قراءات ودراسات

مذابح الأرمن بين رواية لقيطة اسطنبول وفيلم الوعد

رضا سليمان

حينما تمسك بين يديك رواية “لقيطة اسطنبول” للكاتبة التركية ألِف شافاك والصادرة عام 2006 ستجدها تأخذك إلى ما يعرف بـ “مذابح الأرمن” من خلال علاقة عائلتين الأولى تركية تعيش في إسطنبول، الثانية أرمنية تعيش في الولايات المتحدة، ربطت بينهم قرابة منذ أجيال بعيدة مرتبطة بالإبادة ولا يعرف عنها الأحفاد، خلال رواية قصة (شوشان) الفتاة الأرمنية التي هاجرت عائلتها من بلدها إلى الولايات المتحدة، هرباً من المجازر التي أرتكبها الأتراك، وذلك على لسان حفيدتها أرمانوش التي عادت إلى إسطنبول للبحث عن أصولها، سوف تكتشف أرمانوش، بالتعاون مع آسيا، أسراراً كبيرة عن العائلة وعن تاريخ تركيا الحديث.
بينما قدمت السينما الأمريكية فيلم “الوعد” عام 2017 عن مذابح الأرمن وخلال 132 دقيقة مدة عرض الفيلم نشاهد المأساة التي تركز حولها وهي التطهير العرقي ومذابح الأرمن في تركيا خلال الحرب العالمية الأولى، والتي أصبحت بقعة سوداء في تاريخ الانسانية. لذا يعتبر فيلم “الوعد” هو كشف بقعة الظلام تلك التى لطخت تاريخ البشرية، الفيلم قطعة فنية مبهرة بكافة المقاييس، ويسلط الضوء على قضية يحاول العديد من الأطراف طمرها في التاريخ، وإنكار حدوثها وقال مخرج الفيلم تيري جورج قبل العرض الأول لفيلمه “إنها قضية منذ مائة عام، تعرضت للطمس ورأيت أنها فرصة رائعة لمحاولة تنوير العالم، وفي الوقت نفسه سرد قصة ساحرة”، وقال جورج إنه مستعد لرد الفعل السياسي بعد خروج فيلمه الجديد للنور. وأضاف “دعونا نعرض الأمر، هذه هي فكرة الفيلم، دعونا لا نختبئ في الظل ولا نطمس المعلومات ولا تاريخ الواقعة، دعونا نجري نقاشا حولها” وقد حقق الفيلم 8 ملايين دولار فقط مقابل ميزانيته البالغة 90 مليون دولار تبرع بها كلها رجل الأعمال الأمريكي من أصل أرمني كيرك كيركوريا،. هذا الفيلم تم إهداؤه الى”الى الناس الذين نُسي نضالهم، الذين دُمِرَت بنيتهم، طُمِسَ أدبهم، ولم تسمع موسيقاهم، ولم تجب صلواتهم”. وسوف تفاجئ وأنت تشاهد هذا الفيلم باسم مصر يُذكر قبيل نهاية الفيلم على لسان البطل حينما يأتى على ما يعرف في التاريخ الأرمني المعاصر بـ”ملحمة موسى داغ” أو ملحمة جبل موسى، ويعود تاريخ الملحمة إلى الفترة من يوليو وحتى سبتمبر من عام 1915، وجبل موسى هو الموقع الذي تمركزت فيه مقاومة الأرمن أثناء حملة الإبادة الجماعية للأرمن، حيث كان المقيمون في تلك المنطقة قد تلقوا أمرًا رسميًا من الحكومة التركية بالتهجير القسري العنيف من ست قرى أرمنية، عندما اقتربت القوات التركية العثمانية لجأ السكان، لعلمهم بالخطر الوشيك، إلى جبل موسى وتمكنوا من إحباط الاعتداءات المتكررة لمدة ثلاثة وخمسين يومًا، بعدها تمكنت سفن الحلفاء في البحر المتوسط، لا سيما فرنسا من رصد الناجين في الوقت الذي بدأت فيه ذخيرتهم وإمداداتهم الغذائية في النفاد، وقامت السفن الحربية بنقلهم إلى مكان آمن في مدينة “بورسعيد” بمصر حيث ساعدت السفن البريطانية والفرنسية في إجلاء 4200 شخص من الرجال والنساء والأطفال بنجاح من جبل موسى إلى بورسعيد، وجدير بالذكر هنا أن المصريين في هذا التوقيت قد قاموا بعمل اكتتاب عام وتم تجميع التبرعات من أجل الإنفاق على الأرمن المهجرين، وفى نفس التوقيت أصدر شيخ الأزهر سليم البشرى بيانا يستنكر فيه هذه المذابح ومما قاله في ذلك البيان ” طالعتنا الصحف المحلية بأخبار محزنة وشائعات سيئة عن مسلمي بعض ولايات الأناضول من المماليك العثمانية، وهى أن بعضهم يعتدون على المسيحيين فيقتلونهم بغيا وعدوانا، فكدنا لا نصدق ما وقع إلينا من هذه الشائعات ورجونا أن تكون باطلة، لأن الإسلام ينهى عن كل عدوان ويحرم البغي وسفك الدماء والإضرار بالناس كافة، المسلم والمسيحي واليهودي في ذلك سواء، فيا أيها المسلمون في تلكم البقاع وغيرها احذروا ما نهى الله عنه في شريعته الغراء، واحقنوا الدماء التي حرم الله إهراقها ولا تعتدوا على أحد من الناس فإن الله لا يحب المعتدين”. لكن ما هو أصل هذه القصة والتى تم تقديمها في أكثر من فيلم مثل “أرمينيا المسلوبة، التقويم، أرارات، الآخرة الحلوة، رحلة فيليشيا، إكزوتيكا، القطع”، وفى روايات أدبية أخرى غير لقيطة اسطنبول مثل رواية “الأيام الأربعون لجبل موسى” التى تناول فيها الكاتب النمساوي الألماني “فرانز ويرفل” جانبًا من الأحداث الأليمة لمذابح الأرمن وقد تعرضت تلك الرواية للمصادرة من النازيين في ألمانيا بسبب نزوعها إلى المقاومة والحرية، فيما حولها الموسيقار التشيكي جوزيف ماديه إلى أوبرا غنائية عام 1957، وكذلك جُسِدَت في فيلم سينمائي في 1982 ومثلت على المسرح أيضًا. القصة باختصار أنه خلال فترة الحرب العالمية الأولى اتخذ قادة الامبراطورية العثمانية قرارًا بإبادة أي حركة انفصالية داخل الإمبراطورية حتى ولو كانت مسالمة، وحتى لو كانت تطالب بحق تقرير المصير بشكل بعيد عن العنف، واتخذوا قرارًا بإبادة أي عرق قد يتم الشك في ولائه، أو تعاونه مع دول الحلفاء والتي هي بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، في مقابل دول المحور ألمانيا واليابان والإمبراطورية العثمانية، ومن ضمن هؤلاء الضحايا، قام الأتراك بإبادة ما يقدر بين مليون إلى مليون ونصف مواطن أرمني مسيحي (بالإضافة إلى عرقيات أخرى تشمل سريان وكلدان وآشوريين ويونانيين)، بشكل ممنهج وهمجي، وهو العدد الذي تكذبه الحكومة التركية حتى اليوم، بل هناك قانون يمنع الاعتراف بحدوث هذه المجازر من الأساس. فقد كانوا يجبرون ضحاياهم على مغادرة قراهم ومدنهم بشكل جماعي بحجة دواعٍ أمنية، ويعرضونهم لأسوأ ظروف ممكنة أثناء الانتقال، من جوع وعطش وتنكيل وتشريد، وأثناء عملية الانتقال يتم قتل أعداد كبيرة منهم وإلقاؤهم في مقابر جماعية، بجانب جرائم عنيفة تتعلق باغتصاب النساء، وإعدام الأطفال بدم بارد. وقد كانت جريمة الأرمن آنذاك اتهامهم بتأييد جيوش الحلفاء وبالتحديد الجيش الروسي، فوصفوهم بأعداء الداخل وقاموا بعمليات القتل المتعمد والمنهجي للسكان الأرمن من قبل الامبراطورية العثمانية خلال وبعد الحرب العالمية الأولى بداية من 24 أبريل من عام 1915 ومع اعتقال المفكرين الأرمن وقادة المجتمع الأرمني من قبل السلطات العثمانية تم ترحيل مليون ونصف المليون أرمني أو قتلهم أو ذهبوا في مسيرات الموت في حملة إبادة. تركيا ترفض بشدة وصف ما حصل للأرمن في تلك الحقبة بالمجزرة أو الإبادة الجماعية رغم أنها اعترفت بالإبادة الجماعية في الفترة الواقعة بين 1919 – 1920، وتم إلقاء القبض على الجناة من الضباط الأتراك وكان ذلك قبل تأسيس الدولة التركية الحديثة إلا أنهم تراجعوا عن ذلك مع ظهور الحركة القومية التركية، التي أصدرت عفواً عاماً بحق الجناة. ومنذ ذلك الحين، فإن جميع الحكومات التركية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك الملقب بـ “أبو الأتراك”، اعتمدت سياسة الإنكار ورفض الاعتراف بالإبادة الجماعية. وتختلف تركيا مع العالم في تقدير أعداد القتلى الأرمن، إذ تقول إن عددهم لا يتجاوز 500 ألف أرمني وإن تركيا وقتها كانت تعيش حربًا أهلية وراح ضحيتها أتراك أيضاً، لكن الأرمن يقولون إن الدولة العثمانية أبادت 1.5 مليون أرمني خلال تلك الفترة الواقعة بين 1915 – 1917. واعترفت 30 دولة بـ “الإبادة الارمنية” من بينها فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولتوانيا وبلغاريا وهولندا وسويسرا واليونان والأرجنتين وأوروغواي وروسيا وسلوفاكيا والنمسا. ويُقدر مؤرخون أن حوالي مليوني أرمني كانوا يعيشون في أراضي الدولة العثمانية مع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914. وبحلول عام 1922، انخفض عددهم إلى 400 ألف فقط. ويقول الأرمن إن الآلاف من أسلافهم تعرضوا للتعذيب والاغتصاب ومصادرة الممتلكات. وسيق كثير منهم لمسافات طويلة عبر الجبال والسهول بلا طعام أو شراب. فكان من لم يُقتل في “المذابح” مات جوعاً أو عطشاً أثناء عملية الترحيل إلى الصحراء في سوريا. وقد حدثت خدعة كبرى للأكراد حينما لعبت بعض القبائل الكردية دوراً في مذابح الأرمن كونها كانت أكبر الأقليات المسلمة في تركيا وقتها إذ استغلتهم السلطات العثمانية للزج بهم في عمليات القتل ضد الأرمن والسريان، حيث كان الأكراد موعودين بقيام دولتهم المستقلة من قبل مصطفى كمال أتاتورك، الذي استغلهم من أجل تأسيس الدولة التركية بعد أن ضعفت وانهارت الامبراطورية العثمانية، وكانت معاهدة سيفر التي أبرمتها الدولة العثمانية عام 1920 تلزمها “بترك الأراضي التي يقطنها الأرمن والأكراد، مما كان يسمح لهم بقيام دولتهم منفصلة”. وبعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، ودعم الغرب لأتاتورك، التفت تركيا إلى حلفائها الأكراد وقمعت انتفاضاتهم وثوراتهم وهجّرتهم من أراضيهم في جنوب شرقي تركيا باتجاه الأناضول في الفترة ما بين 1925 – 1928. واتبع أتاتورك سياسة التتريك، إذ أصدر قانوناً عام 1932 ينص على “منع الأشخاص الذين يتكلمون لغة غير التركية من إعادة بناء قراهم أو بلداتهم التي يقطنونها”. ومنذ تأسيس الدولة التركية، أي ما يقارب المئة عام، لم يتوقف الأكراد عن المطالبة بحقوقهم إلى يومنا هذا رغم قمع العديد من الانتفاضات واعتقال وقتل الآلاف من الأكراد من قبل الحكومات التركية المتعاقبة. وفى 24 ابريل 2019 أعلنت فرنسا يوم الرابع والعشرين من أبريل يوما وطنيًا لتخليد ذكرى المذابح التي قام بها الأتراك خلال الحقبة العثمانية ضد الأرمن، وجاء الإعلان في بيان ألقاه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون أثناء العشاء السنوي للمجلس التنسيقي للمنظمات الأرمنية في فرنسا، تنفيذا لوعد انتخابي كان قد قطعه على نفسه. وفي المقابل نددت تركيا بالقرار ونشر المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين بيانا قال فيه إن ماكرون يواجه مشاكل داخلية في بلاده ويلجأ إلى “تحويل وقائع تاريخية إلى قضية سياسية لإنقاذ وضعه”. وفرنسا بالذات كانت وجهة للكثير من الأرمن الذي رحلوا عن أراضي الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين. ويقيم بها حاليا حوالي نصف مليون أرمني، وهي جالية لها ثقلها. في عام 2008، أطلق أربعة أتراك مثقفين هم “أحمد أنسل وعلي بيرم أوغلو وجنكيز أكتر وباسكن وران” عريضة وقع عليها 32 ألف تركي تطلب المغفرة من الأرمن وتحققت خطوة هامة مؤخرا تمنح زخماً لجهود أرمينيا وهى إصدار البرلمان الأوروبى بيانا يعترف فيه بالإبادة ويطالب تركيا مجدداً بالاعتراف بالفظائع التى ارتكبتها إبان السلطنة العثمانية بحق الأرمن واعتبارها إبادة جماعية. وجاء فى البيان الذى اعتمده البرلمان بهذا الشأن وأعلن فى بروكسل أن الذكرى المئوية للجرائم التى ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن قبل أكثر 100 عام فرصة عظيمة لاستيعاب أحداث الماضي. وحتى الآن مازالت الكتب المدرسية التركية تصف الأرمن بأنهم خونة، والدعوة بالإبادة الجماعية للأرمن كذبة وتقول الكتب كذلك بأن الأتراك العثمانيين اتخذوا “التدابير اللازمة” لمواجهة النزعة الانفصالية الأرمنية. في الأخير يحاول العديد من الأطراف طمر قضية مذابح الأرمن في التاريخ وإنكار حدوثها، وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يرفض حتى هذه اللحظة الاعتراف بالمذابح العثمانية ضد الأرمن، وكأنها لم تكن، وكأن مئات الآلاف ماتوا دون سبب. “لن يقول الأتراك أبداً عن آبائهم إنهم كانوا قتلة” هكذا أنهى المؤرخ جستن مكارثي خطابه في البرلمان التركي عام 2005، فوقف النواب الأتراك مصفقين بحرارة لما قاله، وتلخص هذه الجملة الختامية الموقف التركي الرسمي تجاه مذابح الأرمن على يد العثمانيين، هذه المذابح التي يصفها أغلب المؤرخين في العالم بأنها أول إبادة جماعية في القرن العشرين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق