ثقافة المقال

عبد القادر الجزائري: شيخ الروح العملي السياسي

ميثم الجنابي

لقد حاول السنوسي أنْ يستعيد في شخصه الرمز الفعلي للوهابية. وأنْ يوصل ما في تصوفه إلى أقصى طاقاته الاجتماعية السياسية، أي ضرورة الرجوع إلى الإسلام الأول وإمكانية إرساء أسس دولته الجديدة بالطرق السلمية. وقد أثبتت هذه الطرق قيمتها النسبية وانكسار تقاليد الادريسية ـ الختمية في مهدوية السودان. فقد تأثر محمد أحمد المهدي (1843-1885) بتقاليد الختمية، والتي استندت بدورها إلى ما في الادريسية من أثر غير مباشر وعميق للوهابية، من خلال اعتبارها القرآن والسنّة أصولاً، ورفض مبدأ الإجماع، وكذلك اعتبارها الْوِرْدُ والذِكر شأناً فردياً. فهي الأصول الفاعلة في حركة المهدي، التي أفرزت في مجرى تطورها ما هو مميز للسنوسية أيضاً، وبالأخص إثباتها
لقد كشف التصوف الفاعل ما بعد الوهابية في المغرب الكبير كما نراه في تيارات السنوسية والتيجانية والإدريسية وشخصيات عبد الكريم الخطابي وعمر المختار وغيرها عن إمكانية الخروج من عالم التصوف القلق والخامل إلى أفق الدولة السياسي. ونعثر على النموذج الرومانسي لهذه النتيجة في حركة الأمير عبد القادر الجزائري(1808-1883).
فهو يبدو كما لو انه الشعلة الأخيرة التي رمتها (الفتوحات المكية) في توديعها لقرون “الفتوحات” الطويلة في أحوالها وأذواقها وتأملاتها الروحانية، أو الدعوة الأخيرة في منازلة منازلها، التي أدت في تاريخها إلى إعلاء شأن القوة الفاعلة في تجريداتها (الفتوحات) الهائلة عند تخوم القرن الثامن عشر ـ التاسع عشر. بمعنى نقل منازلة منازلها إلى أفق الدولة السياسي باعتباره الحد الفاصل بين مطلعين وحدين وباطنين وظاهرين. إذ لا تعطي (الفتوحات المكية) لأتباعها سوى مهمة المشاركة فيها والخروج منها أمام كعبته الذاتية، بوصفه الاكتشاف الذي واجهه الأمير عبد القادر الجزائري نفسه عندما واجه “الأنا الإلهية” في ذاته. فقد اكتشف في نهاية منازلاته “انقلاب عينه، وجميع الأعيان في عينه، إلى عين هذه المعشوقة التي هي غير مرموقة، المعلومة المجهولة، والمغمورة المسلولة، والباطنة الظاهرة، والمستور الساترة، الجامعة للتضاد، بل لجميع أنواع المنافاة والعناد”.
بعبارة أخرى، انه اكتشف التغير الذي غيّر ذاته والأشياء في نظره، أو الانقلاب الذي رّكز كل ما فيه وحوّله إلى ذات المعشوقة والحاوية على عين المتناقضات، أي كل ما لا يقدر التعبير عنه بأكثر من عبارة “إني وصلتها وحصلتها. وبعد التعب والعنا ومعاناة الضنا، وجدت هذه المعشوقة أنا”. وتبين له بأنه هو الطالب والمطلوب والعاشق والمعشوق، باعتبارها النتيجة التي جعلته متيقنا في قوله “ما كان هجري للذاتي إلا في طلب ذاتي. ولا كانت رحلتي إلا لنِحلتي. ولا وصولي إلا إليّ، ولا تفتيشي إلا عليّ، ولا كان سفري إلا مني فيَّ إلي”. فهي النهاية المشرقة التي تواجهها الذات الباحثة عن ذاتها. لكنها شأن ما في تصوف القرن التاسع عشر، لم يجر دمج هذه الفكرة العريقة في صوفيتها والعميقة في إسلاميتها الثقافية بوعي الذات الاجتماعي السياسي التاريخي. فقد كان التاريخ الممكن والمعقول هنا هو “تاريخ” الذات الإنسانية الخالدة”، أي تاريخ المعقولية الذاتية في قيم ومعايير الأخلاق المتسامية. فهو المطلع الأول والحد النهائي الذي كان بإمكان الباطن التاريخي للتصوف أنْ يتجلى في مظاهره الفعلية. ولهذا كان بإمكانه أنْ يسمع نفسه تقول في إحدى المرات “لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا إتباعي”. ولا يعني ذلك سوى فناءه في مسار “الحقيقة المحمدية” أو “إنسانها الكامل” بالصيغة التي عبر عنها عبد الكريم الجيلي من أنَّ “كل من اجتمع وآخر في مقام من المقامات الكمالية كان كل منهما عين الأخر في ذلك المقام”. وكان لابد لهذه النتيجة من التمظهر في لسان الدعوة الفاعلة المتقمّصة لتراثها المحمدي العريق في مواجهة الوحي الآمر كما في القول “انظر ما لم تَكُنْهُ حتى كُنْتَهُ”! آنذاك خرج يدعو به ـ “أما بنعمة ربك فحدث”. إذ كان ينبغي لوعي الذات أنْ يتنّقى على لهيب التاريخ القهقرى، بوصفها الخطوة الضرورية لتذليل تاريخ الذات الإنسانية الخالدة، لأنها تفصلها عن احتكامها الدائم لمرجعيات الماضي وتحوّل شخصياتها بما في ذلك الكبرى (موسى وعيسى ومحمد) إلى كيانات منفية في فعل “الحقيقة”. وتعكس هذه الصيغة في عبارة الجزائري ما أسماه “بالفهم الجديد في الدين التليد”، تناقضها اللغوي ونشاطها الداخلي. وهو نفس التعبير الفكري في استفادته العملية من الآية القائلة “لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ”، أي المثال من وجهة نظر معاملة الحق له أعطاه ومنعه، وسلّط الأعداء عليه وجعل الحرب دول، ورفعه إلى أعلى عليين واهبطه منزلة العبيد؛ ومن وجهة نظر معاملته لربه سواء في تحققه بالعبودية لله، والقيام بحق الربوبية في كل ما له صلة بالشريعة؛ وبالنظر إلى معاملة الخَلق له فقد صدقوه وكذبوه، أحبوه وابغضوه؛ وبالنظر إلى معاملته للخَلق في محبته إياهم، وإرادة الخير لهم، والصبر عليهم، ورؤية وجه الحق فيهم.
إننا نقف هنا أمام إعادة ترتيب الوحدة الممكنة في تناسقها بين الأنا الإلهية والأنا الإنسانية. وبالتالي التشّخص التاريخي للرموز الكبرى في وحدانية الإسلام الصوفية وإعادة سبكها في قالب الفعل الاجتماعي، أو الفعل الجديد في الدين التليد، أو الصلة الجديدة بين الله والإنسان في شكلها المعاصر ونموذجها الأرقى. وقد أدت هذه النتيجة بالضرورة إلى بعث جوهرية الفعل والحق. وهذا بدوره ليس إلا الاستفادة الجديدة لوعي تاريخ الذات الإنسانية الخالدة ولكن في مضمار البحث العملي الأخلاقي (السفر منه فيه إليه) وما يلازمها بالضرورة من صعود للنزعة الإنسانية. وبالتالي تحطيم قيود اللاهوت المتمركز في تقليد وتقاليد المذاهب ومرجعياتها المتحجرة في تقاليد العبادات والعادات. ومن ثم تحريرها للذهنية المتأملة في مراقبة ما يجري وحصر الحرية في قيود الأخلاق المتسامية. مما يعيق الفعل الاجتماعي من إمكانية تجّذره في منظومات السياسة المستقلة باعتبارها بنية مشروعة للبدائل الممكنة، أو الإحتواء المتراكم لوعي الذات التاريخي.
إن وعي الذات التاريخي لا يمكنه التمظهر بصيغة الفعل المدرك لذاته إلا في ميدان السياسة، بوصفها محك القدرة الاجتماعية واستعدادها في تجاوز واقعها إلى ما هو أفضل. ومن ثم إدراك قيمة الحركة والتقدم. وإذا كانت حركة الأمير عبد القادر الجزائري في آرائه وأفعاله قد جرى صياغتها بمعايير الأخلاق التقليدية المتسامية لا بمعايير البديل السياسي الاجتماعي، فإنَّ ذلك لا يعني خلوّها من إدراك الأفق السياسي لأفعالها الأخلاقية. لاسيما وأنها الدورة التي كان من الصعب البقاء فيها والتجرؤ في الوقت نفسه على الخروج منها إلى بناء الهيكل النظري للكينونة الاجتماعية السياسية والقومية للعالم العربي، على الأقل في جزائريته أو مغربيته. ومن هنا تناقضات الذات الفردية والاجتماعية، والاجتماعية والقومية، والأخلاق والسياسة، أو كل ما لم يتجذر بعد في ما يمكنه أنْ يكون أسلوباً حياً لوعي الذات الاجتماعي والسياسي والقومي. وهو التناقض الذي تكسره وتعيد لحمته من جديد آلية الأخلاق المتجذرة في إخضاع السياسة لمطامح الروح المطلق، أي بحثها عن الاستعداد الذاتي للفعل وتأسيسه النظري الأخلاقي. وتقييده في الوقت نفسه بقيود الميتافيزيقيا المغرية. فقد انطلق هو هنا من الفكرة العميقة التي أسس لها ابن عربي عن الاستعداد في الممكنات، أو الحقائق الكامنة فيها منذ الأزل. فالله كما يقول الجزائري “لا يعطي حقيقة وذاتاً من ذوات الممكنات حال إيجاده من الأحوال والصفات إلا ما عَلَمَه منها حالة عدمه لطلبه ذلك باستعداده وطبعه الذي هو مقتضى حقيقته. إذ أنَّ انقلاب الحقائق محال”. وتتضمن هذه الفكرة في أعماقها الإمكانيات الهائلة لوعي الذات دون أنْ تفترض إمكانية تجسيده في الفعل السياسي. ولكنها تفترضه كتفاؤل قادر على التمام باعتباره مغزى وغاية المساعي الحرة في بحثها عن الكمال. فكل ما في الوجود هو تجل لاستعداده الذاتي. وانه ليس بالإمكان إبداع أفضل مما كان. وإنَّ عالمنا أفضل العوالم. وقد سبق للغزالي وأنْ أسس لهذه الفكرة منذ قرون عديدة، بينما أذابها ابن عربي في كل ما يمكنه أنْ يكون مستعداً لتقبلها بما في ذلك تطويعها العملي لإرادة التغيير. وإذا كان نموذجها المثالي في تقاليد التصوف ما بعد الغزالي قد انحصر في قطع منازل السير نحو الحق باعتباره سراً من أسرار القدر أيضا، فإنه كان يتضمن في ذاته أيضا قدر الإرادة التي حاول الجزائري التأسيس لها في ما اسماه بالاستعداد الباطن للانتقال (التغير). فالحق كما يقول الجزائري ما هو “إلا إعطاء الوجود تلك الحالة المنتقل إليها بطلبهم الاستعدادي وإرادتهم لذلك. وهكذا على الدوام في جميع الأحوال في جميع المخلوقات. فما حكم عليهم غير أنفسهم”. فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وهو الإدراك الذي يؤدي إلى تعميق التحدي العنيد، الذي نعثر على ملامحه الفردية أيضا في شخصية الجزائري وصراعه ضد الاحتلال الفرنسي. إلا أنَّ بقاء هذه الفكرة في حيز المنظومة الأخلاقية لم يعط لها إمكانية القيام بتثوير الاستعداد الذاتي للحرية الاجتماعية. بمعنى توجيهها في تيار العقلنة السياسية. فقد بقيت هذه الفكرة تتراوح في شحذ المساعي الفردية نحو بلوغ رتبة “العبادة الذاتية”، أي بلوغ المطلق الأخلاقي من خلال بلوغ الولاية. بمعنى اكتسابها بالاجتهاد إخلاصاً والذي لا يصح بدوره إلا بعد “موت النفس”، مما لا يمكن بلوغه إلا بعد معرفة حقيقتها وبين محتويات “الحقيقة المحمدية” التي لا يمكن فهم سرّها الواقعي دون إدراك تجلي رحمتها الكاملة، بوصفها حقيقة الحق في الموجودات.
لقد كان بإمكان هذه الفكرة أنً تؤسس من خلال جوهرية الفعل والحق لروح التسامح والوحدة. حقيقة أنَّ هذه الوحدة ظلت محصورة في “وحدة الأديان” العريقة في صوفيتها والناضجة في منظومات ابن عربي والجيلي. بمعنى وحدة القصد في العبادة. فالكلّ تعبده. وكل يعبده على قدر إدراكه ومشاهدته. إذ ما قصد عابد بعيادته للصورة التي عبدها كما يقول الجزائري إلا الحقيقة المستحقة للعبادة وهو الله. ولكنهم جهلوا ظهورها المطلق فجهلوها على التحقيق وعرفوها في الجملة. وقد أدت هذه الفكرة بالضرورة إلى كسر شوكة الانغلاق الذاتي والخروج إلى الأفق الأوسع للأنا الإنسانية الحقة، التي عبّر عن محتواها الأخلاقي العملي العميق الحديث القائل “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية”. وسبق للفكر الصوفي أنْ طوّع هذه الفكرة بالصيغة التي جعلها الجزائري جزءاً من منطق الإدراك التوحيدي الحق لسريان الأحدية بلا سريان، ورؤية الوجود الحق في كل شيء، والذي يؤدي بالمرء إلى أنْ “لا يهجر شيئاً من المخلوقات بأنْ يحتقره ويزدريه كان ما كان ذلك المخلوق حيواناً أو غيره، وعلى أي دين كان وعلى أي مِلّة ونِحلة حصل. فإنها كلها شعائر الله”.
لقد ساهمت هذه الفكرة في دفع الذهنية العربية للخروج إلى الإطار الأوسع لوعي الذات القومي. وأنْ تبقي في الوقت نفسه على أولوية “الإنسان الكامل” مقابل أولوية الكينونة الاجتماعية الكاملة، والعطف الأخلاقي على المساواة القانونية في عدالة الدولة الموحدة. وفي هذه العملية المتناقضة جرى تفتيت الغموض الفكري والسياسي للرومانسية الصوفية، التي حصلت على نموذجها الرفيع في الجزائري واستعداده للمنازلة الفروسية في معركة فردية أمام أعدائه الفرنسيين مقابل رهان الجزائر لهم أو بقاؤها حرة.
***

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق