
لنصنعك معا , وطناً واحداً للوجهين القبلي والبحري ,
لتكونينَ لنا حضناً دافئا ًووطنا واحداً ,
كيف بإمكانك َ أن تُحصينَ بصورة عادلة
تلكَ البلايين البائسة الضائعة
من المساحات المكعبة الضئيلة الحجم
وتلكَ القطرات الأبدية من حياتي
التي منحها إليكِ النيل الذي بدأ من فجر الأزل
قبل أن تسقط الأرض من عين السماء ,
أيها النيل , أنت الذي تندفع بقوة
من صدر حياتي ومن قلبي الحاني
عبر خيوط أنفاسي المنتشرة بالملايين
من المساحات القاحلة العطشى الجدباء ,
التي يضنيها الشوق ويقتلها الأرق
في انتظار قطرات مائك المانحة الواهبة للحياة ,
أيها العالم , كيفَ لكَ أن تنسى ,
أني أنا , نبعكَ الأول ,
أنا أثيوبيا التي هي لكَ و للأبد ؟
إنني أنا حياتك الأولى
ولم أزل أحيا من أجلكَ
أنا أنهضُ مثل الشمس
من أعمق مركز للأرضْ
أنا القاهر أنا الهازم
للأوبئة الحارقة المدمرة للبشر ,
أنا أثيوبيا التي : ” تفرد يديها متضرعة إلى الله “
أنا الأم لأطول رَحَال ,
لأطول رحلة عبر الأرض
إسمي أفريقيا , أنا أم النيل .
أيها النيل , أبنتي الخصبة
في البراري من الصحراء
أنا أثيوبيا التي تحققُ مشيئة الله
وسماحته وتناغم آياته بين الأخوة والأخوات
وتُهدِأ من أصواتهم النحاسية الفجة
النابعة من عُريِهم الدائم ,
أيها النيلْ , أنتَ الموسيقى التي تستعيد
وتجدد نغمات الوجود
من قتامة وجهل وظلام وغباء الشرق الأوسط
الموسوم بالرعونة والحمق
أنتَ الساقي , أنتَ النبع ,
الذي يغرسُ السلام ويروي الوئام
من جبال أثيوبيا المقدسة من الشمس
سامحاً لها أن تمر من شرق عدن
وعبر سيناء و فيما وراء جبل طارق إلى جبل موريا

أيها النيل , قرباني المُختار لسلام العالم
مُقدَم ٌ مِمّن يمتلك تراث ميرو السودانية ومصر ,
الذي لم يزل يحيا من أجل خير عالمنا الفريد
أنتَ الإبنة الأبية , أيها النيل ,
التي علمت العالم القديم كيف يمضي في الطريق القويم

أنتِ ابنتي الكريمة التي أكرمت وأطعمت
يعقوب التائه الصغير ( يوسف )
الذي باعه أخوته من أجل الطعام

أنتَ ابنتي الكريمة ,التي رَعَت , وأطعمت ورَبَت ,
الرسول الغلام المُسمى (موسى)
في كَنَفك وتحت رعايتك
أنتَ , التي فردتَ يدكَ الحانية ورعيت الطفل (المسيح)
من السيوف القاتلة من رجال (هيرودس ) ,
أيها النيل , أبنتي الوفية بلا حدود ,
التي ركع على أعتاب مرتفعاتها الملوك مثل (الإسكندر الأكبر)
واحنوا رؤوسهم لينهلوا من حليبك وخيركَ الممنوح ,
أيها النيل , الذي على قدميك ركع الجبابرة
مثل ( قيصر ), وغزاة مثل (بونابرت)
أحنوا رؤوسهم الشامخة لينهلوا من كرمك وجودك الأبدي .

أيها النيل , أنت خط الدم الأسطوري لمجدي الأفريقي
الذي ينثرُ رحماته وبركاته على العالم المُجدب
أنتَ الفصاحة والبيان
الذي يدق أجراس أثيوبيا عبر العالم الأصم الأبكم

أنت الراقص الموهوب للأنغام السماوية والتراتيل الإلهية
التي تتناغم مع أخواتك في ( عطبرة وشابال)
مع إخوانك (أواش ) بأثيوبيا و (جوبا )
لكي تُخصب الرمال الساخنة للصحراء العربية
أيها النيل , بدون هباتك وعطاياك
يصبح البحر المتوسط
كتلة من الصخور الصماء الميتة ,
وتصبح الصحاري سلة من الهياكل العظمية ,

أنتَ تربة أفريقيا السوداء
التي تحملُ الحياة وتنبضُ بالرخاء
أنتَ الحليب الذي يروي العطشى من البشر
أنت الرسول الذي يحمل
بشارة الإنجيل
أيها النيل , أنت الذي تحمل
المحصول الوفير لأفواه المحتاجين
أنتَ الصلاة الشافية المُعَبرة
عن شكري ومحبتي .
أنت النبع الأول , أنت الأول والدائم لأثيوبيا للأبدْ
أنت المُلطف والمُهدأ والكابح للأطماع الشهوانية ,

أنت الأم الأولى لكوكب الأرض
المانح لكل الخصبِ والنماء
تُشرق مثل الشمس من أعمق مركزٍ للكون
أنتَ القاهر والقاتل للأفات الحارقة
أنتَ الأصل أنتَ المُعين
أنتَ السَنَد أنتَ إفريقيا
أنتَ إثيوبيا إنكَ أنتَ النيلْ !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق