ثقافة المقال

دور الفقهاء في إسلام التتار:

د/عبدالوهاب القرش

عندما اجتاحت جحافل التتار العالم الإسلامي في القرن السابع الهجري وأثخنوه قتلاً وجراحاً ، ولم يتركو فيه إلا روحاً ضعيفة ونفساً خافتاً ، وفل سيف الجهاد والمقاومة ، فأصبح لا يؤثر ولا يعمل، وأغمده المسمون يأساً وقنوطاً، وآمن الناس بأن المغول أمة لا يمكن إخضاعهم ، وأن العالم الإسلامي قد كتب عليه أن يعيش تحت حكم هؤلاء الهمج ، وأن الإسام لا مستقبل له.
عندئذ قام فريق من العلماء المسلمين المخلصين لا يزال تاريخ الدعوة والإصلاح بالرغم من إحصائه واستقصائه يجهل أسماء كثير منهم، تسربوا في هؤلاء الغلاظ الشداد ، يفتحون قلوبهم للإسلام، حتى تفتحت له وأحبته ، وصاروا يدخلون في دين الله أفوجاً، ولم يمض على اجتياحهم للعالم الإسلامي وإذلالهم له فترة طويلة حتى أسلم معظمهم، وصاروا من حماة الإسلام وحملة رايته ، وكان منهم فقهاء وزهاد ، ومجاهدون.
هكذا خصع للإسلام من أخضع العالم الإسلامي بالأمس، من شرقه إلى غربه، وأدخلوا أمة قهرت الأمم كلها في عصرها، في دين يحميه سيف، ولا يدافع عنه جيش
لقد كانت ثلاث ديانات هي أعظم ديانات العالم تتنافس في اكتساب هذه القوة القاهرة للعالم(البوذية) و(المسيحية) و(الإسلام)،وكانت البوذية أقرب إلى فطرتها وبيئتها، وكانت المسيحية أرفع مكانة وأقرب زلفى في مجالس سلاطينها،ولكن الإسلام بفضل دهاته المخلصين انتصر على منافسته البوذية والمسيحية وأسلم المغول أمة وجنساً، وكونوا دولاً إسلامية كان لكثير منها مآثر إسلامية يجمل بها تاريخ الإسلام على الديانتين المنافستين البوذية والمسيحية حادثة غريبة لا تعلل إلا بمشيئة الله تعالى وتأييده، وتفوق دعاة الإسلام في الإخلاص والروحانية على دعاة البوذية والمسيحية، يقول أرنولد:
“نهض الإسلام من ركام مجده الغابر ، وأنقاض عظمته التي قضى عليها المغول، وأخضع دعاة الإسلام المغول الوحوش، الذين نثروا كنانة ظلمهم وقساوتهم على المسلمين، لقد واجه المسلمون في هذا السبيل مصاعب عظيمة ، ولقوا عنتاً كبيراً، فقد كانت تنافسهم في ذلك ديانتان عظيمتان البوذية والنصرانية ، وكان دعاتها يحرصون أشد الجرص على اقنا التتار والمغول بعقيدتهم وديانتهم.
لقد كانت منافسة هذه الديانات العظمى في إخضاع القوة القاهرة لعقيدتها صراعاً عجيباً ينظر إليه التاريخ ، وينظر إليه العالم بدهشة واستغراب، كل يحاول أن يخضع هؤلاء الوحوش اقساة، الذين داسوا هذه الديانات وحطموها.
لم يكن أحد يتوقع أن الإسلام سينتصر في هذه المعركة ويهزم البوذية والنصرانية ، ويستأثر بالتتار، فقد كانت عاصفة هجومهم وغاراتهم على المسلمين أشد منها على غيرهم، وكانت خسارتهم في ذلك أعظم من خسارة أية أمة ودولة وديانة.
لقد أصبحت العواصم الإسلامية التي كانت مهد العلوم والحضارة، مقر نوابغ قارة آسيا وعباقرة العلم والفن، خراباً يباباً، وقتل التتار علماء المسلمين زفقهاءهم ، وأسروهم واستعبدوهم، وقد كان ملوك التتار وأمراهم يعطفون على كل ديانة سوى الإسلام.
ولكن رغم هذه المصاعب ، دان المغول والأمم الوحشية التي اجتاحت العالم بعدهم بديانة أمة داستها بأقدامها واعتنقت الإسلام”.
ولا شك أن الفضل في ذلك كما به (آرنلد) وغيره من المؤرخين الإسلاميين يرجع إلى هؤلاء الدعاة المخلصين وربانيتهم، وحرصهم على إرشاد هؤلاء الظالمين الذين سفكوا دماء المسلمين من غير رحمة، وإنقاذهم من الوثنية والهمجية، وهدايتهم ونجاتهم ، وانتهازهم لذلك كل فرصة.
وقد نقل (آرنولد) قصة طريفة تدل على أسلوب دعوتهم ورقة موعظتهم، وتجردهم من الأنانية والكبرياء، وكم لها من أمثال فتت التاريخ ، وأفلتت من أعين المراقبين وأقلام المدونين.
لقد أسلم “تغلق تيمور خان” 1347-1363م ملك “كاشغر”على يد الشيخ “جمال الدين” الذي جاء من بخارى ، وكان من خبره ، أنه ورفقة له في رحلته ، فمروا بأرض الملك التي كان قد حماها للصيد وهم لا يشعرون، وأمر بهم الملك، فأوثقوا ، وعرضوا عليه ، وقد استشاط غضباً،: كيف دخلتم في حماي من غير إذن؟
قال الشيخ:نحن غرباء ، ولم نشعر بأننا نمشي على أرض ممنوعة.
ولما علم الأمير أنهم من الفرس قال: إن الكلب أغلى من أي فارسي، قال الشيخ: “نعم صدقت أيها الأمير! قد كنا أخس من الكلب وأبخس ثمنًا منه لولا أن الله قد أكرمنا بالدين الحق”.
وحير الأمير ومضى للصيد، وبقي كلام الشيخ يشغل فكره، وأمر بعرضهم عليه بعد الصيد، ولما رجع ، خلا بالشيخ وقال:”فسر لي ما قلت لي وأخبرني ما تعني بالدين الحق، وفسر الشيخ الإسلام في حماسة وقوة وتفسيراً أرق له قلب الأمير ، وصور الكفر تصويراً بشعاً هائلاً، فزع منه الأمير، وأيقن أنه على ضلال وخطر، ولكن الأمير رأى أنه لو أعلن إسلامه، لما استطاع أن يدخل قومه في الإسلام، ورجا الشيخ أن ينتظر، حتى إذا سمع أنه ولى الملك، وجلس على كرسي العرش، زاره وكانت المملكة (الجغتائية) قد توزعت في إمارات متعددة، واستطاع “تغلق تيمور” أن يجمعها ويكون منها مملكة كبيرة.
ورجع الشيخ “جمال الدين” إلى بلاده ، ومرض مرضاً شديداً، ولما حضرته الوفاة ، دعا ولده” رشيد الدين” وقال له:إن “تغلق تيمور” سيكون في يوم من الأيام ملكاً عظيماً، فإذا سمعت بذلك تزوره، وتقرئه مني السلام، وتذكره بما وعدني به “من اعتناق الإسلام”..
وبعد بضع سنين تتوج “تغلق تيمور” ملكاً، وجلس مكان أبيه، ودخل الشيخ “رشيد الدين” في المعسكر لينفذ وصية أبيه، ولكنه لم يخلص إلى الملك، برغم ما بذله من جهود ثم لجأ إلى حيلة طريفة:ففي ذات صباح باكر أخذ يؤذن بصوت عال عند خيمة الملك ، فطار نوم الملك وغضب وطلب الشيخ “رشيد الدين” وحضر الشيخ، وبلغ الملك تحية والده، ولم ينس تغلق تيمور وعده وقال: “حقًّا ما قلت أذكر ذلك منذ اعتليت عرش آبائي, ولكن الشخص الذي قطعت له ذلك الوعد لم يحضر من قبل، والآن فأنت على الرحب والسعه.. ثم أقر بالشهادتين وأصبح مسلمًا منذ ذلك الحين، ثم نشر الإسلام في رعيته، وأشرقت شمس الإسلام ومحت بنورها ظلام الكفر… وأصبح الإسلام ديانة الأقطار التي كانت تحت سيطرة أولاد ” جغتاني بن جنكيز خان “
وهكذا دخلت الأمة التترية تلك القوة الغاشمة التي دوَّخت العالم الإسلامي كله وداست أطرافه بأقدامها ونعال خيولها، والتي لم تتماسك أمامها أي قوة في دين الله الإسلام في بضع سنين، وبدت هذه الحقيقة مرة أخرى واضحة جلية أن الإسلام لا يزال يملك أكبر نفوذ ويتمتع بأغرب موهبة في تسخير الأرواح، وكسب الأنصار والأصدقاء. إن التتر لم يسلموا رسميًّا فحسب، بل برز فيهم عدد كبير من العلماء والفقهاء والمجاهدين والدعاة والربانيين وأهل الصدق واليقين، وأدوا دورهم الثمين في حماية حمى الإسلام في ظروف دقيقة ولحظات عصيبة من التاريخ.
على الرغم من الدور الشيخ ” جمال الدين ” وولده ” رشيد الدين” في إسلام المملكة (الجغتائية) بأكملها ؛ إلا أنهما لم يلقيا الاهتمام اللائق بهما في التاريخ الإسلامي وكثير أمثالهما.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “دور الفقهاء في إسلام التتار:”

  1. مقال رائع وبه فوائد عديدة للدكتور المبدع عبد الوهاب القرش
    جزاه الله تعالى خير الجزاء
    وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته ونفع به

  2. بارك الله فيك دكتورنا الغالي
    معال الدكتور عبد الوهاب القرش
    ورفع الله قدرك وزادك من فضله علما ونورا
    ونفع الله بك البلاد والعباد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق