ثقافة المقال

من القصص القرآني (5): مع نوح عليه السلام

بقلم / مجدي جعفر

السفينة والطوفان

يقول الشيخ :
ولما كان دعاء نوح لربه :
(فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) .. ” القمر : 10 “.
فاستجاب له ربه :
(فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم) .. ” الأنبياء : 76 “.
ومن ثم كان الأمر له بصناعة السفينة ..

كاتب السيناريو (مقاطعا الشيخ):

وقبل صناعة السفينة كان التمهيد والإعداد لها قبل مرحلة تنفيذها بمائتي سنة على الأقل .
مرحلة الإعداد :
(لما استجاب الله له أمره أن يغرس شجرا ليعمل منه السفينة فغرسه وانتظره مائة سنة، ثم نجره في مائة أخرى، وقيل في أربعين سنة ثم أخذ يصنع السفينة التي سينجيه الله بها هو وأهله ومن آمن معه.)
(فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا) .. ” المؤمنون : 27 “.
وعندما تلقى الأمر بصناعة السفينة، بدأ في عملية شق الشجرة التي بلغ طولها – كما قيل – ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعا، وبلغ ارتفاعها ثلاثين ذراعا، وتكونت السفينة من ثلاثة أدوار.
يقول الشيخ :
نعم، هذا صحيح مائة بالمائة، وخبر صناعة السفينة ورد في سورتيّ المؤمنون وهود تفصيلا، وجاء في سورة المؤمنون إجمالا :
(فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون، فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) .. ” المؤمنون : ” 27 – 29 “
فهذه الآيات تتضمن التعاليم الكاملة لنوح، بداية من أول الأمر له بصناعة السفينة، وانتهاء بنزوله منها بسلام.
أما في سورة هود يقول المولى عز وجل :
(واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون، ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم، حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) .. ” هود : 36 – 40 “.
ونوح لا يعبأ بسخرية قومه منه، فكيف يصنع سفينة في البر، فالأولى به أن يصنعها في البحر، فهل تمخر السفينة في عباب البر؟ ولكنهم لا يدركون المغزى ولا الإشارة السماوية من صنع السفينة، ويواصل نوح عمله بجد وصبر في صناعتها، يصنع الألواح، ويصل أجزاءها ويثبتها بالمسامير، لتستوي سفينة ذات ألواح ودسر، والدسر هي المسامير، وهو يصنعها بوحي من الله عز وجل، فهو يصنعها على غير مثال سابق، وهنا يقدم لنا سبقا فريدا وعبقريا في صناعة السفن، لتكون سفينته آية للعالمين، ومعجزة، إنه يصنعها بوحي الله، وتحت عينه، وبرعايته.
كاتب السيناريو :
كنت أتصور أن السفينة التي يصنعها نوح ستكون سفينة بدائية، فواقع العصر والبيئة لايشيان بصنع سفينة بهذا الحجم وبهذه الدقة، سفينة لاتضارعها سفن اليوم العابرة للمحيطات والقارات، فلم يخطر ببالي أبدا أن تكون بهذه الجودة التي لم نصل نحن إليها اليوم رغم التقدم العلمي المذهل، فأي دقة هذه، وأي عبقرية تلك، أنا بحاجة لأن أذهب إلى أماكن صناعة السفن، وأرى عن قُرب هذه الصناعة، فمشهد تصوير السفينة سيكون من المشاهد العبقرية، والفريدة، وربما هذا المشهد سيحتاج إلى تكاليف باهظة!!.
المخرج :
الخدع، والمونتاج، والأساليب الجديدة باستخدام تقنية الكمبيوتر، توفر الكثير من هدر النفقات، ف ” تيتانك ” مثلا تم تصويرها في ” حمام سباحة ” وقيل في ” بانيو “!!.
يقول الشيخ :
هذا الأمر سابق لأوانه، فنحن مازلنا في مرحلة قراءة العمل ودراسته، ولم يُكتب بعد، فلندرسه بتؤدة وعلى مهل، المهم أنه بعد أن انتهى من صنع السفينة جاء أمر الله لنوح:
(حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) .. ” هود : 40 “
(فإذا جاء أمرنا وفار التنور) .. ” المؤمنون : 27 “.
وإشارة البدء لنوح بالتحرك بالسفينة عندما ” يفور التنور “.
الله يأمر الماء، من السماء ومن الأرض، أن ينهمر من السماء ويتفجر من الأرض.
(ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) .. ” القمر : 11 “.
والفتح هنا هو ما دعا به نوح ربه:
(فافتح بيني وبينهم فتحا) .. ” الشعراء : 118 “
فانهمر الماء من السماء بغزارة وكثافة، حتى طغى على الخزان :
(إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية) .. ” الحاقة : 11 “.
ورُوي عن علي رضي الله عنه :
“لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان فطغى الماء على الخزان، فخرج في ذلك قوله تعالى : ( إنا لما طغى الماء) .. أي زاد عن الحد بإذن الله”.
وفي تأويل آخر: ” لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان على أمر قد قدر “
ونزول المطر من السماء من غير سحاب في ذلك اليوم، هو معجزة من المعجزات، وإذا كان الماء انهمر من السماء من غير سحاب في ظاهرة لم تتكرر ولن تتكرر، فماذا عن ماء الأرض؟.
الأرض تفجرت بالماء من داخلها، يقول المولى عز وجل :
(وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر) .. ” القمر : 12 “.
إذن في وقت محدد ومعلوم ومقدر يلتقي ماء السماء الذي ينهمر من غير سحاب بماء الأرض التي تفجرت عيونا في ظاهرة كونية فريدة ليحدث الطوفان العظيم وهو معجزة خالدة لنوح عليه السلام.
المخرج :
المشاهد العبقرية تتوالى على ذهني، مشهد السفينة، ومشهد الماء، مشهد كوني آخاذ، كيف يلتقي ماء السماء بماء الأرض، ويصنع الماءان الطوفان، الطبيعة كلها تتحرك لنصرة نوح، الكون كله يتحرك في وحدة وانسجام ليتخلص من أهل الفساد والشرك والكفر، أنا لا أريد أن أرصد بكاميراتي حركة الأشخاص وحسب، بل أرصد حركة الكون كله وهو يتحرك.
يقول كاتب السيناريو :
أفهم ما تقول، وأقدره، ولا أكتمك سرا أن كل هذا دار بخلدي، وأتمنى أن أستنطق الطبيعة قبل الأشخاص، المهم أننا كما قال الشيخ مازلنا في مرحلة الدراسة، وعندما تأتي مرحلة الكتابة سيكون لنا وقفات ووقفات، ولا أخفي عليك وأنا أقرأ وأدرس مشهد الطوفان، كنت أفكر أيضا في الموسيقى التصويرية، وفي موسيقار عبقري قادر على التعبير بالموسيقى عن هذا المشهد الفريد.
يقول الشيخ :
وبعد أن حدث الطوفان وفار التنور (وهو الإشارة والعلامة التي يبدأ فيها نوح في التحرك بالسفينة)، يقول المولى عز وجل :
(فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم) .. ” المؤمنون : 27 ).
فالطوفان قد حل وبدأ يرفع السفينة رويدا رويدا في منظر مهيب ورهيب، و أصبح لا يرى إلا قمم الجبال، وعلى نوح أن يحمل : (من كل زوجين اثنين) و (أهلك إلا من سبق عليه القول منهم) و (من آمن وما آمن معه إلا قليل) هؤلاء هم من سيركبون السفينة في هذه اللحظة الفارقة والمهيبة.
وعلى نوح أن يحمل أيضا من الحيوانات والدواب وكل ذوات الأرواح ومن الأشجار والطيور والنباتات ومن كل المخلوقات زوجين اثنين أي يحمل الذكر والأنثى من كل صنف وجنس ونوع لتستأنف الحياة من جديد بعد الطوفان، الذي جاء ليغرق الكفار ويطهر الأرض، فهاهو المولى عز وجل يستجيب لدعاء نوح :
(رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) .. ” نوح : 26 “.
يقول المخرج :
وكيف يحمل من كل زوجين اثنين؟.
يقول الشيخ :
روي أن الله سبحانه وتعالى حشر له السباع والطير وغيرها فجعل يضرب بيديه في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى فيحملهما في السفينة وأما البشر فإنما يدخل الفلك باختياره.
ورغم أن نوح ظل ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه (وما آمن معه إلا قليل) .. وقيل: (كانوا ثمانية نوح عليه السلام وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم ) وقيل : (كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة) .. وقيل ( أنهم كانوا عشرة سوى نسائهم) .. وقيل : (كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة وأولاد نوح عليه السلام سام وحام ويافث ونساؤهم فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء) ..
وحمل أهل بيته وقرابته كأبنائه سام وحام ويافث، وأما من سبق عليه القول من أهله كابنه وزوجته فلم يركبا معهم وكانوا مع المغرقين!.
يقول تعالى: (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم) .. ” هود : 41 “.
ويروى أنه: (كان إذا أراد أن تجري قال (بسم الله) فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال (بسم الله ) فرست.
وقال بعض المفسرين لهذه الآية: أن نوح وقت ركوب السفينة كان في مقام الذكر، وقال البعض الآخر أنه كان في مقام الفكر والبراءة عن الحول والقوة وقطع النظر عن الأسباب واستغراق القلب في نور جلال مسبب الأسباب.
وللمزيد : انظر مفاتيح الغيب.
……
يتبع

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق