ثقافة المقال

فلسفة العيد..

بقلم: منير مزليني

يتعقب العيد دوما حدثا كبيرا أو مهما يختبره الانسان أو يعيشه فيكون مرتبطا به ارتباط الجزاء بالفعل أو الحصاد بالزرع، فيكون الجزاء من جنس العمل، والثمار من طبيعة الغرس. ولا يكون العيد عيدا إلا إذا كان الحصاد مثمرا والجزاء مفرحا، ولذا فهو دوما مرتبط بالفرح والسعادة والسرور.
والعيد أنواع، ولكل نوع منه أشكال وطرق نعبر بها عن فرحتنا به. فهناك الأعياد الدينية والأعياد الوطنية والأعياد الخاصة، ومنها تلك المتعلق بالأفراد مثل أعياد الميلاد وغيرها أو المتعلقة بالجماعات أو الفصائل، كاحتفال بعض القبائل بإحدى عاداتها الخاصة بها، أو احتفال فيئة معينة كالفلاحين بموسم انتاج معين كعيد الفراولة مثلا. إلا أن الأعياد الدينية تظل هي الأهم والأكثر شيوعا وذيوعا. لأن المجتمعات القديمة الأولى كانت مجتمعات إثنية وحضاراتها كانت دوما مرتبطة بالعقائد والمعتقدات الدينية ولذلك فإن فلسفة الحياة لديها تقوم على أساس الثواب والعقاب، بخلاف الحال في المجتمعات الحديثة والمعاصرة الاقتصادية منها أو الاجتماعية والتي تقوم على أساس الربح والخسارة في الدول الليبيرالية أو النجاح والفشل في الدول الاشتراكية. ولأن الأعياد الدينية هي الأقدم والأصل في حياة الانسان فإنها ستظل راسخة فيه ويظل هو متعلق بها بقدر تعلقه بالروح التي تسكنه، فهي أعياد روحية جاءت لخلاص الروح من الخطايا وتطهيرها من الذنوب وعتقها من النار أو الجحيم.
وجاءت كلمة العيد من العود وسمي العيد عيدا لأنه يعود كل عام بفرح جديد. وقد وردت لفظة العيد في القرآن الكريم في سورة المائدة في قوله تعالى: ” قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ ” الآية (114). وبحسب المفسرين أن يجعلوا اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيدا يحتفلون به ومن يعقبهم.
كما وردت في الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: ” إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا” وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ” شهران لا ينقصان في كل منهما عيد”..
وقد عرفت الأعياد في الديانات السماوية والوضعية وكذلك في الحضارات القديمة وكانت كل منها تحتفل بأعيادها لأسباب خاصة وطرق مختلفة، تعكس وجهة نظرها وثقافتها وفلسفته الحضارية.
وقد كانت الحضارات القديمة بمعتقداتها الخاصة تقيم احتفالات لأعيادها الكثيرة والمتنوعة بحسب تعدد معتقداتها وتنوع عاداتها وتقاليدها مثل المجتمعات الهندوسية والبوذية والحضارة الاشورية والصينية وغيرها، وقد نضرب مثلا أو اثنين بقدر بما يسمح به المقام مما نقل عن أعياد العرب قديما في العصر الجاهلي، وخبر عن أعياد أقدم حضارة بابل وآشور.

العيد في الحضارات والأمم السابقة
عند العرب قديما (الجاهلية):
قبل مجيء الإسلام وفي عصر الجاهلية كان العرب يحتفلون بجملة من الأعياد لاسيما تلك التي كانت متعلقة بموسة الحج. حيث كانت كل القبائل العربية تحج إلى الكعبة الشريفة بمكة المكرمة في شهر ذي الحجة من كل عام، وكانت كل قبيلة تحتفل بموسم الحج بحسب طريقتها وتلبيتها الخاصة لهذه الشعيرة. فكانت القريشيون يكسون الكعبة في كل موسم حج استقبالا للحجيج ولاعتقادهم أن ذلك سوف يكفر عنهم الذنوب ويزيلها عنهم. كما كانوا يصومون عاشوراء مثل أغلب القبائل العربية الأخرى تأثرا باليهود الذي كانوا يعيشون بينهم. ولأن الشعر هو ديوان العرب وبيان خبر، فقد نقل عن شعراء تلم الفترة بعص الأشعار التي كانت تذكر تلك الأعياد وتصورها، ومن ذلك ما نقل عن الشاعر الجاهلي (تأبط شرا) من جماعة الشعراء الصعاليك وعلى راسهم الشاعر العربي المعروف بالشنفرة.
حيث يقول (تأبط شرا) مخاطبا العيد:
يا عيد مالك من شوق وإيراق *** ومرّ طيف على الأهوال طرّاق
وقول النابغة الذبياني يصف الناس وهم يحتفلون بعيد السبسب وهو أحد أعياد العرب القدماء:
رقاق النعال طيب حجراتهم *** يحيون بالريحان يوم السباسب

في الحضارة الأشورية والبابلية
عيد اكيتو او عيد رأس السنة البابلية:
وهو أقدم الأعياد التي عرفتها البشرية وفق البحوث التاريخية والأنثروبولوجية /الأثرية، حيث لازالت تحتفل به بعض القبائل الآشورية والكلدان والسريان في العراق وسوريا مع مطلع شهر أفريل/ نيسان من كل عام، وقد احتفلوا به مؤخرا في بشمال شرق سوريا ببلدية القحطانية في محافظة الحسكة. وبحسب التقويم القديم لحضارة ما بين النهرين فقد احتفلوا باكيتو أو رأس السنة البابلية الـ 6771. وفق ما كذكره المصادر.
حيث وفي بحثه الموسومة ب (الأعياد الدينية في العراق القديمة) فقد ذكر الباحث “محمود جابر” مفصلا في الأمر: ” اهم هذه الاعياد هو عيد رأس السنة الجديدة او عيد السنة البابلية والذي يسمى بعيد (اكيتو). يعتبر هذا العيد من الاعياد المهمة في العراق القديم. ولقد كانت الاحتفالات تقام في بابل بمراسيم خاصة وكذلك كان يُحتفى به في مدن اخرى خارج بابل في اربائيلو، حران، اوروك، ونينوى. وقد تم التنقيب في اوروك وعثر على بيت (اكيتو) ومعابد اخرى في بابل تعود الى العصر الكلداني الحديث. وكانت هذه الاعياد تقام في بابل كما قلنا وفي اوروك وغيرها من المدن بسبب تأثيرها بتيارين قويين من العقائد الدينية السائدة اولهما: عبادة الهة الخصب ذات الاصول العميقة الغور والشائعة في جميع انحاء الشرق الادنى منذ عصور ما قبل التاريخ. والثاني: نظرية نشأة الكون السومرية الاحدث تاريخا نسبيا. اذ ان كل دويلات المدن السومرية كانت تؤمن وتعتقد بان خصوبة حقولها ومواشيها وسكانها كانت بواسطة الزواج المقدس بين إله المدينة والهتها”.

العيد في الديانات السماوية الثلاث
1ـ في الديانة اليهودية
بالرجوع إلى المصادر الدينية اليهودية والمراجع والدراسات ومنها كتاب ” الأعياد في الأديان السماوية ” لمؤلفه ” خالد أحمد حسين العيثاوي “، فقد عرفت اليهود ستة أعياد هي: (عيد الفصح، وعيد الباكورة، والأسابيع، وهتاف الأبواق، ويوم الكفارة، والجمع). وللتعريف وبعض التفصيل، نأخذ عيد الفصح مثلا، فهو (العيد الذي يحتفل به اليهود في ليلة 14 نيسان/ أفريل من كل عام وهو تاريخ انقاذ الرب لليهود من فرعون). وكذلك لكل عيد من تلك الأعياد التي ذكرناها أسبابها الداعية إليها، إذ يضيق المجال لذكرها هاهنا.
2ـ في الديانة المسيحية
بحس المرجع السابق الذكر والمصادر التراثية الانجيلية، فإن للمسحية إحدى عشرة عيدا ونذكرها على سبيل الحصر وهي: (أعياد البشارة، والميلاد، والفصح، والشعانين، والغطاس، وخميس الأربعين والخمسين، والختان، وخميس العهد، وعيد حدّ الحدود ويسمى “عيد التجلي أو عيد الصليب”.
3ـ في الدين الإسلامي:
وبحسب مصادر الشريعة الإسلامية من قرآن وحديث وفقه فإن للمسلمين ثلاثة أعياد هي: (عيد أسبوعي ” يوم الجمعة” وعيدين سنويين ” عيد الفطر” و”عيد الأضحى”.) لكنه يحتفل بهذين العيدين الأخيرين من خلال إقامة ببعض الطقوس والتحضيرات الخاصة. فعيد الفطر وهو العيد الذي يأتي بعد شهر الصيام وهو بمثابة الجائزة التي ينالها المسلمون بعد شهر من الصيام والامساك عن الطعام والشراب وكبح الشهوات طاعة لله واستجابة لأمره وفي سبيله لقوله تعالى في سورة البقرة:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” الآية(183) وفي قوله في الحديث الشريف الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : « كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به » (رواه الإمام البخاري في صحيحه ج2 ص226 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه) ، وما روي عن الإمام علي رضي كرم الله وجهه في نهج البلاغة قوله: (إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اَللهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ وَكُلُّ يَوْمٍ لاَ يُعْصَى اَللهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ).وقول أيضا :” ليس العيد لمن لبس الجديد، إنّما العيد لمن سلم من الوعيد، وليس العيد لمن ركب المطايا، إنّما العيد لمن ترك الخطايا، وليس العيد لمن حضر المصلّى، إنّما العيد لمن صام وصلّى).
وعيد الأضحى الذي يأتي بعض أداة فريضة أو شعيرة الحج، احياء لذكرى النبي إبراهيم (عليه السلام) وما اختبر فيه من ربه بذبح ابنه، فلما صدق الرؤيا وأخلص الوفاء جازاه ربه بكبش فداء. فصار عيدا لكل الشرائع من بعده، وجاء الإسلام وثبته وأكد عليه، ومنه قوله عز وجل في سورة ( الصافات): ” فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ” الآية(102).
وما يستخلص من حكمة وفلسفة من الاحتفال بالعيد في الإسلام أن يكون احتفالا روحيا قبل أن يكون ماديا، لأنه يأتي بعد طاعة روحية وعبادة شرعية، والعيد يكون بعد قبول تلك الطاعة والعبادة، فعيد الفطر يكون بعد عبادة أو شعيرة الحج، وعيد الفطر يكون بعد أداء شعيرة أو فريضة الصيام، والعيد فيهما يكون بمثابة الجائزة أو الدرجة والرتبة التي ينالها الحاج أو الصائم، وما إن كان أفلح ونجح في أداء تلك الشعيرة أم لا. فتقع الفرحة في القلب وتستشعر في الروح قبل أن تظهر على اللسان واللباس وتستطعم في الذوق واللسان.
ولو أن الاحتفال بالأعياد في العهود الأخيرة والمعاصرة بات يأخذ طابعا ماديا وتغلب عليه المظاهر الشكلية والحسية وهي أقرب لفلسفة الجسد والمادة منها لفلسفة الروح والعبادة، وذلك راجع لهيمنة فلسفة العصر المادية على المجتمعات المعاصرة وطغيان الجانب الاقتصادي والمادي على طبيعة الناس وسلوكياتهم على حساب كل ما هو روحي ومعنوي، فأصبحنا لا نفرق بين الاحتفال بالأعياد الدينة والأعياد الخاصة، فانحصر الاحتفالات في المظاهر المادية والأشكال الحسية وتراجعت الاحتفالات الروحية والطقوس الدينية، فكان اللباس والأكل بدل الاستغفار والشكر. واللعب واللهو بدل التزاور والتراحم، أي أننا اهتممنا باحتفال الجسد وأهملنا احتفال الروح في عيد العبادة والروح، الأمر الذي انعكس سلبا على الناس لاسيما الفقراء منهم فبات العيد نقمة وحسرة بدل أن يكون نعمة وفرحة، وصار اسرافا ومغرمة بدل أن يكون زكاة ومرحمة. بذلك نكون قد خرجنا عن المعنى الحقيقي للعيد وعن المغزى منه وابتعدنا كل البعد عن غايته وحكمته وفلسفته المنشودة.
أو كما قال الأديب الفيلسوف مصطفي صادق الرافعي: ” كان العيد إثبات الأمة وجودها الروحاني في أجمل معانيه، فأصبح إثبات الأمة وجودها الحيواني في أكثر معانيه، وكان يوم استرواح من جدِّها، فعاد يوم استراحة الضعف من ذُلِّه، وكان يوم المبدأ، فرجع يوم المادة!”. قال هذا في زمانه، فكيف به لو رآه في زماننا؟!

الخميس في: 06/05/2021

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق