ثقافة السرد

قصص قصيرة جدا

سعيد الشجاعي

الرجل الطويل جدا

السيد معروف ذكي جدا، قوي جدا وطويل جداً. تكاد رأسه تلامس السحاب حين يقف معتدلا، وعندئذ يبدو رشيقا إلى حد ما… لكنه يقف منحنيا أغلب الوقت؛ لأنه ومن فرط طوله، يصاب بدوار شديد إذا وقف معتدلا. و إذا سأله أحدهم :
_لم تنحني طوال الوقت؟
أجاب بنبرة الواثق من نفسه :
_من تواضع لله رفعه!

الساعة الدقيقة

رجل وحيد، ليس بمعيته سوى رزمة أفكار وتعاويذ وساعة يد دقيقة التوقيت، أشد ما تكون الدقة…
أتى الرجل الوحيد من أقصى المدينة يسعى؛ يركب أفكاره ساعة؛ يتأملها؛ يقول في نفسه :
-كم هي دقيقة هذه الساعة!
وتطير أفكاره ثانية. كم فكرة في الدقيقة؟ تسع وخمسين وثانية؛ ومع الواحدة بعد الستين تقوم للدقيقة الموالية قائمة.
_قائمة خير إنشاء الله!
هكذا دارت بخلده، وأمثالها كثيرة؛ وهو لم يعد مرتاحا لما يدور حوله؛ لكنه واصل سعيه رغم تضاؤل حزمة الأفكار فوق كتفه.
وحين بلغ مجمع الملإ من قومه نظروا اليه بإعجاب يشوبه استغراب بين. تبادلوا نظرات الريبة بينهم. أشاروا إليه وقال بعضهم لبعض :
-ساعة هذا الرجل دقيقة!
وتطوع أذكاهم في علم الأعداد بمساعدتهم في الحساب؛ وبعد هنيهة كان قد حسم الأمر، فقال بغرور:
-إن عمر هذا الرجل قصير…فهلا تطوع أحدكم لإحضار كفن وباقي لوازم الدفن!..

الطوفان للجميع

أطل العجوز من نافذة الطابق الثاني .خرجت عيناه من رأسه تراقبان كل شيء في الباحة الخلفية للعمارة التي تحول بياضها إلى لون رمادي قاتم ووسخ. تدلت لحيته الكثة وشفته السفلى . إنه “أحمد المغرد” .
لا يملك أحمد حسابا على “تويتر”؛ لأن شقته غير موصولة بالإنترنت، ولا يملك” هاتفا ذكيا” ومع ذلك يعرف كل سكان العمارة والحي تقريبا “بروفايله” الشخصي. الجميع مولع بتغريداته المتجددة على مدار الساعة.
يخرج دخان ابيض كثيف من نافذة المطبخ؛ وقد اختلط بالبخار وصراخ أحمد الشبيه بالحشرجة ،وهو يحاول تهوية مطبخه ؛يخبط في الهواء بمنشفة في كل الاتجاهات.
يطل من النافذة مرة أخرى، وقد تدلت شفتاه أكثر من المعتاد، وصارتا بحجم منقار ببغاء ضخم بألوان قوس قزح.
_تبا ثم تبا لهذا الأحد ! سوف اجن. .. مطر لا ينقطع. ..ووجبة غذاء محترقة !!!
ويواصل صراخه الشبيه بالحشرجة بجمل غير مفهومة. في مثل هذه الحالات، وهي كثيرة للغاية وتتكرر طوال الوقت ليلا ونهارا، تشرئب أعناق من نوافذ مشرعة وتلمع عيون وراء الستائر و تصير الأذان حادة لاستقبال التغريدة…
في العادة لا تدوم كل تغريدة إلا بضع لحظات، فإذا سكت عنه الغضب عاد الهدوء إلى الفناء الداخلي للعمارة ؛يغلق الجيران النوافذ بسرعة درءا للبرد ورذاذ المطر…
يقول الجيران أن تغريدات أحمد كانت سببا في هجران زوجته له ؛ويحكي بعضهم أن “طائرا أمريكيا” يغرد معلنا عن التوقيت على رأس كل ساعة ، و يعد اتباعه بمئات الآلاف …والاكيد…الأكيد أن مثل هذا المغرد لم تهجره زوجته وحسب، بل ولابد ان تكون قد حصلت له اشياء اخرى كثيرة بالتأكيد…

سيقان الريح !

– سوف أقف عند نهاية الزقاق !
يعدو بسرعة؛ يلهث.. السور أمامه؛ يتشبث به؛ يتسلقه بصعوبة ويقفز إلى الجهة الأخرى…تلامس قدماه الأرض؛ يكاد يقع، يتماسك بصعوبة. يبصق على الأرض ويواصل العدو من جديد ..تتشنج الساقان وترتخيان باستمرار، و يعقب ذلك ألم فظيع …تمنى لو كانت له القدرة على الصراخ …وتمنى أن لا تخرج رئته من فيه…
-ينبغي أن أواصل الركض!
يطلق ساقيه للريح..هوب..هوب..هوب..ولم يقف إلا قدام الباب. فتحه. دلف لداخل البيت ..ادار المزلاج وتنفس بعمق لعل قفصه الصدري يسع رئته ثانية…
دلف دورة المياه، كشر في المرآة، ينظر إلى وجهه المعروق والشاحب …في أذنيه صفير غريب وأصوات أشبه ببكاء الأطفال أو مواء قطط في غرفة مغلقة.
من زقاق لآخر، كان يتبعه؛ يقتفي أثر خطواته وظله يسبقه. من يكون هذا الذي يطارده ؟ و حاول ألا يعيره إهتماما .لماذا سيتبعه؟ بسرعة دار السؤال بخلده. بدأ خطوه يتسارع خلفه و نبض قلبه صار قويا. هكذا بدأت السرعة تجتاح كل شيء حوله. كان قد قرر في عمق نفسه ألا يهرب. وصل إلى زاوية تقاطع زقاقين. اجتاز الزاوية وبدأ يركض…سمع وقع خطواته على الأرض. إنه يعدو؛ لم يجرؤ على الإلتفات إليه؛ دلف إلى زقاق ثالث، وكان مغلقا…سينتهي الزقاق وأقف. هكذا فكر…انتهى الزقاق ولم يقف!

بؤرة توتر …

توقف عن الكلام فجأة ليأخذ نفسا من سيجارته؛ و طفق ينظر إلى هذا الواقف أمامه. شيء مزعج حقا أن يبدو الفضول على تقاسيم وجهه. إنه منزعج قليلا… الموقف غير مريح … إنه موقف غير معتاد…في الواقع…يعني في الحقيقة…إنه موقف مزعج…لكن العالم أصبح صغيرا…إنه بؤرة توتر !
قال الواقف أمامه :
-هكذا إذن ! لم أنت متوتر؟ هل غلبك الصهد؟
نظر إليه مرة أخرى. العالم بؤرة توتر؛ و حاول أن يشرح معنى التوتر لنفسه، إنه يشعر بالراحة حين يشرح الأشياء لنفسه …يبدو كل شيء بسيطا و مفهوما…ملأ رئتيه بجالون من هواء البحر… إنه لم يعد يشعر بالصهد.
هل من المعقول أن تلتصق مؤخرة البحر بجسم هذه الصحراء دون ان تحترق؟ نظر إليه بشكل آلي؛ و بدت شفتاه مزمومتين تطبقان على مصفاة السيجارة .. نفث الدخان في الهواء و أفرج عن ابتسامة حزينة . يبدو غير مبال بما حوله …على الأقل يبدو كذلك؛ لكن الواقع… واقع الأمر…المهم…إن الواقف أمامه يزعجه كثيرا؛ لأنه واقف ولأن العالم بؤرة توتر ملتهبة…إنه يشعر بالصهد .
ينظر إلى جسد الواقف أمامه يتصبب عرقا؛ و ثيابه مبتلة بالكامل…إنه يبدو و هو واقف تحت أشعة الشمس مثل برميل من البنزين أزال أحدهم غطائه بنية تفجيره. لا يهم أن تكون النية حسنة أو سيئة؛ بل المهم أن العالم أصبح صغيرا، و هذا الواقف أمامه يشبه فتيلا في بؤرة توتر.
-هل غلبك الصهد؟
نظر إليه و هو يغالب انزعاجه، و قد تردد كثيرا قبل أن يدعوه للجلوس…أملا في عدم حدوث الإنفجار…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق