ثقافة المقال

نَابُلُسُ.. العذابُ المرقَّطُ فِي ابتداعِ الوهمِ المقدَّسِ

ذاكرةُ المكانِ

محمَّد حِلمي الرِّيشة*

(1)
حديثُ المكانِ (قبرِ- مقامِ يوسفَ(1))، شدَّني برفقٍ إِلى طفولةٍ رأَتِ المكانَ بلهوِها، مِن دونِ أَنْ يعنِيها بشيءٍ، سِوى أَنَّهُ ساحةُ لعبٍ برِّيَّةٍ، هيَ أَقربُ إِليَّ إِلى قطعةٍ ريفيَّةٍ، أَنا المحتجزُ فِي بناءٍ مدينيٍّ مقامٍ علَى شارعٍ خطرٍ علَى الطُّفولةِ، كمَا كانَ يَرى كبيرايَ، فكانَ المكانُ- التُّرابُ فُرصتي والأُطفال، كيْ ننتقمَ مِن رتابةِ النِّظامِ والنَّظافةِ الأُموميَّةِ.

(2)
لمْ يَكنْ لطفلٍ مِثلي، آنذاكَ، أَنْ يَعتني بقراءةِ المكانِ، أَو السُّؤالِ عنهُ تاريخيًّا أَو أَثريًّا.. وأَنَّى لِي هذَا، وقدِ انتظرتُ ذلكَ اليومَ الَّذي وعدَتني فيهِ أُمِّي، أَنْ أَكونَ مَعها ونسوةٌ أُخريات، اكتشفتَ أَنَّهنَّ كنَّ يذهبنَ إِلى هناكَ لأَهدافٍ أُخرى، غيرِ التَّرويحيَّةِ الَّتي فهمتُها مِن تلكَ الزِّياراتِ؛ فالنِّسوةُ يذهبنَ إِلى ذلكَ المكانِ فِي مناسباتٍ مثلَ “عاشوراء” و”موسم النَّبيِّ يوسف”، للصَّلاةِ، والتَّبرُّكِ، والوفاءِ بالنُّذورِ، والدُّعاءِ إِلى اللهِ للَّتي لمْ تُنجبْ بعدُ، وختانِ الأَطفالِ وقصِّ شعرِهم الطَّويلِ لإظهارِ ذُكورتهم… ومِن ثمَّ توزيعُ أَطعمةِ النُّذورِ، أَو الحَلوى الَّتي كنَّا نتسابقُ لنيلِ حصَّتِنا مِنها، والفرارِ بِها عائدينَ إِلى لهوِنا غيرِ الممكنِ لنَا فِي غيرِ هذَا المكانِ، ومسابقينَ ساعاتِ النَّهارِ، قبلَ أَنْ يتمكَّنَ المغيبُ مِنها ومنَّا، والَّذي كانَ يشكِّلُ مبعثَ انقباضٍ فِي نَفْسي، ولَا يزالُ، وهذهِ حالةٌ كنتُ أُحاولُ علاجَها بنومِ تلكَ الفترةِ أَو افتعالهِ كيْ أَنجو مِنها، والدُّخولَ إِلى منطقةِ العتمةِ الَّتي شكَّلتْني كائنًا ليليًّا…
لعلَّهُ الشِّعرُ،
أَو علَّتُهُ!

(3)
غابَ اهتمامِي بالمكانِ، بلْ وخرجَ مِن ذاكرتِي، بعدَ أَنْ عبرتُ الطُّفولةَ، وحيثُ لمْ تَعدْ أُمِّي والنِّسوةُ يذهبنَ إِليهِ، وبعدَ أَنِ احتلَّ اليهودُ الصَّهاينةُ باقِي الأَراضي الفلسطينيَّةِ التَّاريخيَّةِ وأَراضي دولٍ عربيَّةٍ حولَ فلسطينَ فِي العامِ (1967م)، ومَا صاحبَ هذَا الاحتلالَ البغيضَ منَ احتلالاتٍ داخليَّةٍ أُخرى لأَماكنَ مقدَّسةٍ إِسلاميًّا؛ الحرمُ الإٍبراهيميُّ فِي الخليلِ، ومسجدُ بلالِ بنِ رباحٍ فِي بيتِ لحمٍ (قبرُ راحيلَ كمَا أَطلقَ عليهِ اليهودُ الصَّهاينةُ المحتلَّونُ)، وقبرُ- مقامُ يوسفَ فِي نابلسَ، الَّذي بدأَ المحتلُّ احتلالَهُ تدريجيًّا بأَساليبَ خبيثةٍ فِي العامِ (1977م)، إِلى أَنْ أَقدمتْ قوَّاتُ الاحتلالِ الإِسرائيليِّةِ الصُّهيونيَّةِ، فِي (11/11/1982م) بوضعِ يدِها الحديديَّةِ عليهِ، وتحويلهِ لثكنةٍ عسكريَّةٍ بحجَّةِ أَنَّهُ أَصبحَ مدرسةً يهوديَّةً دينيَّةً، وأَنَّ المكانَ يضمُّ قبرَ ومقامَ النَّبيِّ يوسفَ الصِّدِّيقِ (عليهِ السَّلامُ)، فمُنعَ المواطنونَ الفلسطينيُّونَ مِن زيارتهِ كمَا كانُوا يفعلونَ مِن قَبل.

(4)
لَم يَطُلْ غيابُ اهتمامِي بِهذا المكانِ (القبرِ- المقامِ)..
شكَّلتِ السَّيطرةُ اليهوديَّةُ الصُّهيونيَّةُ عليهِ، وتحتَ غطائِها الدِّينيِّ المفتعَلِ بوهمٍ مقدَّسٍ، سببًا مباشَرًا للاحتكاكِ اليوميِّ بينَ المحتلِّينَ/ القائمينَ الجُددِ مِن جانبٍ، وبينَ السُّكَّانِ الأَصليِّينَ المحلِّيِّينَ حولَهُ وطلبةُ المدارسِ المجاورةِ مِن جانبٍ آخرَ. فالزَّعمُ الإِسرائيليُّ “كانَ يركِّزُ علَى فرضيَّاتٍ توراتيَّةٍ وينبعُ مِن مجرَّدِ فكرةِ تَشابُهِ أَسماءِ هذهِ الأَماكنِ مَع الأَسماءِ التَّوراتيَّةِ. مِن نتيجةِ ذلكَ، قيامُ إِسرائيل بمحاصرةِ هذهِ الأَماكنِ الواقعةِ فِي قلبِ المناطقِ السَّكنيَّةِ الفلسطينيَّةِ بالثُّكناتِ والمنشآتِ العسكريَّةِ (…) هذهِ المزاراتُ تحوَّلتْ إِلى قلاعٍ وحصونٍ يستخدمُها الاحتلالُ الإِسرائيليِّ كمواقعَ أَماميَّةٍ للسَّيطرةِ علَى المناطقِ الفلسطينيَّةِ، وإِدارةِ معاركهِ لقتلِ الفلسطينيِّينَ”(2). وبالنِّسبةِ لقبرِ- مقامِ يوسفَ، فقدْ فضحَ “المشهدُ المراوغُ عبثَ الأَيدي القذرةِ الَّتي تدبُّ الرُّعبَ فِي المكانِ وفِينا: طفلةٌ يقرصُها كلامُ جنديٍّ (يهوديٍّ/ درزيٍّ/ بدويٍّ) أَثناءَ مرورِها مِن بيتِها المبعثرِ فِي المخيَّمِ أَو القريةِ القريبةِ منَ المدرسةِ.. طفلٌ انتُهكتْ ساحةُ لعبهِ إِذْ صارتْ ساحةً للأَقدامِ الثَّقيلةِ الَّتي تدبُّ علَى الأَرضِ مثلَ أَقدامِ ثورٍ هائجٍ.. أَصواتُ صلاةٍ مُنفِّرةٍ لَا صلاةَ فِيها يعتقدُ نافِخوها أَنَّها ستصلُ إِلى السَّماءِ أَسرعَ كلَّما كانَ الصَّوتُ/ الضَّجيجُ عاليًا، صوتٌ كأَنَّهُ خوارُ البقرةِ الصَّفراءِ الَّتي أَمرَ اللهُ {عزَّ وجلَّ} مِن بَني إِسرائيلَ أَنْ يذبَحوها لصالحِهمْ، وذبَحوها بعدَ أَنْ طالتِ (المفاوضاتُ) آنذاكَ كثيرًا”(3).
هذهُ صورةٌ مجتزأَةٌ ومنتزعةٌ منَ المشهدِ الاستفزازيِّ والكبيرِ فِي آن، لِمَا كانَ يُرسَلُ مِن هذَا المقامِ- القبرِ مِن إِشاراتٍ دمويَّةٍ صبغتْ أَجسادَ الكثيرِ منَ الفلسطينيِّينَ المقيمينَ حولَهُ أَو العابرينَ قُربَهُ. مِن هُنا كانتْ فرصةُ المقاومةِ والاندفاعِ تتَّجهُ فلسطينيًّا نحوَهُ فِي أَكثر مِن مجزرةٍ تربَّعتْ بِنوايا المحتلِّ اليهوديِّ الصُّهيونيِّ القاتلِ، علَى أَياديهِ بكلِّ هدوءِ أَعصابِ وغيابِ ضميرٍ وازعٍ. وأَنَّى لهُ هذَا وهوَ المجبولُ بصفاتِ الحقدِ والعنصريَّةِ والنَّظرةِ النَّرجسيَّةِ المريضةِ؟!
إِنَّهُ العذابُ المرقَّطُ مِن داخلِ وهمٍ مقدَّسٍ ابتدعوهُ باستباحةٍ شاذَّةٍ!

(5)
مرَّةً، كنت عابرًا شارعًا موازيًا للقبرِ- المقامِ، ينفتحُ منهُ شارعٌ صغيرٌ كَيَدٍ تشيرُ إِليهِ..
حدَّثتني نَفْسي الأَمَّارةُ بِكُرهي لهمْ، أَن أُلقي نظرةً شزرةً علَى المكانِ، علَى الرَّغمِ مِن استباقِ الامتعاضِ فِي الصَّدرِ قبلَ التَّمكُّنِ مِنها، بلْ وبمجرَّدِ وسوسةِ النَّفسِ بهِم.
اقتربتُ بضعةَ خطواتٍ ثقيلةٍ، كأَنَّها لَا مباليةٌ، علَى رصيفٍ مفقودٍ، ومتحسِّسًا مواقعَ قدميَّ وجدارًا، خشيةَ ردِّ فعلِ قنَّاصٍ لنْ يُتقنَ قراءةَ هَدفي المستعادِ منَ الطُّفولةِ، وقدْ وُلِدَ لتوِّهِ.. ولكنْ:
لَا المكانُ هوَ المكانُ؛
لَا التُّرابُ الَّذي اشتهيناهُ حلوًى (شوكولاتة) بعدَ مطرٍ متوسِّطٍ..
لَا الأَعشابُ سجَّادةٌ تَقي مِن عثراتِنا الكثيرةَ، وحزينةٌ جاراتُها منَ الأَعشابِ..
لَا الطُّيورُ الكانتْ مذعورةً مِن محاولاتِنا الفاشلةِ لاصطيادِها تقتربُ مِن تدنيسِ مُرتقاها..
لَا السَّهلُ فسحةُ الخيلِ..
لَا الخيلُ حكَّةُ السَّهلُ..
لَا شَيءَ..
لَا شَيءَ سِوى أَنَّ المحتلَّ هوَ كلُّ شيءٍ صَارَ هُنا؛
ابتداءً مِن رأْسِ برجِ اتِّصالاتهِ كشجرةٍ عانسٍ لَا تثيرُ رياحَ لَواقح..
إِلى بصماتِ حوافرهِ..
إِلى رائحةِ الضَّبعِ الَّذي فِي دَواخلهِ!

(6)
تُعيدني، أَنا الفلسطينيُّ المحاصرُ منَ الوريدِ إِلى الوريدِ، إِلى مَا خلَّفتْهُ أَحداثُ (نفقِ الأَقصى، 1996م) مِن دماءٍ وجروحٍ ونصبٍ شاهدةٍ علَى بشاعةِ سلوكاتِ المحتلِّ اليهوديِّ/ الصُّهيونيِّ غيرِ البشريَّةِ ضدَّ البشرِ الفلسطينيِّينَ، لِتَذكُّرِ مشهدِ المقاومةِ، والَّذي تحوَّلَ فيهِ القاتلُ المحترفُ إِلى “ضحيَّةٍ” خائفةٍ علَى نفسِها وقلقةٍ علَى مصيرِها. كانَ هذَا خلالَ محاصرةِ جَمْعٍ منَ الفلسطينيَّينَ مقامِ- قبرِ يوسفَ فِي اليومِ التَّالي ليومِ الأَحداثِ: نسورٌ غاضبةٌ تحاصرٌ أَرانبَ مرعوبةً.. هكَذا يمكنُني التَّعبيرُ ببضعِ كلماتٍ عنْ ذلكَ المشهدِ الَّذي بثَّتْهُ التَّلفزةُ ورآهُ المراقبونَ، وهكَذا يمكنَ أَنْ تَراهم آنذاكَ؛ لهمْ وجوهٌ كالحةٌ مُسودَّةٌ، وأَجسادٌ تنكمشُ علَى نفسِها، وأَفواهٌ تكادُ تُخفي أَسنانًا مصطكَّةً، وأَلسنةٌ بمذلَّةٍ تصرخُ راجفةً: “كفَى.. كفَى.. سَلام.. سَلام..”
الآنَ السَّلامُ إِذنْ؟!
نعمْ.. هكذَا يجبُ أَن يكونَ..
وهكذَا تمَّ إِخراجُهم منَ المكانِ للمرَّةِ الأُولى بعدَ توسُّلاتٍ وتدخُّلاتٍ سياسيَّةٍ وعسكريَّةٍ..
ثمَّ أَليستْ هذهِ حكمةُ الصِّراعِ الطَّويلِ وغيرِ المتكافئِ فِي لُعبتِهم الوحشيَّةِ ضدَّنا؟!
“لَا مَوْعِدٌ لِأَزُورَ بَسْطَكَ يَا مَقَامُ عَلَى الصَّدَى..
لِي مَا لَدَيْكَ مِنَ الْبَيَاضِ؛ مَنَصَّةٌ
لِلْحُكْمِ: مُتَّهَمٌ، فَخُذْ
رَأْسَ انْحِدَارِكَ فِي يَدَيْكَ، مُسَافِرٌ
الْآنَ أَنْتَ إِلَى (الصَّوَابِ)، وَمَا الصَّوَابُ- رَفِيقَ رَأْسِي-
ها هُنَا
إِلَّا اعْتِنَاقُ الْبَارِحَةْ.”(4).

(7)
نعودُ المكانَ، أَو نعيدهُ إِلى صدارةِ غضبِنا المشروعِ والمشرَّعِ علَى سؤالهِ ثانيةً وثالثةً وربَّما عاشرةً أَيضًا؛ ذلكَ لأَنَّهمْ عادُوا إِليهِ بأَقسى مِن قبلُ قوَّةً واتِّكاءً علَى مرضِهم العضالِ، بضماناتٍ (أُوسلويَّةٍ) تُبيحها لهمْ اتفاقاتُها لطرفِهم مِن دونِ طرفِنا، كمَا رأَينا ونَرى علَى أَرضِ الواقعِ؛ واقعِ الأَرضِ!
مرَّةً أُخرى؛ يشتعلُ المكانُ ومَا حولَهُ بعدَ اندلاعِ “انتفاضةِ المسجدِ الأَقصى” فِي (28/9/2020م)، وكانَ أَنْ تمَّ غسلُ المكانِ وتطهيرُهُ بدماءِ العشراتِ منَ الشُّهداءِ والجرحَى، بعدَ قصفِهم بعقليَّةِ الإِبادةِ والأَطرافِ الوحشيَّةِ للمدافعِ والطَّائراتِ الَّتي تربضُ علَى قِمَّتي جبلَي “عِيبال” و” جِرزيم”.
… ومعَ انبلاجِ فجرِ (7/10/2000م)، حملَ المحتلُّ حقائبَ حقدهِ الثَّقيلِ خارجَ المكانِ… وعلَى الرَّغمِ مِن أَنَّهُ لمْ يَرحلْ بعيدًا عنهُ، فإِنَّهُ لمْ يَستطعْ أَنْ يأْخذَ معهُ أَو أَن يمسحَ ذاكرةَ الطُّفولةِ فيَّ، غبارًا كنتُ أَثرتهُ بقدميَّ وأَنا أُطاردُ فراشةَ اللَّهوِ آمنًا مطمئنًّا، ولوْ إِلى حِين؛ حيثُ عادُوا للمكانِ واحتلُّوهُ بالإِرهابِ الصُّهيونيِّ، ولَا يزالُونَ…
ولا يزالُونَ…

الهوامش:
(1) يقع قبر- مقام يوسف وسط قرية بلاطة، الواقعة عند المدخل الشرقي لمدينة نابلس… وكان البروفيسور الإسرائيلي فينكلشتاين/ رئيس قسم الآثار في جامعة تل أبيب، قد قال خلال برنامج بثته القناة الإسرائيلية الثانية في العام 1996م، إن قبر راحيل في بيت لخم وقبر يوسف في نابلس والحرم الإبراهيمي في الخليل، ليست أماكن مقدسة ليهودن وقبر يوسف في نابلس هو مقام لشيخ مسلم.
(2) د. باسم رعد: مفارقات بشأن قبر راحيل وقبور أخرى- دراسة، مجلة الشعراء- بيت الشعر، رام الله- فلسطين، العدد 11- شتاء 2001م.
(3) محمد حلمي الريشة: زفرات الهوامش، منشورات دار الزاهرة- بيت الشعر، رام الله- فلسطين، 2000م، صص 102-103).
(4) محمد حلمي الريشة: لظلالها الأشجار ترفع شمسها- شعر، 1996م.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق