قراءات ودراسات

ظاهرة الأدب.. عندما يصبح التاريخ الأدبي تاريخًا للظاهرة الأدبية

إدريس الخضراوي

لا ريب أن من تابع بانتباه تطور نظريةِ الأدبِ في المجالِ الكيبيكي في العقود الأخيرة، استطاع أن يلحظ تبلور مجموعة من الأعمالِ والمشاريعِ التي من شدّة بحثها عن اليقين وإضفاء الصدقية على نتائجها، أسهمت في تحويلِ الدراسات الأدبية والنقدية إلى نماذج علمية يستحكم بها هَاجسُ التأريخ للظاهرة الأدبية وتفسيرها تفسيرًا نسقيًا، باعتبار تاريخ الظاهرة الأدبية هو “تاريخ النشاط الإنتاجي، ونشر النّصوص وتلقّيها، من أفراد مستوفي الشروطِ هم أنفسهم بوجودِهم المادّي والاجتماعِي والسياسِي وبتاريخِهم الخاص. كما أنه تاريخ النّصوصِ المتموضعةِ داخل فضاء اجتماعِي يستثمرها (المجتمع داخل النص)، وتكون هي مندرجة فيه (النص داخل المجتمع)، وهو أيضًا تاريخ النّصوصِ المشرّعةِ والمقرّرةِ من سلطات، منها على سبيلِ المثالِ المدرسة والتعليم والنقد” (كليمان موازان، ظاهرة الأدب، ص302).
ولم يقتصر التطور الذي مسّ ميدانِ نظريةِ الأدبِ في هذه المنطقة على الأعمالِ والمشاريعِ

ذات الانشغالِ النظري فحسب، وإنّما امتدّ أيضًا إلى المناهج والأدوات الموظفة في قراءةِ النّصوصِ وتحليلها. وقد شكّل هذا الجهد المدفوع بسعي حثيث وطموح لفهمِ الأدبِ بوضعهِ موضع مسافة، محاولة شديدة الأهمية لإرساءِ دعائم هوية للأدب الكيبيكي، بإبرازِ قيمتهِ الوطنيةِ، وتخليصه من التبعية للأدب الفرنسي. لقد بلغت هذه المشاريع النظرية من العمقِ والإنتاجيةِ العلميةِ ذلك الحدّ الذي ما عاد معه في الإمكانِ الاستمرار في قصرِ النظرية على مراكز محدّدة من المجالين الأوروبي والأنجلو أميركي، كما كان سائدًا من قبل. ومن أبرز الجهودِ في ميدانِ الدراسات الأدبية والنقدية التي لفتت الأنظار إليها، جهود الباحث الكندي كليمان موازان (1933 – 2010)، الذي تعرّف إليه القارئ العربي سنة 2012 من خلال كتابه المميّز: ما التاريخ الأدبي؟(1) الذي صدر عن دار الكتاب الجديد المتحدة في بيروت، في ترجمة رصينة تميّزت بحسن أدائها في مستوى اللغة، ومستوى الخطاب، للباحث المغربي حسن الطالب، أستاذ نظرية الأدب والأدب المقارن في جامعة ابن زهر بأكادير.
لقد اعتبر كتاب “ما التاريخ الأدبي؟” من أهمِّ الأعمالِ التي دشّنت عودة تاريخِ الأدبِ، ذلك المبحث الذي كثيرًا ما أخذ عليهِ “نزعته الوضعية، وربطه الوقائع عبر ربط الأسباب بالنتائج” (موازان، ص234)، وربّما بسبب ذلك تعرّض للنقدِ والتهميشِ خلال الحقبةِ التي هيمنت عليها المدارس البنيوية والشكلانية التي انصرف نقادها إلى توجيهِ الانتباهِ للأعمالِ الأدبيةِ التي تشكّل نسقًا من العلاقاتِ المعقدةِ، وهكذا جعلوا من الأدبِ مجال الاهتمام الأوحد، فلم يعترفوا للتاريخ والمجتمع، ولذات الكاتب بأيّ دور مؤثر في القراءةِ والتأويلِ. وكما بيّنَ محررو كتاب: الأدب الآن: المصطلحات والمناهج الرئيسة للتاريخ الأدبي (Literature Now) “غالبًا ما تم رفضُ التاريخِ الأدبي باعتبارهِ تخصصًا ثانويًا معنيًا فقط بِسيرِ المؤلفين، وتاريخ المدارس والحركاتِ الأدبيةِ، وإعادةِ بناءِ النصوصِ وحفظها بأمانة”(2).
وبخلافِ الاعتراضاتِ التي ساقتها هذه المدارس، أراد كليمان موازان، متكئًا على خبرتهِ في التنظيرِ والممارسةِ، وإيمانهِ الرّاسخ بأنّ تاريخ الأدب هو الاختصاصُ المؤهلُ، أفضل من غيرهِ، لأن يلقي الضوء على الأدبِ بوصفهِ ظاهرة إنسانية، لأنّه يسمحُ في المقامِ الأولِ، بتنظيم للأدبِ، وثانيًا، بصوغهِ في خطاب”(3)، أراد هذا الباحثُ، إذاً، إعادة الاعتبارِ لتاريخ الأدبِ من منظور مختلف يَتقصّدُ إلى إخراجِ هذا المبحثِ من المشاكلِ المنهجيةِ التي كان يتخبّط فيها، وذلك بالاستنادِ إلى إطار نظري جديد يَنهلُ من نظرية الأنساق المتعددة التي تقومُ على افتراض مفاده قابلية كلّ موضوع لأن يُدرسَ باعتباره نسقًا. وضمن هذا المنظور “يشتمل النّسق الأدبي على كلّ العواملِ الدّاخلية والخارجية التي تشكّل مجموع الأنشطة المسماة أدبية”. (الكتاب، ص240).
وعليه، يمكنُ أن نلاحظ أنّ في خلفيةِ الأهميةِ العارمةِ التي بات يتمتّع بها تاريخ الأدب بفضلِ أعمال كليمان موازان التي انشغلت بالتفكير في إمكانية أن “يُصبحَ التاريخُ الأدبي فعلًا faire، وأداء ومهارة savoir-faire، علمين يتيحانِ خِطابًا حقيقيًا يَكونُ شكلاً من أشكالِ التواصلِ

المتضمّنِ لمعنى، أو معانٍ، أو المنتج لها” (موازان، ص298)، تَقفُ جُهودُ مجموعة من الباحثين الذين اشتغلوا بنظرية الأنساق، وقدّموا دراسات ذات وزن وفائدة كبيرين، ومن أبرزِ هؤلاءِ الباحثين المنظّر اليهودي، إتمار إفن زهر، مؤلّف كتاب “مقالات في الشعرية التاريخية” (1979)، وسيغفريد شميدت في كتابه “أسس لدراسة تجريبية للأدب: مكونات النظرية الأساسية (1982). هكذا، ومن أجل تجديد تاريخ الأدب، عمل موازان على استيعابِ هذه المكاسب النّظريةِ وتطويرها وصوغِها في نموذج تأسّس على مفاهيم مركزية هي: الحقل النظري، الحقل التجريبي، مفهوم النمذجة. وفي المقدّمة التمهيدية التي كتبها المترجم حسن الطالب لـ ما التاريخ الأدبي؟ ذهب إلى القول: “بما أن تاريخ الأدب نسق منفتح ودينامي، فإن تطبيق المفاهيم السابقة (الحقل النظري، الحقل التجريبي، مفهوم النمذجة) يستلزم تحديد عناصره من خلال تراتبيتها ومكانتها داخل الكلّ النسقي المدروس، من دون إغفال الأبعاد الدلالية والتركيبية والتداولية التي تتيح دراسة شاملة للمستويات البنيوية والسياقية للظاهرة الأدبية، علاوة على مظاهر التلقي ومستوياته المختلفة (الأساتذة، الطلبة، النقاد، جمهور عام)، الشيء الذي يجعل الوظائف الموكولة للنموذج المقترح متعددة تبعًا للفئات المستهدفة من التأليف في التاريخ الأدبي”(4).

ليسَ الغرضُ من هذهِ القراءة الاقتراب من تصورِ كليمان موازان لتاريخِ الأدبِ وكيفيةِ تطويرهِ والإشكالياتِ التي أضحت ضمن دائرةِ اهتمامهِ، وإنّما الإلماعُ، أيضًا، إلى أنّ العمل النظري والنّقدي الذي بلوره هذا الباحث في حقل نظريةِ الأدبِ هو من الغنى والعمق والموسوعية والقدرة على التركيب، لدرجة تتعذّر معها أيّ محاولةٍ للإمساكِ به، أو تكوينِ إحاطةٍ عنه، اعتمادًا فقط على مؤلّفه ما التاريخ الأدبي؟. وعليه، فإنّ هذا الهاجس هو الذي شَغلَ المترجمَ عندما أخذ على عاتقه الإسهام في جعلِ هذا الناقدِ والمؤرّخِ الألمعي مألوفًا لدى القارئ العربي، خاصّة القارئ المعني بنظريةِ الأدبِ ومناهجِ النقدِ الأدبي، في محاولةٍ لتوجيهِ بوصلةِ الدّراساتِ الأدبيةِ العربيةِ التي انقادت لفترة طويلة من الزّمنِ لنظريةِ الأدبِ الفرنسيةِ، نحو هذه الجغرافيا التي تَتشكّلُ فيها مجموعة من المواردِ النظريةِ ذاتِ الفائدةِ الكبيرةِ لعمليةِ تجديدِ المعرفةِ بالأدبِ في الثقافةِ العربيةِ، بوصفهِ (=أي الأدب) مجالًا مثل باقي المجالات يَستلزمُ ترتيبًا لإنتاجاته، وتنظيما يفسره، كما يستلزم وضعه مَوضعَ مسافةٍ حتى يمكن رؤيته وإدراكه على نحو أفضل.
ومن بين الأعمال الجديدة التي ظهرت لكليمان موازان في العربية كتابه بعنوان: ظاهرة الأدب،  الصادر سنة 2020 ضمن سلسلة متون تأسيسية في نظرية الأدب(1)، عن دار الكتاب الجديد المتحدة، وفي ترجمة للباحث حسن الطالب مفهرسة وموسّعة بهوامش تتصل اتصالًا دقيقًا بالنّصِّ المترجمِ. وبالرجوع إلى الدّراساتِ المعاصرةِ حول الأدبِ ونظرياتهِ ومناهجهِ، يتبيّنُ أنّ هذا الكتاب يكتسي أهمية لافتة ضمن مُنجزِ موازان، ليس فقط لأنّه يُشكلُ أفقًا مشرعًا على الشيء الأدبي، بما تضمنّه من أسئلة جديدة حول الأدبِ وطبيعتهِ والكيفيةِ التي يَشتغلُ بها، وإنما أيضًا لأنّ هذا المنظّر يتتبّع فيه أكثر النظريات حضورًا وتأثيرًا في المشهدِ النقدي والأدبي المعاصرِ، مشدّدًا على اعتبار الأدب ظاهرة، وهو ما يسمحُ “بالنّظرِ إلى الأدبِ أولًا في تمظهرِهِ الملموسِ بوصفِهِ موضوعًا قابلًا للتجرِيبِ في المكانِ والزّمانِ (كانط)، وثانيًا بالنّظرِ إليهِ في تمظهرهِ الفكري بوصفهِ إسقاطًا للموضوعِ نفسهِ داخل النّظامِ الجدلي للتوجهِ النّظري وداخل النّظامِ المنطقي للتوجّهِ التحلِيلِي” (موازان، ص302). ومن هذا المنظور، فالأدب، مثل الحقولِ الأخرى، يتميز بكونه له تنظيم ينبغي أن ينصبّ جُهدُ الباحثين على تحديدِ طبيعتهِ بدل البرهنة على واقعهِ. ولتقريبِ القارئِ من الإشكاليةِ التي يعنى موازان بالتفكير فيها، لا بدّ من القولِ إن هذا العمل الذي يندرجُ ضمن توجّه نحو محاولةِ تجديد جذري للدراساتِ الأدبيةِ، يسعى فيه المُؤلفُ إلى مواجهة سؤال مركزي يتعلّق بما إذا كان الأدب يمثل ظاهرة، أو ما إذا كانت فكرة الأدب في تطورها وتحولها عبر العصور تستجيبُ لفكرة الظاهرة. ومن المؤكّد أن هذا الوصف الذي يُعطَى للأدب، ينبعُ من كونهِ يمثل ظاهرة حيّة، تَعملُ على إشراك عدد غفير من النّاس والمهن وتوظيفهم، ومن ثمّ فهو يتصل بالسياسةِ ويسهم في الدّخلِ الوطني.
من الملاحظ أنّ في خلفيةِ السؤالِ الأساسِ الذي ينطلق منه الباحث، يكمن التاريخ الطويل لمفهومِ الأدبِ، تلك الفكرة التي يشوبها الغموض والالتباس ويصعب تحديدها، بشكل يغدو معه الأدب الذي نصّبته كل أمّة تمثيلًا لذاتها، بما هو أدب متحدّر عبر العصورِ من سلسلة من عملياتِ الاختيار والتراتبية والشرعنة المتتالية والتتويج النهائي (consécration)، يغدو الأدب في كلّ مرّة ميدانًا للتفكيرِ والتأملِ والنّقاشِ والتخمينِ، بل وحتى الشكّ(5). ورغم المحاولات المتعددة التي سعى أصحابها إلى بناءِ مفهوم قارّ عن الأدب، وضبط حدوده وعلائقه بالخطابات الأخرى، فإنها لم تستطع أن تجيب عن أسئلة عديدة، ومن بينهما ذلك السؤال المتصل بالمعايير الكامنة وراء عمليات التتويج والتكريس التي تَخضعُ لها النصوص والأعمال، أو ما السبب الذي يجعل نصوصًا معينة تلج مجال الأدب الكبير، ذلك الأدب “الذي بقي حيًا، وأصبح النّموذج الأمثل، المتميز للأمّة والمميز لها”(موازان، ص34)، بينما يكون نصيب أعمال أخرى هو الأدب الهامشي الذي يضمّ الأعمال الشعبية والثانوية التي لم يتمّ الاعتراف بها على أنها ممثّلة للمعيارِ الوطنِي.

إن أسئلة مثل هاته ما كان في الإمكان الإجابة عليها، بحسب موازان، اعتمادًا على استحضار السياقِ التاريخي، بوصفهِ مرجعية للسياسي والاقتصادي والثقافي، بل والأدبي (موازان، ص35). وثمّة إمكانية وحيدة لتحديدِ الأدبِ، المؤهل للقيام بها هو “مجال المقتضيات الذي يعرّفه جاك ديبوا تحديدًا، بوصفه جهازًا مؤسساتيًا يؤدّي وظيفة خاصّة في إعدادِ عمل فنّي وتحديده وشرعنته”. (موازان، ص221) وعلى هذا الأساس يعتبر موازان الأدب مؤسّسة. فإذا كان للأدب وجه مرئي، فإنه يكتسبه من خلال المؤسّسة. وبحسب هذا التحديد، يكون الأدب كذلك ظاهرة جمالية، والجمالية هنا ليست فطرية، وإنما هي مكتسبة، ومن ثمّ فهو (أي الأدب) شديد الارتباطِ بالأخلاقِ والدينِ والسلوكِ الاجتماعي التي ينبغي أن تتناقلها المدرسة والأمّة (موازان، ص36) وعليه، إذا كان الأدب، منظورًا إليه من خلالِ مفهومِ المؤسسةِ، يشكّل ظاهرة، فإن فهمه يقتضي الكشف عن الشروط المختلفة التي تحدّده. يقول موازان “وبدراسة الأدب بوصفه ظاهرة، فإنه يتحول، بناء على ذلك، إلى حصيلة مجموعة من الشروط الوجودية”. (موازان، ص36) هذه الشروط نوعان: مادّية وجمالية.
لا شكّ أنّ التعريف الذي يعطيه موازان للأدبِ، بوصفه مؤسسة، يستند إلى المحاولاتِ الرائدةِ التي بذلت في ميدان سوسيولوجيا الأدب منذ النصف الثاني من القرن الماضي، مع كلّ من روبير إسكاربيت، وجاك ديبوا، وبيير بورديو، وبيير ماشري، وهانس روبير ياوس، في محاولة لتحديدِ الأدبِ من خلالِ البحثِ في الشروطِ المحدّدة لعمليتي الإنتاجِ والتلقي. غير أن الإيحاءات الاجتماعية لمفهومِ المؤسسةِ لا تعني أن عمل موازان يكرّر الأسئلة التي طرحتها سوسيولوجيا الأدب مع روبير إسكاربيت الذي اهتمّ بدراسة الوقائع الأدبية، أي الطبع والنشر والتوزيع. بل يتعلّق الأمر بمقاربة أوسع، وأكثر جذرية في مجالِ الدراسات الأدبية، لأنها لا تتوقف فقط عند الشروطِ الماديةِ للأدبِ، بل تتجاوز ذلك إلى الاهتمامِ، من منظور بويطيقي، بالبنية الداخلية للأعمال الأدبية. وقد لاحظ موازان أن هذه الجهود على أهميتها وقيمتها من حيث التعامل مع الأدب باعتباره ظاهرة اجتماعية، والإسهام في الكشف عن مكانته والوظيفة التي ينهض بها في الحياةِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ لأمّة من الأمم، اهتمّت بالمؤسّس (l’institué)، أي العوامل والمتطلبات أكثر مما درست واقع الشيء المؤسّس (l’instituant)، أي الواقع نفسه، والسيرورات التي تشيد المؤسّسة. (موازان، ص43). لذلك نجده يعمل على توسيعها، حيث يضيف لهذه الأعمال التي أظهرت الطابع الاجتماعي للظاهرة الأدبية، جهود سارتر في كتابه: ما الأدب؟ مبررًا ذلك بأن سارتر “يعدّ الكلام والكتابة فعلًا. فما إن يكتب الكاتب حتى يقوم بردّ فعل، ويعمل على إظهار ما يعدّ طريقة من طرائق الدعوة إلى تغيير الواقع والعادات وطرائق الشعور”. (موازان، ص50). ويضيف موازان أنه، في نظر سارتر، “يعدّ الكاتب بمنزلة حرية تخاطب حرّية أخرى، وهو ما يعادل اقتراح مهمات على القارئ الذي قد يقبل التعاون وقد يرفضه. ومن جهة أخرى، فإن الجمهور الذي يقرأ عملًا أدبيًا ليس جمهورًا أبديًا، بل هو جمهور معاصر دائم للكاتب، مع أنه كتب عمله وأنتجه منذ عقود أو قرون مضت. وبهذا المعنى، فإن الجمهور واقع ملموس ومحدد يربط بين القارئ والكاتب ضمن وضع لا تكون خاصياته أبدًا إلا خاصيات تاريخية وسياسية”. (موازان، ص50). ومن بين الأمثلة التي يقدّمها موازان لإبرازِ الدورِ الذي تَضطلعُ به شفراتُ القراءة، وضروبُ التغيير التي تطاولها في تغييرِ مفهومِ الأدبِ ووظيفتهِ، بل وموقع النصوصِ في الصّرحِ الأدبي لأمّة من الأمم، المثال المتعلّق بكتاب الفهرست الوطني لـ جيمس هويستون، وهو أوّل أنطولوجيا للأدب الكندي الفرنسي بين عامي 1848 و1850. ويتبيّن من القراءة التي يقوم بها موازان لثلاث مقدّمات: مقدّمة هويستون، ومقدمة أدولف بازيل روتيي (1893)، ثم مقدمة روبير ميلانسون (1982)، أن “تغيير شفرات القراءة يؤدي إلى تغيير الوثيقة نفسها، بحيث لا يصبح مجرّد مجموع الكتابات المنتمية إلى مرحلة زمنية ما، بل تصبح عنصرًا تأسيسيًا من عناصر تأسيس الأدب الكيبيكي. ومن ثم يشكّل الفهرست الوطني جزءًا أساسيًا من معيار الأدب الكيبيكي”. (موازان، ص61).
لا شك أنّ هذه الأعمال التي تندرج ضمن سوسيولوجيا الأدب، والتي اهتمّ أصحابها بدراسةِ المؤسسةِ الأدبيةِ والحقلِ الأدبي، لا يمكن أن تغطّي على العملِ المبكرِ الذي قدمه رينيه ويليك، وأوستن وارين، في كتابهما “نظرية الأدب”، الصادر في طبعته الأولى باللغة الإنجليزية أواخر الأربعينيات، حيث خصصا فصلًا بعنوان: الأنواع الأدبية تساءلا فيه عمّا إذا كان الأدب مجردّ مجموعة من القصائد المفردة والمسرحيات والروايات تشترك في اسم واحد؟ هل الأدب مجرد مقولة للتصنيف، أو اسم يطلق من الخارج على النّصوص؟ وبعد أن عرض المؤلفان لمجموعة من الإجابات التي قدّمت في إطار النظريتين الإسمية والتطورية، نجدهما يؤكدان على التعريف التالي: “النوع الأدبي مؤسسة، كما أن الكنيسة، أو الجامعة، أو الدولة، مؤسّسة. وهو لا يوجد كما يوجد الحيوان، أو حتى كما يوجد البناء، أو الأبرشية، أو المكتبة، أو دار المجلس النيابي، بل كما توجد المؤسّسة. وبإمكانِ المرءِ أن يعمل من خلالِ المؤسساتِ القائمةِ، ويعبّر عن نفسه بواسطتها، أو يبتكر مؤسسات جديدة، أو أن يعيش بقدرِ الإمكانِ من دون أن يشارك في السياساتِ أو الشعائرِ، كما أنّ بإمكان المرء أيضًا أن يلتحق بالمؤسسات، ثم يعيد تشكيلها بعد ذلك”(6).

هذا ما سيبيّنه تودوروف لاحقًا في مقال بعنوان “أصل الأجناس الأدبية”، عندما كتب قائلًا إن “الأجناس الأدبية قد أخذت طريقها نحو التمأسس، لأنها بنيت على أسس يتحرّك المجتمع انطلاقًا منها ويتطور. إن وجودها أو اختفاءها، إذن، مرتبط بأيديولوجية مركزية في مجتمع ما” (موازان، ص157). ولمّا كان الأدب جزءًا من المؤسساتِ الاجتماعيةِ التي تتميّز بكونها تميل إلى المحافظة على الوضع القائم، وتسهر على تأمين استمراريته، فّإن المؤسسة المدرسية التي تعمل على إعادة إنتاج القيّم لا تتقبل أي تغيير في نظام الأجناسِ الأدبيةِ، إذ تعتبر كلّ المحاولات الساعية إلى وضع تراتبية أخرى “اختلالات”، وهكذا تعمل على “إدماج القيم الجديدة من أجل إقصائها، أو من خلال تهميشها، لتجنّب إعادة التفكير، أو إعادة تحديد النسق القائم للأنساق” (موازان، ص159). ويبرز موازان من خلال التحليل النفّاذ الذي أنجزه للخصومات والمعارك الأدبية، ودورها في تطوير أطروحات وافتراضات تسهم في تطور الحقل الأدبي، كالخصومة التي شهدتها فرنسا سنة 1922، عندما شنّ الناقد فيرناند فاندريم، مدير مجلّة فرنسا، هجومًا على الكتب المدرسية، إذ لاحظ أنها تنزع إلى المذاهبِ والنظرياتِ، وتغفل شعراء معترف بهم، مثل رامبو، وبودلير، كيف “تكتب الكتب المدرسية لتدريس الاحتفاء بالكتاب (الكبار) والأعمال الأدبية، لأن على الأدب أن يشكّل، في عالم يتطور ويتغير، ثباتًا معيّنًا من خلال تاريخيته نفسها” (موازان، ص188). وينطبق هذا أيضًا على الخصومة التي وقعت في الستينيات بين رولان بارت، وريمون بيكار، في شأن المناهج النقدية، وكيفية قراءة الأعمال الأدبية. ورغم الاستقلال النسبي الذي يتمتع به الحقل الأدبي، وأشكال التنظيم التي يتميّز بها، وهو ما يجعل منه “عالمًا قائمًا بذاته خاضعًا لقوانينه الخاصّة” (الكتاب، ص215)، فإن أحد الأدوار المثيرة التي تقوم بها المؤسّسة الأدبية، إذ تبدو بوضوح كأحد الأجهزة الأيديولوجية للدولة، تتمثل في “فرض عقيدة من العقائد، أو سياسة من السياسات التي تطابق نسقًا من القيّم التي عظّمتها السّلطة في حقبة من الحقب” (موازان، ص204).
ومن بَين الأفكارِ الأصيلةِ التي يقدّمها موازان، في مقاربتهِ للأدبِ كظاهرة، وفي فَحصهِ لمعطياتها التجريبية، وأيضًا في تَفصيلهِ الحديث عن مكونَاتِها المختلفةِ، وما يَجمع بينها من أشكال النّسقِ المبنينِ للانتظامِ والتنظيمِ، وذلك اعتمادًا على مَفاهيم الحقل والمؤسسة والنّص، باعتبارها مَواقعَ للكشفِ عن تلك الشبكاتِ من القَواعدِ والمعاييرِ التي تَتَحكّم في الأدبِ، تشديده على الدّور المحوري الذي يَنهضُ به التاريخُ في أيّ عملية اختراق لمفهوم مُلتبس مثل الأدب، تلك الفكرةُ التي يظلُّ تاريخُها مشروعًا ينتظرُ الكتابة، كما يرى رولان بارت. لقد أضحى التاريخُ، بعد محاولات عديدة من قبل مُنظري الأدب ونُقاده لتحاشي الاستعانة به، مرفأ الرُّكونِ والنجاةِ لهؤلاءِ الدّارسين. وكما يقولُ موازان “فلا منجى، ولا مهرب، من الزّمن، الذي يقولبُ كلّ شيء، ويُفسّرُ كيفية حُدوث هذه العملية، وما تمخّض عنها” (موازان، ص321). ولمّا كانت مَعاييرُ الأدبِ التي ليست سوى “نماذج من المرجعياتِ العامّةِ، والطرائقِ التقنية للكتابةِ والفاعليةِ، وطرائق الإنجاز والإنتاج والأنماط المحدّدة من التلقّي والنقل والتوزيع” (موازان، ص324)، تُشبهُ المَعايير المؤسساتية والاجتماعية والأخلاقية والقانونية، فإنّ المقاربةَ التاريخيةَ التي تُوفقُ بين هذه الحقولِ هي وحدَها الكفيلة والمؤهلة لفهمِ الأدبِ باعتباره ظاهرة.

تركيب
تُظهرُ أعمالُ كليمان موازان أنّ التحول الذي شهدهُ البحثُ في الأدب في الكيبيك لم يكن تحولًا سطحيًا أو شكليًا، ولكنّه تحول اتسم بكثير من الجدّية، فقد مسّ جزءًا مهمًّا من التصورات والقناعات السائدة والطرائق المتداولة في حقل التفكيرِ في الأدبِ، في محاولة لإضفاءِ طابع علمي على المعرفة الأدبية على أساس “أن المعرفة ليست مبنية بحيث لا يبقى سوى القيام بتطبيق أو تطبيقات، بل إن المعرفة هي ما ينبغي بناؤهُ، ومن ثمّ فهي تعتمدُ على قدرة أولية تقدّم نفسها في شكل فرضية أساسية ومتواليّة من الفرضيات الخاصّة التي تستمدّ منها النتائج على نحو استقرائي. وفي هذه الحالة يصيرُ التّوجّهُ استكشافيًا فاسحًا في المجال لنماذج متوقّعة من النتائج التي لم تكن في الحسبانِ” (موازان، ص298). وعلى هذا الأساس، نعتقد أن ّما يعطي العمل الذي أنجزه المترجم حسن الطالب قيمته في السياق الثقافي العربي، كون تاريخ كثير من الآداب العربية لم يكتب بعد، خاصّة الأجناس والأنواع التي تندرجُ ضمن الأدبِ الحديثِ، مثل الرواية والقصة والمسرحية، التي تشكل أنواعًا طارئة على الثقافة العربية، لأنها لم تتبلور بتأثير من التحولات التاريخية التي مرّت منها الأنواع السردية في الثقافة العربية، وإنما تَعرّفَ إليها الأدبُ العربي من خلال عمليات المثاقفة التي ميزت العصر الحديث، بالرّغم من وفرة الدّراسات التي كتبت عنها، وبالرّغم من الزخمِ الذي تعرفهُ الدّراساتُ والأبحاث المستفيدة، من تراث ما بعد الحداثة. وعليه، ينبغي الإقرارُ بأنّ جهود موازان التي تَندَرجُ ضِمنَ تصورٍ نسقي يَحلّ فيه مُصطلحُ الظاهرة الأدبية مَحلّ مُصطلحِ الأدبِ “المفرطِ فِي التجريدِ والذّيوعِ، الذي يتضمّن كلّ شيءٍ من غيرِ أن يدلّ على شيءٍ محدّدٍ” (موازان، ص302)، والتي يقدّم فيها أيضًا تفسيرًا جديدًا ورؤية مبتكرة للأدب وتاريخه ووظيفته وعلائقه بالحقول الأخرى القضائية والدينية والسياسية، تُسعفُ في تقديمِ كثيرٍ من الرؤى والتصورات الملائمة لدرسِ الأدبِ العربي من زاويةٍ جديدة، غير مطروقة، خاصّة في ما يتعلّق بتدخّل المسارات المؤسّساتية والتعليمية والنقدية في تحديد المعطياتِ وإطاراتِ التحليلِ الخاصّة بالأدبِ “فالأعمال الأدبية بوصفها حقائق طبيعية، ونتاجات، ينبغي تفسير أسبابها وتأثيراتها ومصادر موضوعاتها وأفكارها، وبوصفها نماذج للأسلوب والشكل” (موازان، ص155).
ويُمكنُ أن نستنتج من خلالِ العملِ التّرجمي الذي ينجزه حسن الطالب، خاصّة المؤلّفات ذات الصّلة بحقلِ نظريةِ الأدبِ، وهنا يمكن الإشارة إلى كتابي “نظرية الأدب” الذي حرّره جون بيسيير، إلى جانب كلّ من مارك أنجينو، ودوي فوكيما، وإيفا كوشنير، و”شيطان النظرية” للباحث الالمعي أنطون كومبانيون(7)، أنّ هذا العمل بما توفّر لصاحبه من وعي عميق بحاجةِ النّصِّ الأدبي العربي إلى تصور نسقي يجمع بين التوجّهاتِ المختلفةِ لحقلِ نظريةِ الأدبِ، وأيضًا بحرصه على وضع مقدّمات تمهيدية في مسعى لوضع هذه الأعمال في سياقِ الدراساتِ الأدبيةِ المعاصرة، لأنّ نظرية الأدب بوصفها مجالًا يجعل من الممارسةِ الأدبيةِ موضوعًا له، تميلُ إلى “طرح أسئلة أعمق عبر الكشف عن الآلياتِ، والقوانين الضمنيةِ والعميقةِ، التي تتحكّم في إنتاجِ الأفعالِ الأدبيةِ، سواء تبنّت هذه الأخيرة سندًا فلسفيًا في طرح الإشكالاتِ، ووضع الفروقِ، والاختلافاتِ، أو مالت إلى اختراق ميادين معرفية وحقول مختلفة في العلوم الإنسانية في سبيل استمداد نظرية خاصّة بالخطابات الأدبية”(8)، وهذا ما يَجعلُ الحاجة إلى ترجمتها ذات أهمية كبيرة. لنقل إنّ هذا الجهد الترجمي حقيق به أن يُقرأ في ضوء “سياسات التّرجمة”، ذلك المجالُ الذي يُشيرُ بحسبِ المترجمِ السوري ثائر ديب إلى “ما يكتنفُ عمليةَ التّرجمة من مؤثّراتٍ ومقاصد، وما يتأتّى عنها من مفاعيل، الأمرُ الذي يجعلُ السّياقَ الذي تتمّ فيه التّرجمةُ حاضرًا أشدّ الحضور بأسئلتهِ التي تأتي التّرجمةُ استجابةً لها، وشكل هذه الاستجابة، أو نوعها، إذ تتأثّر بأيديولوجيةِ المترجمِ وجماعِ تكوينهِ المعرفي والاجتماعي الذي يؤثّر في خياراته كما يُؤثرُ في أداءِ مقاصدهِ، ومدى التطابقِ بين ما يتوخاه لترجمتهِ من آثار ومفاعيل وما يَتحققُ فعلًا، أكان على صعيدِ الذاتِ المترجمِ لها، أم على صعيدِ العلاقةِ بالآخرِ المترجمِ منه، ما إن يتموضع النتاجُ في سياقاتهِ المستقلّةِ”(9).

هوامش:
(1) كليمان موازان، ما التاريخ الأدبي؟، ترجمة وتقديم حسن الطالب، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت 2012.
(2) ascha Bru, Ben De Bruyn and Michel Delville, Literature Now, Key terms and methods for literary history, Edinburgh University Press, 2016, p.1.
(3) كليمان موازان، ظاهرة الأدب، ترجمة وتقديم حسن الطالب، دار الكتاب الجديد المتحدة، سلسلة متون تأسيسية في نظرية الأدب (1)، بيروت 2020، ص19.
(4) حسن الطالب: نظرية الأنساق في الأدب، أو من أجل نسقية للأدب، في: ما التاريخ الأدبي، م م، ص 36-37.
(5) لمزيد التوسّع، أنظر الدراسة القيّمة التي كتبها الناقد الفرنسي وليام ماركس، أستاذ الأدب المقارن في الكوليج دي فرانس، بعنوان: في وداع الأدب، (الطبعة الفرنسية: منشورات مينوي، باريس2005)، وفيها يبيّن هذا الناقد الألمعي التراجع، وفقدان الميزة الذي حصل للأدب منذ القرن التاسع عشر، عندما غادر البرج العاجي، واتسعت الهوة بينه وبين العالم الاجتماعي، وصارت النصوص، والأعمال والمؤلفون، معّرضين للنقد والإدانة، وهذا الوضع سيتأكد خلال القرن العشرين، بسبب المنافسة الشديدة التي طاولت الأدب من فنون أخرى، كالموسيقا والسينما والرسم، وأيضًا بسبب المكانة المركزية التي صارت تتمتع بها العلوم الاجتماعية، بعدما سرقت منه الضوء.
(6) رينيه ويليك – أوستن وارين، نظرية الأدب، ترجمة محي الدين صبحي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1987، ص237.
(7) يصدر هذان الكتابان قريبًا عن دار الكتاب الجديد المتحدة ضمن سلسلة متون تأسيسية في نظرية الأدب، وكتاب ظاهرة الأدب لكليمان موازان يعدّ الإصدار الأول ضمن هذه السلسلة.
(8) حسن الطالب، ترجمة النظرية الأدبية، قراءة نقدية تحليلة، في: محمد مساعدي، وعبدالواحد لمرابط، وإبراهيم عمري، النظرية لأدبية قضايا وإشكالات، منشورات جامعة سيدي محمد بن عبدالله، مختبر اللغة والأدب والتواصل، الكلية المتعددة التخصصات، تازة 2017، ص134.
(9) ثائر ديب، ترجمة العلوم ومصائرها في الثقافة العربية: محاولة في سياسات الترجمة، مجلة تبيّن، العدد 6، المجلّد الثاني، خريف 2013، ص47.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق