ثقافة المقال

من القصص القرآني (7) مع نوح عليه السلام

بقلم: مجدي جعفر

الزوجة الخائنة!!

يقول كاتب السيناريو :
وتتوالى الشدائد على نوح، ومنها اكتشافه خيانة زوجته!
ووردت آية واحدة فقط في القرآن الكريم بشأن زوجة نوح تخبرنا عن خيانتها، واقترنت زوجة نوح في هذه الآية بزوجة لوط، يقول المولى عز وجل :
( ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل أدخلا النار مع الداخلين ) .. ” التحريم : 10 “
فأي خطب يصيب نوح عليه السلام!، وأي ابتلاء!، أعتقد أن نوح الذي ظل ألف سنة إلا خمسين عاما يتلقى الطعنات والغدر والخسة من قومه، لم يشعر بشدتها و قسوتها على نفسه وإيلامها على قلبه، قدر ما شعر بها عند اكتشاف خيانة زوجته وكفر ابنه، لم يتصور أبدا أن الطعنة ستأتيه من داخل بيته، من ابنه وزوجته، فالمفروض أن الزوجة سكنا ومودة ورحمة، وعونا لزوجها وسندا له وقوة، ولكن تبا لها من زوجة، خدعته، وخانته.
وخيانتها هنا ليست زنا …
يقول الصحفي ( الذي يحضر معهم لأول مرة ) :
حسنا، الخيانة هنا ليست زنا، وهي فرصة لتصحيح الصورة الذهنية عن المرأة، فعندما تذكر كلمة خيانة المرأة ينصرف الذهن تماما إلى الخيانة الجنسية، بينما إذا ذكرت كلمة خيانة الرجل، ينصرف الذهن إلى معاني أخرى، قد تكون آخرها وأقلها الخيانة الجنسية، وقد تكون عدم الوفاء بالعهد أو النكوص عن الوعد أو خيانة الأمانة أو حتى السرقة، فأتمنى أن نركز الأضواء على مفهوم الخيانة، على الأقل لتغيير الصورة الذهنية في مجتمعنا عن خيانة المرأة التي ارتبطت بالجنس.
يقول الشيخ :
خيانة امرأة نوح وامرأة لوط لم تكن زنا، فخيانة امرأة نوح أنها كانت تخبر قومها وتقول عنه أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه .. و خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تطلع على سر نوح فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به ليعذبوه ويردوه عن دين نوح.
المخرج :
إذن الخيانة هنا، خيانة الدين. وهذه الزوجة أقل ما توصف به بلغتنا في هذا العصر أنها، منافقة ومخادعة، تظهر الإيمان وتبطن الكفر، فأي أذى أصاب نوح من تلك الزوجة، التي تعيش في بيته، وفي كنفه، يطعمها ويكسوها، ويلاطفها، ويداعبها، وعاشت معه عمرا طويلا مديدا في بيت واحد وعلى فراش واحد، تزعم إيمانها به وبرسالته، وتوافقه عليها، وتخرج إلى قومها لتسخر معهم منه وتهزأ به ، وتخبرهم بأنه مجنون، فيقولون مثلها :
( وقالوا مجنون وازدجر ) .. ” القمر : 9 “.

يقول الصحفي :
هل كانت هذه الزوجة المنافقة والمخادعة أشد خطرا على نوح من قومه؟ أعتقد أنها كانت أشد خطرا، فنوح يعلم قومه ويعلم بكفرهم، عدوه ظاهر أمام عينيه، يستطيع أن يجابهه ويواجهه، أما الطامة الكبرى تخرج من بيته، من زوجته، تعرف أخباره وتطلع على أسراره وخصوصياته، وقد يفضي بها إليها، فتفشي بها، وتسربها إلى أعدائه، وأخطرها أنها تدل القوم على من اهتدى وآمن بدين نوح، فيترصدونه ويعذبونه، قد حدث اختراق لنوح في قلب بيته، هل زرعوها ” جاسوسة ” في بيته؟
أتمنى أن يدقق كاتب السيناريو في هذه المرأة ” الجاسوسة ” وكيف استقطبها القوم؟ وكيف زرعوها في قلب داره؟ .. وكيف كانت من الحيطة والحذر بحيث لم يكتشفها نوح وهو من هو، أي تدريب تلقته هذه الجاسوسة من قومها على الخداع والتمويه؟ وهل كان لديهم أجهزة مخابرات وتعمل بهذه القدرات لإجهاض دعوة نوح، إنهم من خلال هذه المرأة كانوا يسمعون حتى دابة النملة في بيت نوح! .. أرجو ألا تمر هذه المرأة في السيناريو مرور الكرام، فليس معنى أنها لم ترد إلا في أية واحدة وجاء اسمها مقرونا بزوجة لوط، أن دورها في القصة هامشي أو ثانوي، أعتقد أنها لعبت دورا كبيرا.
يقول الشيخ :
وكان جزاء هذه الزوجة الخائنة هي وزوجة لوط الخائنة هي الأخرى :
( ادخلا النار مع الداخلين )
فإذا كانت في الدنيا من المغرقين مع الكفار من قومها، فإن مآلها ومصيرها في الآخرة هو الدخول في نار جهنم.
يقول الصحفي :
لقد لفت انتباهي أيضا أن الآية تقول امرأة نوح وامرأة لوط، وأحاول أن أتذكر وليساعدني الشيخ نساء أخريات ورد ذكرهن في القرآن الكريم، فأتذكر أيضا امرأة العزيز وامرأة فرعون وامرأة عمران، وامرأة إبراهيم، وابنتا الشيخ، وملكة سبأ، وربما أخريات لا أذكرهن، لماذا جاءت المرأة في القرآن عموما مستلبة حتى من اسمها؟! وقد تكون مريم ابنة عمران هي الاستثناء الوحيد.
يقول الشيخ :
بادئ ذي بدء، القرآن هو أول من أنصف المرأة ..
الصحفي ( مقاطعا ) :

أنا لا أنكر هذا، وأرجو ألا تقرر ما هو معلوم، وثابت، وحاشا لله أن أكون أنا الشكّاك أو الطعّان، أنا أريد أن أطرح على مائدة البحث كل شيء، حتى لو بدا للبعض هامشي أو صغيرا، وقد يفيد من هذا الطرح صديقنا كاتب السيناريو، ربما يلتقط منا خيطا، ربما نكون سببا في ولوجه عوالم رحبة ولو من طرق ضيقة!
يقول الشيخ :
نعم لم ترد المرأة باسمها في القرآن، حتى حواء لم يرد اسمها، ويعبر عنها بكلمة ( امرأة )، وتأتي مضافة إلى زوجها إذا كانت متزوجة، كامرأة نوح وامرأة لوط وامرأة إبراهيم وامرأة عمران وامرأة العزيز وامرأة فرعون.
وإذا كانت غير متزوجة تأتي عامة ومرسلة فيقول عن ملكة سبأ ( امرأة تحكمهم )، وأيضا : ” ووجد من دونهم امرأتين تذودان ” .. أطلق عليهما القرآن الكريم ( ابنتا الشيخ ).
الاستثناء الوحيد كان لمريم، فهي تُذكر باسمها غالبا، وأحيانا مرسلا، وأحيانا مضافا، واستثناء مريم كان لعلة وأسباب لها وجاهتها وقدرها.
يقول الصحفي :
نستشف من ذلك : أنه لا ضير ولا عيب أن تُكنى المرأة باسم زوجها، كأن نقول صفية زغلول مثلا أو جيهان السادات، فهذه ليست بدعة أوربية كما يروج البعض، فأن تُضاف زوجتي إلىّ فهذا أمر بدهي، ولا غضاضة في ذلك، وليس تقليدا للغرب، ولا انتقاصا للمرأة ولا افتئات على حق أبيها، فعلينا أن نعيد النظر والتفكير ..
وقبل أن يحدثنا الشيخ عن لماذا كانت مريم هي الاستثناء الوحيد من القاعدة، نلاحظ أن المرأة تحركها العواطف والغرائز، واستدعاء أسماء من ذكرهن القرآن من النساء يؤكد هذه الحقيقة :
فامرأة فرعون تحركها غريزة الأمومة، أو عاطفة الأمومة، فهي تقطر حبا وحنانا.
وامرأة عمران متدينة، وقلبها موصول بالله، ومعلق به، ونذرت له ما في بطنها محررا.
وامرأة العزيز، امرأة مكتملة الأنوثة، أغرتها رجولة يوسف، وعشقت حُسنه وجماله، فهل أكون متجاوزا إذا قلت أن الغريزة التي غلبت عليها وحركتها، هي الغريزة الجنسية؟!.
وابنتا الشيخ أحبا في موسى الشباب والفتوة، ولكن الحياء وهو متأصل ومتجذر فيهما، جعلهما يلجئان إلى الحيلة!.
وملكة سبأ رغم حصافتها وحنكتها السياسية ووعيها البصير بأمور الحكم والسياسة، ولكنها كانت طيعة لينة وضعيفة ومستسلمة لسليمان!.
ومريم رمز العفة والطهارة والشرف، التي تخاف الفضيحة والعار، وتستعيذ بالله من رسوله إليها إن كان تقيا، فهي لا تفهم أن يكون لها ولد دون أن يمسسها بشر!.
الشيخ ( مقاطعا ) :
بالتأكيد سنسرد حياة كل النساء اللاتي ورد ذكرهن في القرآن، وسيتم دراسة كل امرأة على حدة، كما نفعل الآن مع نوح عليه السلام، أما سؤالك، عن لماذا جاءت مريم استثناء وذكر المولى عز وجل اسمها صريحا، وقد صنع القرآن ذلك ليواجه قومها، أو بالتحديد ليواجه عقيدة قومها، التي تقول بأن المسيح ابن الله، والقرآن يرى غير ذلك تماما، فالمسيح ابنا لمريم ولد لغير أب، ولكن قومها كانوا يصرون على أن عيسى ابن الله، فجاءت مواجهة القرآن لهم قوية وصريحة، وذكر اسم مريم صريحا ومؤكدا في كل مرة يتناول فيها قصة عيسى ابن الله، فيؤكد أنه ابن مريم.
وبالتأكيد سيكون لنا وقفات طويلة مع مريم، ولكني فقط أردت أن أجيب في عجالة عن سؤالك.
المخرج :
لقد فجرت امرأة نوح كل هذه القضايا، وكل هذه الإشكاليات، وهي بالتأكيد ستكون مفيدة عند كتابة السيناريو.
ونلتقي الأسبوع المقبل مع مشاهد جديدة من حياة نوح عليه السلام.
……
يتبع

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق