قراءات ودراسات

“أثر رواية “الممحاوات” في رواية “يحدث في مصر الآن

سفيان بن عون

تمهيد:
إن الحديث عن تأثير رواية “الممحاوات” لروب غرييه في رواية ” يحدث في مصر الآن” ليوسف القعيد يحيل دونما شك لخضوع الثاني في مستوى فعله الإبداعي للأول باعتبار أن التأثير كما و رد في لسان العرب في مادة “أثر” هو : إبقاء الأثر في الشيء، و أثر في الشيء ترك فيه أثرا و الأثر بقية الشيء ،وخرجت في إثره و في أثره أي بعده. و هو ما يستدعي حتما وجود سابق و هو هنا غرييه في روايته “الممحاوات” ،و هذا السابق هو المنشئ أو المبدع الأول و لاحق و هو هنا يوسف القعيد الذي يقفو خطو السابق و يخضع لفعله و تأثيره و لا ينسج إلا على مثال.
فيبدو و منذ البداية و كأننا نسلم بتبعية نص يوسف القعيد لنص غرييه “الممحاوات ” و هذا ما يقر ضمنا و منذ الوهلة الأولى بتميز الأول على الثاني باعتباره لم يفعل إلا النسخ و التقليد و قتفاء الأثر. فرواية غرييه كتبت في الخمسينات(1952) في حين أنهى القعيد روايته في السبعينات .لكن الأمر في الحقيقة ليس بهذه البساطة أو التسطيح .إن التأثير كما نفهمه هنا لا ينقص شيئا من قيمة العمل بل لعله يكون مصدرا من مصادر الإثراء و التشابك و التجديد الإبداعي عند الكاتب. فمن من الكتاب أو المبدعين لم يتأثر بنص أو بكاتب سبقه إن بوعي أو بغير وعي؟ وهذا التشابك أو التداخل من شأنه أن يعقد در جة تشفير النص على حد عبارة لوتمان* و يرفع من درجة الأدبية فيه .ثم إنه من المهم أن نشير أن هذا التأثير و إن بدا تأثيرا مباشرا بين الكاتبين غرييه و يوسف القعيد أو بين “الممحاوات “و “يحدث في مصر الآن” فإن المسألة في حقيقة الأمر أوسع و أشمل إنه تأثير قائم بين مدرستين،مدرسة “le nouveau Roman ” /”الرواية الجديدة ” في فرنسا و “الحساسية الروائية الجديدة ” في مصر. وليست العلاقة القائمة بين الروايتين المذكورتين إلا وجها من وجوهها .فالرواية المصرية الحديثة و الرواية الفرنسية الجديدة تلتقيان بصفة عامة بالوعي الحاد بهذه الإشكالية أي إشكالية الكتابة**.فهما تطرحان إعادة النظر في العلاقة التقليدية بين الرواية و الواقع. ويؤكد هؤلاء الروائيون أن ” تشخيص الواقع يمكن أن يكون بوسائل أخرى تتجاوز مفهوم الإنعكاس التقليدي و الإحالة المباشرة على الأحداث الواقعية” (1).
1 • التأثير من حيث الوعي بالكتابة و خطتها:
لايكتب أي مؤلف في عالم الرواية من فراغ إلا إذا كان قادما إلى هذا المجال بالصدفة أو عن طريق الخطئ و إنما تقف خلف فعل الكتابة الإبداعية الروائية رؤية كاملة و هي ما يمكن أن نطلق عليه خطة الكتابة أو إستراتجية الإبداع. هذه الخطة بدا لنا من خلال تعاملنا مع روايتي “الممحاوات” و” يحدث في مصر الآن” أنها تحتوي قدرا ليس بالقليل من التشابه و التداخل و لما كان للرواية الفرنسية الجديدة الأسبقية التاريخية فهي بالضرورة المؤثرة في الرواية المصرية وجيل الستينات الذي يمكن أن نعتبر البيان الذي صدر به صنع الله ابراهيم روايته تلك الرائحةفي طبعتها الأولى سنة ست وستين تسعمائة و ألف أفضل مجسد لرؤيته الإبداعية الجديدة و تعبرة صريحة على التمرد ضد الأشكال السائدة في الكتابة الإبداعية و حتة في مضامينها. فكيف كان ذلك؟
أأ/-خطة الكتابة عند آلان روب غرييه:
لا يخرج غرييه في مجمل تصوره للرواية الجديدة عن متصورات و رؤى الحركة ككل وإن كان له في الحقيقة ما يميزه و يمكن إجمال ذلك التصو في النقاط التالية:
– اعتبار أن العمل الإبداعي أو الروائي بصفة خاصة عمل لا يخضع لأي شروط سبقت و إنما يقوم أساسا على المغامرة أو ما يسمى بمغامرة الكتابة و الإستعداد و التحضير للرواية أو التخطيط لها قبليا صار أمرا غير جائز و مرفوض بالنسبة للرواية الفرنسية الجديدة و كتابها:”فقبل الرواية الجديدة لا يوجد شئ” روب غرييه(1). كم أن الكتابة لم تعد فعل فنطازيا أو وجاهة إنما هي حاجة “فأنا لا أكتب فقط من أجل أن أكتب و إنما أنا أكتب حين أحتاج للكتابة”(2).
لا تقدم الرواية الجديدة معاني و تفسيرات جاهزة لذا يعتبر روب غرييه ” معاني العالم من حولنا جزئية مؤقتة و حتى متناقضة فكيف يستطيع العمل الفني أن يدعي إذن تقديم تفسيرات مسبقة مهما كان نوعها”(3) وهكذا يصبح عنده”المحتوى الحقيقي لكل أثر فني هو شكله” كما ورد في الممحاوات.و الأدب بهذا و كما صرح بذلك جاك ديموجين(Jacques Demogine) ” يكون تجريبيا إذا جدد في الأشكال وكان صريح الرفض لسنن الإبداع و القراءة ” (4).و في الرواية الجديدة لا يكون الإبداع إلا بالخروج عن القيم و الأشكال الفنية القائمة و الركائز و السنن الإبداعية السائدة ومن هنا سعي دؤوب لتشكيل جديد:يتساءل أعلام الرواية الجديدة”هل يمكن لنص متماسك أن يعبر عن هذا الواقع المتهافت؟( الواقع ما بعد الحرب العالمية الثانية/الفاشية+النازية و تداعياتهما ) هل يمكن لرواية متسلسلة أن تستمر في لعب دور مؤثر بين و سائل الإعلام الحديثة بتقنياتها المتطورة و صورها و شعاراتها..”(5) و تصبح “الرواية ليست نتيجة بل هي البحث ذاته “(6) على حد عبارة ميشال بوتور. و هكذا تسعى الرواية الجديدة “إلى عقد علاقات جديدة بين الإنسان و العالم و كل تجديد للرواية هو تجديد للإنسان “(7)
نفس هذه التوجهات نجدها عند جيل الستينات في مصر و عند يوسف القعيد بما هو واحد من هؤلاء فالكاتب يسعى إل إنتاج نص أدبي مخالف لما ساد في الأدب العربي زمانه و قد جاء خطه ضمن تيار كامل قاده جيل من الأدباء و الرواة المصريين الذين رفضوا مواصلة الإنخراط في الأشكال الروائية التقليدية التي سادت عصرهم و حولت الفكر و الإبداع إلى طاقة جامدة و لعل “البيان” الذي صدر به صنع الله إبراهيم روايته “تلك الرائحة” خير دليل على ذلك*.
إن سعى يوسف القعيد إلى تكسير الأنماط السائدة و إلى التجريب و إلى خوض مغامرة الكتابة مما يمكن عده من المشترك بينه و بين التجربة الروائية الفرنسية الجديدة و يبدو تأثره ب “روب غرييه” واضحا في اختياره الشكل البوليسي المشابه لشكل رواية “الممحاوات”.يقدم يوسف القعيد نفسه للقراء بوصفه أحد دعاة التجديد. والتجديد عنده “طموح و سعي إلى تجاوز ما يسود من أشكال سردية في الأدب العربي و العالمي “(8). وقد اهتم بالرواية كشكل من أشكال التجديد وقد توفر ذلك بكتابه في”يحدث في مصر الآن”
وهو يطرح إشكالية الرواية/الكتابة الروائية بكل أبعادها. ويوجه هو الآخر كما فعل غرييه و غيره من الروائيين الجددنقدا للواقعية الإشتراكية في الأدب ف” الرواية عالم مستقل ذو قوانين خاصة تشخص ذاتها” (9)
وقد طلب غريه من القارئ أن يشارك في عملية إنتاج الزص فوقت القراءة لم يعد قط وقت تفاعل و تنقيب. هذا المبدأ نجده قائما أيضا عند القعيد و يظهرذلك بوضوح و في أكثر من موقع في روايته”يحدث في مصر الآن ” حين يطالب المؤلف القارئ صراحة باليقظة و الإنتباه كأن يقول:” و لأن أغلب الذين قابلتهم(مخاطبا القارئ) في هذه الرواية بلا أسماء فسنكمل معا خلق الصفحات الباقية علىهذا الأساس “(10) . التجديد إذا و الخروج و بناء نص مخالف لما ساد ، كتابة واعية بذاتها تعبر عن التحولات القائمة في الحياة و الوجود هي كلها مبادئ مشتركة بين القعيد و غرييه بشكل عام و لعل مفردة “التجريب” هي التي تختزل نقاط التقاطع تلك. وإن كان الأمر بهذا الشكل من حيث خطة الكتابة و استراتجيتها في العلاقة القائمة بين الكاتبين فما هي تفاصيل و مظاهر تأثر رواية “يحدث في مصر الآن” برواية “الممحاوات” إن شكلا أو مضمون.
2-مظاهر الإلتقاء بين رواية “الممحاوات” و يحدث في مصر الآن في مستوى الشكل:
يمكن تقسيم العمل في هذا المستوى إلى جزئين أساسيين الحكاية و الخطاب إذ “يتميز الأثر الأدبي بمظهرين …حكاية و خطاب ،إنه حكاية من حيث كونه يوحي بواقع ما و بأحداث قد تكون و قعت و بأشخاص يتماثلون مع أشخاص حقيقيين..إلا أن الأثر الأدبي أيضا خطاب فهناك راو يروي الحكاية و يوجد بإزائه قارئ يتقبلها…”(11) و بما أن رواية الممحاوات هي الأقدم من حيث زمن الكتابة و كذلك من حيث تاريخ الإصدار فقد ارتأينا أن نبدأ بها باعتبارها الفاعلة و المؤثرة في رواية القعيد ليسهل علينا في ما بعد بيان أوجه التشابه و تحديد مواقع التقاطع و التأثير .
أ/1)الحكاية في الممحاوات: رغم إيمان غرييه بضرورة القطع مع الكتابة الكلاسيكية و إنتاج نماذج إبداعية تتجاوز السائد و المألوف و تصريحه في أكثر من مناسبة بأن “الرواية الجديدة كانت حركة ثورية شكلية جذرية للغاية”(12) و إيمانه بضرورة الخلق ذلك أن “قوة الروائي في أنه فعلا يخلق أي يخلق بكل حرية و دون نموذج”(13) رغم كل ذلك فإنه في روايه الممحاوات حافظ على نمط الحكاية السائد و الحبكة المتداولة و السائدة في كتابة الرواية البوليسية و يمكن إجمال الوظائف الكبرى التي قامت عليها الرواية في ما يلي.
(1) “انتشار خبر قتل السيد دوبون(Dupont ) من قبل عصابة تقتل كل يوم واحدا من السابعة و السابعة و النصف ليلا.
(2) اختفاء السيد دوبون لدى الطبيب الذي ينشر خبر قتله.
(3)تولي رجل المباحث والاس(Wallas) البحث في القضية عوضا عن الكوميسار لوران الذي تطلب منه السلطات العليا التخلي عن القضية.
(4)ملاحقة غاريناتي (Guarinati) السيد دوبون عندما علم أن مساعده بورا (Bara)قد فشل في انجاز المهمة.
(5)ملاحقته أيضل لولاس لأنه دخل مجرى الأحداث.
(6)رفض مارشال (Marchal) الذهاب إلى بيت السيد دوبون لجمع بعض الوثائق الخاصة به.
ا(7)اكتشاف والاس عن طريق البريد المنتظر أن جريمة ستقع في بيت اليد دوبون (قتل مارشا).
(8)اكتشاف والاس عدم موت السيد دوبون.
(9)يفاجأوالاس بقتله السيد دوبون الذي عاد إلى بيته لحمل و ثائقه.” (13)
يظهر من خلال ما تقدم أن الرواية حافظت على بنية الحكي التقليدية الشائعة و المتداولة و التي تسير وفقىخط تصاعديىباتجاه الأزمة ثم تتداعى نحو الإنفراج وتحقيق التوازن الجديد في نهاية الحكي.
أ/2) الحكاية في “يحدث في مصر الآن:
لا يختلف الأمر هنا أيضاعما و جدناه في رواية غرييه فرغم إصرار القعيد على التجديد و تحطيم الأشكال السائدة إلا أنه لم يتخل عن البنية التقليدية للحكاية و يمكن حصر الوظائف الأساسية للروايفي ما يلي:
1- توزيع هدتيا الشعب الامريكي بمناسبة زيارة الرئيس نيكسون.
2- حملة الدبيش عرايس للحصول على المعونة.
3-االتحقيق بمشاركة الراوي.
4-موت الدبيش عرايس.
5-شطب إسم الرئيس و التآمر ضده.
6- إتصال الغلبان بمكتب التراحيب دون فائدة.(14)
ويمكن اختزال الوظائف الرئيسية للرواية فيما يلي


.
-الوصول: وصول المعونة الأمريكية بمناسبة زيارة نيكسون.
-البحث:التحقيق البوليسي.
-الملاحقة: اكتشاف الحقيقة و ملاحقة المسؤولين في القرية.
و يمكن أن نخلص بالتالي إلى أن الحكاية رغم إلحاحها الدائم على عنصر التجريب و التجاوز إلا أن البنية الثلاثية كما هو الشأن في رواية الممحاوات لا يزال قائما فيها. بالإضافة إلى توفر خطية السرد رغم محاولات التكسير و التشتيت الموجودة فيها .كما يقسم الكاتب روايته إلى فصول معنونة ما يساهم في تيسير عملية التلقي والقراءة إذ يتوفر الكتاب على ثلاثة فصول تأتي تحت مسميات :كتاب1 و كتاب2و كتاب3.
ما يمكن أن نخلص إليه إذا هو أن كلا الروايتين رغم محاولة الخروج و التجديد إلا أنهما في هذا المستوى حافظتا على البنية التقليدية للحكي و القائمة على البنية الثلاثية على أن ذلك لا يعني مطلقا السقوط في التكرار و الرتابة فالتجريب و التجديد قائم و لكنه نسبي فالتياران”يلتقيان على أساس أنهما حركتان تحملان معنى التجديد و يلتقيان في أنهما لا يفهمان التجديد تجاوزا نهائيا لظاهرة الحكاية” .(15)
ب- الحبكة:
تقوم الحبكة في القص على ترتيب الأحداث و فق خطة معينة ينجزها المؤلف و تتكون من وضع البداية وهو منطلق الأحداث و التي بدورها تسير وفق منطق التوالد لتنجزها جملة من الشخصيات المؤثرة في سيرورة الفعل لتؤدي إلى تحوير في العلاقات القائمة لبنية الحكاية في آخر المطاف لتتجه بها نحو النهاية .فكيف كان الأمر في رواية “الممحاوات “و ما مدى التشابه بينها و بين “يحدث في مصر الآن”.
ب/1- الحبكة في “الممحاوات”:يمكن أن نعلن منذ البداية أن هذا العنص قائم و متوفر في الرواية فالأحداث تتبع خطا سرديا متناميا “لقد دخل والاس غمار الأحداث لأن الكوميسار لوران لم يستطع أن يكشف القضية،ثم تتطور الأحداث عندما يكتشف القارئ أن العصابة فشلت في قتل السيد دوبون و أنها قررت ملاحقة والاس و دوبون معا و تكون المفاجأة الكبرى في قمة الحبكة عندما يقتلل والاس السيد دوبون و بذلك يصبح رجل المباحث جانبا في هذه القضية”(16)
ب/2- الحبكة في “يحدث في مصر الآن”: الحبكة هنا هي أيضا حبك بوليسية إذ تتتابع الأحداث على طريقة القصة البوليسية و تتوفر على الشروط الثمانية التي حددها تودوروف لذلك.* “غير أن التحقيق يتجه إتجاها مغايرا”(17) في الرواية”إذ عوض أن يسعى إلى إبراز الحقيقة فإنه يسعى إلى طمسها و استبدالها بطريقة مغايرة”(18)
الحبكة متوفرة في الروايتين و هي حبكة بوليسية.و قد تأثر القعيد في منجزه السردي بما ورد من حبكة بوليسية في رواية “الممحاوات” فالشبه قائم في الخط العام و لا يمكن إهماله أو تجاهله، و يمكن إجماله في النقاط التالية:
– لا وجود لنفي مطلق للحبكة و لكنها لم تعد أساسية.
– تجاوز الحبكة التقليدية-
– غياب التشويق و ضرب التوتر.

يمكن إذا اعتبار الروايتين من نوع الرواية البوليسية و تتوفر فيهما كل العناصر الخاصة بهذا الشكل من الكتابة نظرا لتوفر العناصر الأربع الأساسية أي (الضحية +الجاني+الباحث/المحقق+ نتيجة البحث) لكن لا بد من الإشارة إلى أن توفر تلك العناصر لا يعني الإلتزام بها إلتزاما دقيقا بل إنه في أحيان كثيرة سخرت الرواية الجديدة كما هو الشأن في رواية القعيد من هذه البنية و تجاوزتها .كما أن ما نجده في الممحاوات ليس إلا “معارضة ساخرة للقصة البوليسية”(19) ذلك ان صيغة الرواية البوليسية تسعى وراء تحقيق النظام المفقود عبر الجريمة و استعادته باعتبار الجريمة في الرواية البوليسية خروجعن نظام و هدف المحقق بكشفه عن المجرم إنما هو إعادة ترتيب خلل قائم في النظام.
يمكن القول إذا أن رواية الممحاوات ليست إلا رواية معارضة للرواية البوليسية التقليدية و لا تحترم قواعد هذا الجنس مطلقا إذ يكشف الراوي الحبكة التي تقوم عليها الرواية و هو نفس ما يفعله القعيد تقريبا إذ يكشف هو الآخر و بشكل ساخر عن حبكة روايته التي يهيمن عليها اللانظام. و في الروايتين لا يلقي جهاز التحقيق القبض على الجاني إذ “يقع المحقق في المحظور و يصبح عنصرا رئيسيا من عناصر الجريمة”.(20).التشابه قائم إذا بين الروايتين في :
– المعارضة الساخرة للرواية البوليسية التقليدية.
– معارضة البنية التقليدية للرواية البوليسية حيث يتحول رجل المباحث إلى مجرم.
– عدم وصول نتائج التحقيق إلى غاياتها و إلى فك رموز الجريمة.
– ظاهرة الغموض الناجمة عن تعدد الإمكانات.
3- مظاهر الإختلاف بين الروايتين:
3/أ- في مستوى الحبكة: يمكن الإقرار منذ البداية في هذا المستوى من العمل أن وجوه التشابه بين العملين كانت أكثر و ضوحا و تجليا من وجوه الإختلاف على أن ذلك لا ينفي و جودها.
تختلف رواية القعيد في مستوى الحبكة /الأحداث عن رواية الممحاوات بانعدام ظاهرة الغموض إذ يتدخل الراوي في نهاية النص و يوجه القرئ نحو حل لغز الرواية. فيعلن أن البطل”دبش عرايس” قد قتل فعلا و أنه قد تم قتله في سجن القرية. والرواية بذلك”تحرص الحرص كله على شفافية التواصل.”(21) و فيما يخص الحبكة البوليسية في “الممحاوات” و أن قامت بمعارضة ساخرة للرواية البوليسية عبر انغلاق النص و عدم القدرة على الوصول إلى القاتل الحقيقي في ظاهر الرواية إلا أنها تعوض بنائيا ما خسرته عندما تعلن في نهايتها عن القاتل/والاس فتكون بذلك عودة الحبكة من جديد بعد أن أعلنت الرواية ظاهريا عن تخليها عنه. على عكس رواية القعيد التي تتجاوز إن بطريقة أو أخرى الحبكة التقليدية التي تقوم عليها الرواية البوليسية و تنجز فقط معارضة ساخرة لها إذ يعلن الراوي في نهاية الرواية أن القاتل غير موجود أصلا فموضوع الجريمة في حد ذاته لا وجود له مطلقا إذ ينفي الراوي أن يكون هناك و جود ل”الدبيش عرايس” و بالتالي تنتفي الجريمة تماما وتصبح هذه الرواية في جوهرها معارضة للحكاية البوليسية كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم من العمل.
4- المشترك بين الروايتين من حيث الدلالة و المضامين:
4\1-المضامين الإجتماعية في رواية الممحاوات:
أ_ الفساد و تجلياته الإجتماعية و السياسية و الإقتصادية:
من أبرز مظاهر الفساد في رواية الممحاوات الجريمة المتمثلة في قتل السيد “دوبون” و هذا القتل لم يكن مجانيا كما تصور المحقق بل جاء نتيجة للعلاقة الرابطة بين السيد دوبون و مركز النفوذ داخل السلطة السياسية و لذلك فقد صدر الأمر من السلطات العليا بعدم الإهتمام بالقضية. و أما مكان الجريمة فهو مدينة تجارية تهيمن عليها العلاقات البورجوازية بين أفرادها وأما الفوارق الطبقية فشبه واضحة بين متساكنيها و قد أظهرت الرواية مظاهر الصراع الطبقي القائم في المجتمع الغربي و الذي تحركه المصلحة بالأساس.و عدم الإهتمام بالجوانب النفسية في شخصيات روب غرييه الروائية إنما يرجع إلى تشييء الفرد في المجتمع الرأسمالي حيث يغيب العمق الوجودي للفرد و لا يبقى إلا ما يمكن أن نسميه بأعماله و أفعاله الجالبة للمصلحة. و الجريمة في الرواية تجسم “آلية مجتمع يمحو أثر اللانظام الحي و الواقعي الذي يعيشه الفرد.”(22) و ترمز الجريمة بالتالي إلى “ميكانيزم” التسوية الذاتية على حد عبارة قولدمان التي تمارسها المجتمعات الإنسانية عامة للمحافظة على النظام.
ب-المعاني الإجتماعية في رواية القعيد:
من أهم الدلالات القائمة في الرواية الدلالة الإجتماعية و الدلالة السياسية وهي شديدة الوضوح في الرواية. يظهر ذلك من خلال حدث زيارة الرئيس الأمريؤكي و أيضا من خلال شخصية العمدة و ما تحمله من إحالة على السياسي و كذلك شخصية ضابط الشرطة ذات الدلالة السياسية الواضحة باعتبار علاقتها بالسلطة …أما إجتماعيا فتحضر في رواية القعيد ثنائية الريف/المدينة و الفساد القائم فيهما فتتجلى سوء الممارسة و ظروف العمل المهينة في الريف إضافة إلى الإنتهازية و الوصولية و التي تتمظهر خاصة من خلال شخصية الطبيب الذي رغم اشتغاله بالقطاع العام فإنه يفكر في فتح عيادة خاصة و أيضا صيدلية تمكنه من جلب ربح وفير…كما أن المساعدات التي ترسلها الحكومة بدل أن تذهب إلى الفقراء يقوم الأغنياء بتغيير وجهتها لتصب في مصالحهم و تساهم في توسيع نفوذهم.
يقتل في الأثناء” بطل” الرواية عرايس لأنه لا يجد أحدا في الوحدة الصحية لإسعافه إذ الجميع في انتظار مرور الموكب الموعود.
أما العمدة فيترك عمله و بالتالي مشاغل الناس و يتوجه للقاء حبيبته /عشيقته في الإسكندرية غير أن الأمر لا يقف عند هذا الحد إذ نجده يستعمل سيارة الإسعاف في رحلته تلك هذه السيارة التي من المفروض أن تكون في خدمة الفقراء يستعملها العمدة لقضاء حاجياته الشخصية و إشباع رغباته و نزواه العاطفية و الجنسية…يعود هذا الوضع إلى التغير الرهيب في منظومة القيم الذي عرفته مصربسبب سياسة الإنفتاح التي قامت فترة السبعينات مقارنة بالمرحلة السابقة التي كان فيها الوضع الإجتماعي أقل رداءة زمن الفترة الناصرية. و هكذا “يتضح لنا أن الخطاب الإجتماعي واضح المعالم في رواية يوسف القعيد، يسوقه الراوي أو الشخصية في الرواية وهو لا شك يعكس مواقف الكاتب التي تتحول في كثير من الأحيان إلى محاكمة النظام الإجتماعي برمته في السبعينات و ما بعدها.”(23)و هذا التدهور في القيم ليس في الحقيقة إلا نتيجة لفساد النظام الإقتصادي باعتبار التحول من التطلعات الإشتراكية للنظام الناصري في الستينات إلى الإنفتاح الإقتصادي مع السادات .فهذا النظام العائد أفرز في سنوات قليلة “ريفا فقيرا و شعبا يمد يده لأغنياء العالم” (24). وكثيرا ما يسخر الكاتب من المبررات التي تعتمدها السلطة في تقديم المعونات للفلاحين في الريف المصري، فهذه المعونة لا تقدم حسب الحاجة الفعلية للفلاحين أو الفرد في الريف المصري،إنما هي تقدم للنساء الحوامل وليس بقصد المساعدة و إنما “لإنتاج” جيل جديد يدين بالولاء ل”ماما أمريكا” فهؤلاء الأطفال سيولدون و ستروي لهم أمهاتهم أن الفضلةيعود في نشأتهم للمعونة الأمريكية و “هذا ضمان أكيد لصداقة متينة بين الشعب المصري و الشعب الأمريكي الكريم.”(25). هذا الأمر سيدفع بالراوي إلى التعريض بالسلطة الساسية و فضحها و السخرية من مخطاطاتها و رؤاها السياسية فيفضح تحلفها مع أنظمة “إمبريالية” تسحق الشعوب و تسحق ثرواتها فزيارة نيكسون الرئيس الأمريكي هي سبب مأساة القرية و أهلها و هذه المعونة بدل أن تكون مصدر خير و مساعدة ستتحول إل كارثة و مصدر للفوضى و مبررا للقتل.(تدور أحداثالرواية سنة75) و يمكن أن نعتبر الحكاية من هذا الإتجاه حكاية فقر و موت، حكاية فقر الفقراء في البحيرة و غياب دبيش في مواجهة وعد بالحياة عبر زيارة موعودة للرئيس نيكسون “قاتل الآلاف من الأيتام”.
خاتمة :
لقد تبين مما تقدم أن التقاطع بين العملين كان في مستويات عديدة إذ لم يقف عند حدود الشكل سواء من حيث الخبر أو الخطاب و إنما تجاوزه ليشمل حتى القضايا و الإشكاليات المطروحة.و قد تبين أيضا أن درجة الإتصال و التأثير كانت متفاوتة من موقع لآخر و من مستوى لغيره و لعل ذلك يعود إلى أن “هذا الجيل( جيل الستينات) وجد في بعض تيارات الرواية الفرنسية الجديدة و خاصة روب غرييه و سيلة للتعبير عن سلبية مفروضة بقدر ما هي متبناة”(26) على رأي غالب هلسا .لكن رغم هذا التأثير المباشر للرواية الفرنسية الجديدة في الرواية المصرية(غرييه/القعيد) فإنهما يشتركان في الإتصال بمرجعية أدبية واحدة فأغلب رواد التيارين بما فيهما كل من روب غرييه و يوسف القعيد قد تأثروا بأهم الأعمال الأدبية العالمية مثل فولكنر و هيمنغواي و كاتب الرواية الوجودية جان بول سارتر و ألبر كامو و قبلهما أندري جيد. (27) و لعل هذا ما ساهم في تعميق التأثير القائم بين الروايتين لكن هل هذا يعني ان التشابه قائم في المطلق بين النصين ؟
إن وجوه الإختلاف قائمة بين الروايتين في عدة مستويات سواء من حيث الشكل او من حيث المضمون و هو ما يؤكد على خصوصية كل رواية وعلى ميزة كل كاتب و اختلاف القدرات الإبداعية عند كل مؤلف.

 
*تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق