ثقافة السرد

الساعة

قيس لطيف

نحن الآن في (كانون الأول) والجو ليس دافئاً في مثل هذا الشهر.

الساعة تشير الى السابعة. أمامهُ ساعة كاملة قبل أن يصل الى المشفى عند الثامنة.. هكذا هي المواعيد. فهو لا يحب الوصول متأخراً، فالتأخير يربكهُ!

استقل الحافلة، وكانت شبه خالية من الركاب … فالوقت مازال مبكراً، قبل أن يتجمع الناس أمام محطة النقل، قاصدين أعمالهم.

جلس بالقرب من النافذة.. كان المقعد مريحاً، والمكان دافئاً وصوت المحرك يبعث على الخدر. أمال رأسه إلى الخلف فغمرهُ في الحال إحساس لذيذ. لم يستطيع مقاومة كل هذه المغريات.. فغفى!

أفاق من غفوتهِ مفزوعاً، ظناً منه أنهُ نام وقتاً طويلاً، وأن الحافلة تجاوزت المكان الذي كان يقصده.

نظر في ساعتهِ فوجد أنه لم ينم أكثر من خمس دقائق..

أصبحت الحافلة مكتظة بالراكبين، والمقعد الذي قبالتهُ شغلتهُ سيدة في العقد الخامس أو السادس.. هكذا كان يخمن.

التفت إلى النافذة، وأخذ ينظر عبرها إلى واجهات المحالُّ، والأسواق التي لازالت مغلقة، وراح يعد المارة، وأعمدة الكهرباء، والسيارات المتوقفة.. حتى أصابهُ الملل.

مازال ضوء الصبح، لما ينبلج بعدُ.

– أنتبه الى صورة المرأة منعكسة على زجاج النافذة وهي تمسح على شعر رأسها وتفتح حقيبتها اليدوية ثم تغلقها وتنظر في ساعتها.

غفل قليلاً، ثم عاود النظر الى صورة المرأة المنعكسة أمامهُ على الزجاج.. فوجدها تكرر الحركات ذاتها.. تمسح على شعر رأسها، تفتح حقيبة يدها ثم تغلقها، وتمعن النظر في ساعة يدها!

دفعهُ فضولهُ، أن يسأل نفسهُ:

هل ما كررتهُ هذه السيدة، كان مصادفة أم لا؟

اِعتدل في جلسته، وأخذ يختلس النظر.

لاحظ أنها توقفت عن المسح على شعرها، ولكنها واصلت النظر في ساعة يدها.

– هناك شيء ما؟ سأل نفسهُ.. فهي بغضون دقائق، نظرت الى ساعتها، عدة مرات!

– لماذا هي في الحافلة بهذا الوقت المبكر؟

– هل هي على موعد ما وتأخرت عنه؟

كان حسن هيئتها، واعتنائها بتصفيف شعرها يدلان على اناقتها.. وقد أخفقت المساحيق الملونة في إخفاء تجاعيد وجهها الواضحة.

كانت تنظر في كل الاتجاهات، ولكنها لا تنظر اليه!

أستغرب ذلك، وأعتبرهُ في الوقت ذاته فرصة مناسبة لفهم ما يحدث.

فها هي تعاود النظر إلى ساعة يدها.. وتفتح حقيبتها ثم تغلقها.

– ربما لتطمئن على محتوياتها. قال يحدث نفسه.

– ولكن، لماذا تنظر في ساعة يدها؟

أحس أنها قلقة، وقلقها تحول الى قلقٍ يضايقهُ.. هو

وإلا ماذا يعني، أن ينظر الشخص الى ساعتهِ، ثلاث مرات في كل دقيقة؟

تذكر، أنهُ هو أيضاً معهُ ساعة، وأراد أن يتأكد من وقت وصوله.

دقيقة واحدة فقط، ويصل الى حيث يقصد.

قبل أن ينهض من مقعدهِ.. رفعت السيدة معصمها، وبحلقت في ساعتها..

– قال لنفسهِ: وماذا غير الوقت يشغلك يا سيدتي؟

وهنا، دُهِشَ الرجل، وذُهِل عندما نظر الى ساعتها.. لقد كانت ساعة السيدة ….. متوقفة!!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الساعة”

  1. صديقي الأعز قيس لطيف
    هكذا اصبحت همومنا تطوف الدنيا بعد أن كانت حبيسة في وجداننا أولا ثم في درج مكتبنا، ثم هنا وهناك على صفحات مواقع غراء مثل موقع مجلة الثقافة الجزائرية هذا..

    دمت بخير وعافية صديقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق